الرئيسية / إضاءات / الحساسية الشعرية الجديدة.. إرث محمود درويش

الحساسية الشعرية الجديدة.. إرث محمود درويش

* محمد ولد محمد سالم

 

هل استطاع الشعر العربي أن يبلور حساسية جديدة بعد حساسية الحداثة الشعرية، وحساسية ما بعد الحداثة الشعرية، هل يمكن القول إن شعراء الألفية الثالثة أخذوا يبلورون رؤية شعرية جديدة؟، تتجاوز الأطروحات السابقة، ما الذي يجب أن نفعله إزاء شعراء شباب يبهروننا على المنابر اليوم؟، ننتشي لقصائدهم، ونعجب لأخيلتهم الشعرية التي استطاعت أن تؤلف المختلف، وتجمع الضد بالضد، في ثوب شعري تسابق صوره ولغته إيقاعه إلى أركان القلب، لتنبت من عشب الكلمات أزهاراً تنير لنا درب الحياة المظلم.
يذكر إبراهيم فتحي في مقال منشور له في جريدة «الحياة» بعنوان: «الحساسية الجديدة في الأدب العربي» أول من استخدم مفهوم «الحساسية» في النقد هو الدكتور لويس عوض عندما تحدث عن مفهوم «حساسية الشاعر»، وأراد بها جمع رؤيته للوجود بما فيه الإحساس والتفكير والثقافة والخيال، لكنّ الدارسين يجمعون تقريباً على أن من رسخ هذا المفهوم نقدياً هو إدوار الخراط في ثمانينات القرن الماضي من خلال مقالاته التي كان ينشرها عن القصة، التي جمعها في ما بعد في كتابه «الحساسية الجديدة.. مقالات في الظاهرة القصصية» 1993، وكان يعني بها الثورة الفكرية والثقافية التي تسربت إلى الإبداع، وتجاوزت مفاهيم الواقعية القديمة؛ لأن الأدب يعد انعكاساً للواقع ويؤدي إلى مفاهيم التنبؤ والرؤية والاستشراف للمستقبل، ثم شاع المفهوم واستخدمه نقاد كثر، منهم الدكتور صبري حافظ، ود. جابر عصفور، ود. محمد عبد المطلب وغيرهم، واختلفوا حول دلالته، فمنهم من رآه مرادفاً لمفهوم الحداثة، ومنهم من رأى بينهما انفصالاً في جانب واتصالاً في آخر، ومن أطلقها على قصيدة النثر في مقابل قصيدة الوزن بشقيها التفعيلية والخليلية.

