الرئيسية / خبر رئيسي / حزامة حبايب تجعل المُـخمل حُلمَ الفلسطينيات في المخيم

حزامة حبايب تجعل المُـخمل حُلمَ الفلسطينيات في المخيم

*محمد برادة

في روايتها الثالثة، «مُـخـمَل» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، تـستكـمل حُـزامة حـبايب رسـم ملامح المـجتمع الـفلسطـيني وحياته في الـمـنفى وفي المـخـيمات، مـتنـقلة بين الطبقة المتعلمة الموسـرة أو المتوسطة (أهـل الـهوى؛ قبـل أن تـنام الـملكة) ثم الفـئات الفقـيرة المحـشورة في المخيمات (مُـخـمل). لـكن هـذه الـمِـروحة الروائية التي تـلتقط مـجـمـل النماذج الـبشـرية ذات العلاقة الـعضوية بالشعب الـفلسطيـني، تـتـمـيــز بـخصائص فـنـية ودلالـية تـســتـرعي الانـتبـاه وتلفتُ النظـر إلى اتـجـاهٍ في الكتابة والتـحليل يـحرص على أن يجـعل من الفضاء الـفلسطيني جـزءاً من الفضاء العربي والإنساني بما هـو عـليـه من فـضـائل ورذائل، من استـقامة في السلوك وشـذوذ، من طـِـيـبَـةٍ وعـنف، من دون جـنوح إلى إضفاء مظاهـر القداسة أو الاحتماء بـعدالة القضية الفـلسطيـنية وطـُـهـرانية أبطالها… ويمكن القول إأن دعامـة الـبناء الروائي عند حـزامة، هـي الـتـأريخ الـتـخـيـيـلي عـبْـر الـعائلة وَالـحُـب: العائلة الفلسطينية في الشتات وبعض الأقطار العربية مـعـرضة لصراع العواطف وعنف العلائق بين الأبناء والآباء، ومُـخـتــَـرَقة بـإغراءات حضارة العولمة وبـذخ الرفاهية؛ والحــبّ في وصفه عاطفة بـشرية تـسـعف على العيش في مناخ الـتشـرد ووطأة القيـم الـبطريركية الموروثة، وتـُـحـفز على المقاومة والأمل.

تـنـبنـي «مُـخـمل» على ثـمانية فـصـول يـسـردها راوٍ عـليــم، مـع تـبـئــيـر السـرد حول «حـوّا» ابنة عائلة فلسطينية تعيش في مخـيّم الـبـقعة بـالأردن، مكونة من ثلاث بنات وابـنـين، أحدهما ناجح في عمله والأصـغر فاشل في دراسته وحياته، وأب قاسٍ أنانيّ يرغم بـنـاته على زنا المحارم، وأمّ تكره بـنـاتها، وجَـدةٍ مـتسـلـطة تـفـرض آراءها على الـبنات. وجميع أفراد الأسرة باســتــثـناء الابن الأكبـر، يعيشون في بيـت ضــيّـق بالمخـيـم، ويعتمدون على مساعدة الابن الناجح في عمله، فيما تسـتـجيب البـنات للزواج الـمفروض من رجالٍ لهم قـرابة بالعائلة… وفي مـقابل هذا الفضاء العائلي المـغلق، الـجـحـيـمي، هـنـاك بـيت السـت قــمـر الخياطة، الواسع والأنيـق بـعيداً من المخيم، ومـنزل درة الـعين الفلسطينية التي تـزوجت عــن حبّ وشـيّـدَ لها زوجُها شقة في حيّ هادئ يـسـكنه مَـنْ استـطاعوا أن يـتـحرروا مـن قـفص الـمخيم. هذا الـتوزيع في فضاءات السـكنى لـه دلالات اجتماعية واضحة، ويـضبط إيــقاع مشــاهد الرواية مـن خلال شخصـية حـوّا التي تزوجت رغمًا عنها من رجل فـظ، يضربها ويسـتـغـلها في تـدبـير شؤون البيت والاستـيلاء على ما تــربحه من عملها مع الست قمر الخياطة التي تعاطفت معها وعـلمـتْـها مـهنة تـفصـيل الموديلات وحياكتها، وتـمـيـيـز أنواع الـقماش والـمُخـمل، وعـَـوّدتْـها على سماع أغـاني فـيـروز التي وظفت الكاتبة مقاطع منها على امتداد الرواية لإبــراز مشــاعـر عاطفية. من خلال حوّا وعلاقتها بالست قـمـر السورية الجميلة النازحة إلى عـمان بعد قصة حب تـركت أخاديد عميقة في وجدانها، نـتـابع مشاهد متوازية ومُتـداخلة بـين أسـرة المخيّـم الـغارقة في العنف وقـهر البنات، وبين حياة قـمـر وزبوناتها وأشجانها المتجددة. لا يخضع السـرد لـتـسـلـسلٍ خطّـي، بل يـأتي مـتـداخلاً في الأزمنة والأحداث، ما يجعله يـنـمو أفــقـيًا، مع اعتمادٍ بـارز على الوصف الدقيق للفضاء والأثـاث وبخاصة أنواع الـمُـخمل التي تـستـهوي الست قـمَـر وذوقها الرقيق المصـفـّـى: « منتشية [قمَـر] إذ تـُطـوّق أنـفـَها رائحة البخور أولَ اشتعاله في الـمُخمل، ورائحـة هواء أيـّار مـتنـقلاً بين بـتـلات الزنابق والجوري والياسمين في الحريــر والســاتـان والـشيـفون؛ ورائحة الفاكهة المـجففة في الأورغـنـزا والـغـيـبـيـر والـدانــتـيل، ورائحة تـرَفٍ مُـعتــق، شــائخٍ أحيانًا في الأقـمشة الـمُـقصبة والـمُـشـكـشـكة والـمُـطـرّزة…»ص 162.

هذا البـناء لرواية «مـخـمل» أتـاح للكاتبة أن تـُـنـجـز عــنـصـريْـن مـهميْن : رصـدُ أجيال عدة داخل أسـرة المخيم (الجدة، الأب والأم، البنات والابنـان، الأحــفاد)؛ وفـتحُ نوافذ على فـئات اجتماعية أخرى وعلى السـياق السياسي من دون خطابٍ مـباشر، وإنما من خلال علاقة حبّ عاصف وسريع بين الست قـمـر وفِــدائي فلسطيني هاربٍ يبحث عن مأوى موقت لينجو من مطاردة مُتــعــقـّـبـيـه… وتــظـلّ حـوّا هي الـنقطة الـمتـحركة، الواصلة بين شخوص الرواية وَمـفاصِلها البارزة، وفي الوقت نفـسه تغدو تطوراتُ حياتها هي اللـحمة الـمـجسّــدة للأبـعاد المـأسوية الـمـمتـدّة من اضطهادها داخل البيت وعلى يـد زوجها، ثم طلاقها بعد أن ولدت آيـة وَقـيس، وتعلـّـمُها الخياطة والتـقـائها بـ «مـنـيـر» الأرمـل الذي تـعلق بها وزرع الأمل في حياتها القاحلة وأراد أن يـتـزوجها لكن أخاها عـيـاد وابنها قيس لم يسـتـسـيـغا أن تعيش قصة حب قبل الزواج، فـأطلق الابـنُ النار عليها ليحـرمـها من ســعـــادةٍ تـخايلتْ لها في نهاية المشـوار.

الـحبّ يأتي دائماً مُتأخراً

تـنـطوي رواية «مُـخمَـل» على بُـعْــدٍ تـراجيـدي مُـمـتـدّ الـجذور في تاريخ شـعب ابـتـُـلي بالتـشـريـد والاحتلال، وفي سلوك بشـريّ مُـثـقـلٍ بتـقاليد ماضوية مغـلوطة تحكم على المرأة بالـدّونـية والوصاية الأبدية. وقد اسـتـعـملت الكاتبة كلمة «اللاّحُبّ» لـتـصف العلاقة القائمة بين أفـراد عائلة مـخـيّـم «الـبُـقـعة»، إذ نـجد الـعنف والـكراهية والـنـفـعـيـة هي السمات الـغالــبة على سـلوك أفـراد الأسـرة، من دون وجود عواطف تـربط على الأقـل بين أفـراد مـنها. قـد نُـرجِـع هذا الجـفاف العاطفي بين أعضاء الأسـرة إلى الشـروط الاجتماعية والسـياسية، إلا أن السـلوك الـعنيف والـمـنـحرف يُـحيـل أيضاً على غياب الحب والتعاطف وعلى سـيادة روح الـفردية والأنانـية، ما يُـضفي على أسـرة المخيم حـالـة مُـجسّــدة لـمأساة إنسانية. ومن ثـمّ، تـبدو حــوّا شخصية اسـتــثـنائية وسط العائلة، لأنها قـبلت أن تضحي طوال حياتها بكل شيء، لتخدم جـدتها وأمها الـمريضتيْـن وتـمـدّ زوجها وابنتها وابنها وأخاها بالنقود التي كانت تـكسبها من مهنة الخياطة… وفي غـمرة هذه التجربة العسـيرة، تـفـتّح قـلبُ حوّا للحبّ عندما قابلت صدفة مـنـيـر الذي فـقد زوجته وأصبح وحيداً مع أبنائه، فـبادلـها الحنان والمحبة وتـواعدا على الزواج بعد لـقاءات غرامية في الخفاء، إلا أن رقابة الابـن والأخ حكمت على حــوّا بالإعدام، لـتـؤكد أن كل الأبواب مغلقة أمام سكان المخيم وامـتــداداتهم الـرمزية : « …كانت حـوّا في تلك اللحظات التي تــفـصـلها عـن مـوتٍ أكـيد، تفكـر في أنها لا تـزال تـريد الحياة؛ وهو أمــر هي نفسها كانت تـستغـرب منه، إذ كيـف لها أن تحب الحياة في الوقت الذي لم تحبها الحياة فيه؟ لـكن حـوّا كانت تـريد الحياة غـصـباً عن الحياة نـفــسـها» ص 295.

غــيْـر أن الروح الـمأسـوية التي تـهـيـمـن على الرواية ليسـت بالـمُـطلق، لأنـنا نـجـد نـمـوذج السـتّ قـمـر التي تـغامر بحياتها كلما تـعـلـق الأمـر بالحب الذي يـتـيح للمرأة أن تخـتار؛ ثم نمـوذج درة الـعـيْـن الفلسطينية التي عاشت تجربة عاطفية ناجحة متحدية التقاليد؛ بـل ونموذج حـوّا التي تعلمت من سـيرورة العمل والـمـمارسة ومن تجربة الست قـمـر أن الإنسان لا يـعيش بالخـبز وحـده، فـَجـرؤت على أن تستـجيب للحب الذي طـرق بابها متأخراً، غير مبالية بسيف العائـلة المـسلول فوق رأسها… على هذا الـنحو، تـنطلق «مُخـمل» من واقع المخيـم لـتــتـغـلـغَـل في أعماق النفس الإنسانية وتلامس مأساة المرأة الخاضعة للوصاية والتقاليد البالية، وترسـم صورة للمـرأة التي تـُـقاوم على رغـم الشروط القاسية لأنها «تـريد الحياة غـصـباً عن الحــياة نفســها». الجديـر بالملاحظة، والاعتـبار، هو أن حـزامة حـبايــب تـؤكد في «مــخـمل» ما بـرهـنتْ عليه في روايتـيها السابقـتيْـن «أهــل الهوى» و «قـبـل أن تنام الملكة»، أي موهـبة السـرد والشكل المتجدد، والقدرة على التـعبـير عـبْـرَ لـغة دقيقة مـتدفقـة، والـحـرص على تـحريـر الـرواية من الانتـماء الـقـُـطري الضّيـق لـتـصبح موصولة الانـتـساب بأسئلة المعنى ومـعايير الـقـيَــم والبــحث عـن سَـكَــنٍ داخل عـالم فـاقـدٍ لـلـبَـوْصــلـة.
__________

*الحياة

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *