الرئيسية / إضاءات / رامبو.. طفل شكسبير المعذب في عدن

رامبو.. طفل شكسبير المعذب في عدن

*حسن عبد الوارث

تتراءى عدن، المدينة ذات الثلاثة آلاف عام، في صور شتى من مرموز التاريخ وحقائق الجغرافيا ورواسب الأسطورة. وإذْ تبدو للقادم من بعيد سلسلة جبلية شاهقة برؤوس مُدبَّبة كأسنان سمكة القرش تبرز من أعماق البحر، مُطوّقة عنق المدينة الرابضة على بركان خامد، ومن حولها تتبدَّى تلك الجبال كعمالقة جبابرة يحرسون مدينة الجن.. فإنها في الميثولوجيا: صخرة الجريمة الأولى، حيث قتل قابيل أخاه هابيل، فانساب الدم الأول ليَخُطَّ على صفحة الأرض قصة المأساة الإنسانية الخالدة إلى الأبد.
وقد ساد اعتقاد لدى عديدين أن تلك الصخرة هي ما عُرف – في زمن لاحق – بجزيرة العبيد، حيث كان تجار الرقيق يستقدمون قطعاناً بشرية من بعض بلاد إفريقيا إلى هذه الجزيرة، فيُروّضوهم بالسياط لسلب إرادتهم وكبح عنفوانهم قبل تصديرهم إلى أوروبا وأصقاع أخرى. وهي الجزيرة التي ارتبطت لاحقاً بسيرة الشاعر الفرنسي آرثر رامبو في عدن.
في 7 أغسطس 1880 وصل رامبو إلى عدن للعمل لدى أحد التجار في مجال تصدير البُن من عدن إلى مارسيليا، قبل أن تُثير تجارة الرقيق والسلاح شهيته لما تُدرّه من مال وفير قياساً بعمله الذي قدم من أجله في بادئ الأمر.. فقد أثبتت الوقائع اللاحقة، وبالذات ما كشفتها مراسلاته مع شقيقته إيزابيل في وطنه الأم، أنه كان توّاقاً للكسب السريع بكل وسيلة متاحة ولو كانت دنيئة أخلاقياً.

قبل وصوله إلى ساحل عدن على متن سفينة قادمة من قبرص، كان قد جاب أصقاعاً عديدة، فلم تكن حياته سوى سلسلة من الموانئ والمحطات والمنازل المؤقتة، أي أنها كانت حياة «ترانزيت».. كيف لا وهو الذي ظل يردد عبارته الشهيرة «الحياة دائماً في المكان نفسه أمر بائس جداً».. كما أن الشاعر بول فيرلين صديقه الحميم وصفه بالرجل الذي «انتعل الريح».. ووصفه ربُّ عمله في عدن الفريد دو بار بأنه «مُذنَّب مُضيء لا يطيق الثبات في مكان مطلقاً».. وكلها أوصاف تشير بوضوح إلى ترحاله وتجواله الدائمين بلا نقطة توقف ولا محطة استقرار.

كان في السادسة والعشرين من عمره (