نخلص هنا إلى أن «الحساسية الشعرية» هي صيغة «جماعية» للقول الشعري، استعيض بها عن مفهوم «المذهب» الذي يحيل إلى الصرامة، ومفهوم «التيار» الذي ارتبط بالتوجهات الإيديولوجية في الأدب، ويعتبر محمود درويش من بين كل شعراء الحداثة العربية الرائد الذي اكتملت على يديه أدوات هذه الحساسية الشعرية الجديدة، فقد جمّع كل الأدوات الشعرية والتقنيات التي ظهرت على حدة في شعر من سبقوه أو عاصروه من شعراء الحداثة، وصاغها في عجينة شعرية مسبوكة بعناية، لكنه تجاوزهم جميعا بأن جعل قصيدته مزيجاً متناغماً من كل تلك العناصر التي قد تبدو في الظاهر متنافرة؛ لكنها في ما وراء ستار الكلمات والرموز الظاهرة متحدة في رؤية كلية يصنعها الشاعر بموهبة وذكاء مدهش، يتداخل الحوار الدرامي مع السردية والمشهدية السينمائية والرمز بكل تجلياته، والصياغة التعبيرية الخارقة والمحملة بشحنة شعورية، والإيقاع السلس المتدفق، لتصنع ذلك العالم المتوتر الذي يستفز مشاعر ومخيلة القارئ في آن فيرغمه على الغوص بما وراء الظاهر ليكتشف الانسجام والتآلف في الدلالة، وكما قال الدكتور صلاح فضل عنه: «تظل حداثته (درويش) التعبيرية المتميزة كامنة في قدرته على صياغة اللفتات التعبيرية الخاصة والإسنادات المجازية الخارقة، القادرة على تخليق حالة التوتر وقلق المعنى مع بلورة الرؤية، كما تتمثل في استثارة لحظات الوجد وحالات التأمل واستحضار المشاهد البصرية المثرية للمتخيل الشعري والكفيلة بنقل حالة العدوى إلى المتلقي»، ولنتأمل مثلاً المقطع الأول من قصيدته «لماذا تركت الحصان وحيداً»: إلى أين تأخذني يا أبي؟/‏ إلى جهة الريح يا ولدي/‏ وهما يخرجان من السهل، حيث/‏ أقام جنود بونابرت تلاً لرصد/‏ الظلال على سور عكا القديم/‏ يقول أبٌ لابنه: لا تخف. لا/‏ تخفْ من أزيز الرصاص ! التصقْ/‏ بالتراب لتنجو!/‏ جبل في الشمال، ونرجع حينَ سننجو ونعلو على/‏ يعود الجنود إلى أهلهم في البعيدِ.
سنجد أنه حشد عدة عناصر أسلوبية لتخليق المعنى الذي يريد أن يودعه في هذا المقطع، معنى التهجير المأساوي واقتلاع شعب آمن من جذوره ليبدأ رحلة الشتات، وهو لا يقدم لنا هذا المعنى في شكل مباشر سهل؛ بل لا يمكن الوصول إليه إلا بالنظر فيما وراء الدلالة الظاهرة للجمل والكلمات، وفاعلية التقنيات المختلفة التي يحشدها الشاعر في هذا المقطع، وأولها تقنية الحوار التي تقيم مقابلة بين براءة الطفل المندهش من مغادرته المفاجئة للمنزل، ويقينية الأب المهزوزة بفعل آلة الموت التي تصدر أزيزاً من حولهما «لا تخف من أزيز الرصاص، سننجو»، وأيضاً بفعل المجهول الذي يقبلان عليه «جهة الريح، جبل في الشمال»، والتقنية الثانية هي السرد الذي يصنع مشهدية وخلفية لصورة الابن وأبيه وهما يغادران المدينة عن طريق «السهل» المطل على عكا، وكأن الشاعر هنا يصنع إطلالة أخيرة على مدينة يعرف أن الرجل وابنه لن يرجعا إليها، ما يزيد الحالة مأساوية، وخلال ذلك يورد الشاعر تقنية ثالثة وهي استدعاء الرمز التاريخي «احتلال جيش بونابرت لعكا» الذي يقابل الحالة الراهنة «احتلال «إسرائيل» لفلسطين»، مقابلة تأكيد كأنما التاريخ يعيد نفسه، فها هو احتلال آخر جديد بجنوده المدججين الذين يعملون القتل في الأبرياء، وهنا تتجلى تقنية رابعة، وهي «الإسناد الخارق» الذي يخرق منطق اللغة؛ لكنه يولد المعنى البديع «لرصد الظلال على سور عكا»، فالعبارة هنا توحي بثبات الحالة، ليلاً ونهاراً، وبدقة الرصد لأي شيء يتخفى وراء الظلال، أو أي شيء يتحرك ظله على الأرض، جنود جاثمون على كاهل المدينة ومستعدون لقتل أي شيء، ويتواصل الحوار الدرامي، وخلاله يضيف الشاعر تقنية خامسة، وهي التكرار الإيقاعي الذي يصعد درجة الخوف، ويوتر الموقف «لا تخف، لا تخف، لتنجو، سننجو، ونعلو»، وعند هذا التصاعد الدرامي يبدو ذلك الأمل الضئيل بالعودة أملاً في مهب الريح، رغم أن استدعاء التاريخ يؤكد ذلك الأمل، لأن جنود بونابرت رحلوا، وبقيت عكا وأهلها، و«إسرائيل» سترحل، وتبقى فلسطين وأهلها، لكنّ الشاعر في المقاطع اللاحقة سوف يؤكد أن ذلك كان مجرد أمل، وأن العمر سيمر، ولن يعودا إلى منزلهما.

هذا نموذج واحد وقصير جداً؛ لكنه دال بهذه العناصر الأسلوبية الكثيرة التي حشدها الشاعر فيه، ووظفها بمهارة عالية تشهد على قوة موهبته، وعلى أنه مؤسس لحساسية شعرية نادرة، امتصت رحيق الجمالية الشعرية في كل تاريخ الشعر العربي القديم والحديث وتجاوزتها بإضافاتها الخاصة، وقد حاول الكثير من معاصري درويش، ومن الأجيال اللاحقة له، محاكاتها والإمساك بها؛ لكنهم تاهوا عنها، وضلوا طريقها، ولم يمتلكوا الرؤية والموهبة الشعرية لصناعتها، فجاءت معظم محاكاتهم شكلية، غامضة، تحشد التقنيات الأسلوبية الظاهرة في شعر درويش؛ لكنها تخطئ توظيفها، وتعوزها الرؤية الكلية التي تنظم الشتات، وتوجه طريقة توظيف العناصر.

ومنذ عقد التسعينات من القرن الماضي، ظهرت طبقة جديدة من الشعراء استوعبت الحساسية الدرويشية، وفهمت طريقته في تأليف العناصر، وضم بعضها إلى بعض في معمار كلي، وامتلك هؤلاء الشعراء الموهبة لنسج قصائد رائعة على غرار تلك التي نسجها درويش، من دون أن يتماهوا معه أو يذوبوا فيه؛ بل أصبح لكل منهم صوته الخاص، ما يعني أن غرس ذلك الرائد الفذ بدأ يؤتي أكله، وبدأت هذه الحساسية الشعرية تنتشر في أرجاء الوطن العربي، وهناك أسماء كثيرة لامعة في هذا الاتجاه، منهم مثلاً الشاعر المصري أحمد بخيت، الذي يمتلك قدرة لافتة على صناعة المجازات اللافتة، وتأليفها في رؤية شعرية ممتدة لآخر القصيدة، مع موهبة موسيقية وتصويرية عالية، ففي قصيدة «أبناء هاجر» التي قالها في باريس يؤثث لمعنى الغربة بضفيرة من ذكريات الطفولة في الحي، وغربة الشعراء، وغربة اللسان، وغربة المكان، وغربة أبناء هاجر، مستخدماً في ذلك السرد والرمز التاريخي والديني، ومستخدماً أكثر تلك الصيغ الإسنادية الخارقة التي تتوالد وتتناسق عبر إيقاع شجي يصنعه التكرار الكثير والمقابلات وإيقاع الوزن، لتؤلف رؤية واحدة تتمحور حول مأساوية غربة الشاعر التي يعيش فيها كل أوجه الغربة الممكنة، يقول بخيت:
أبناءُ «هَاجَرَ» طيبون ترجَّلوا
مُستبشرينَ أمامَ ضحكةِ «ساره»
سنُحِبُّ منفانا وحين يحبُّنا
المنفى، سيرجعنا قميصَ بِشاره
باريسُ، هذا العودُ أجملُ عازفٍ
في الشرقِ أطربَ ليلَهُ ونهارَهْ
سيظلُّ يعزفُ للذينَ يحبُّهم
لو غَرَّبُوهُ، وجرَّحوا أوتارَهْ
أبناءُ هاجرَ يعرفون طريقَهم
للماءِ مهما فارقوا أنهارَهْ
وللشاعر السوداني الشاب محمد عبد الباري الذي برز في السنوات الأخيرة قصائد على نفس المنوال الذي يجمع بين الإشارات التاريخية والدينية والأسطورية واللغوية على بساط إيقاع متصاعد نحو التأزيم الدرامي ليبني منها معمارية متماسكة في رؤية واحدة، تبرز قدرة فائقة على اقتطاع المعنى من سياقات مختلفة وإعادة تأليفه حسب ما يريده، مع إعطاء القارئ مفاتيح للولوج فيه، كما فعل في قصيدة «مالم تقله زرقاء اليمامة» التي صور فيها الواقع العربي الراهن، ويختمها بقوله:
سبعٌ عِجافٌ، فاضبِطُوا أنفَاسَكُم
مِنْ بعدِهَا التّاريخُ يرجِعُ أَخْضَرَا
هِيَ تلكَ قافلةُ البشيرِ تَلُوحُ لِيْ
مُدُّوا خيامَ القلبِ، واشتَعِلُوا قِرَى
أشتمُّ رائِحَةَ القَمِيصِ، وطالمَا
هطَلَ القَميصُ على العُيُون وبَشّرَا
رغم كل هذا الخضم من أشباه الشعر التي تموج بها الساحة العربية، ورغم تشاؤم الكثير من النقاد والقول إن الشعر العربي كف عن الإبداع، وأصبح مجرد أصوات جوفاء، وغموض مستغلق، رغم ذلك، فإن هذه الحساسية الجديدة تتسع وتتجذر، ويتكاثر شعراؤها، ومن المنتظر أن تمتد طويلاً، وتخلف قامات سامقة إلى أن تستنفد طاقتها، فتظهر على أنقاضها حساسية أخرى جديدة.
________
*الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

مهن في عباءة الإبداع

القاهرة: طارق سعيد أحمد غالباً ما تكون مهن الكتاب ذات انعكاسات سلبية على كتاباتهم، وبخاصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *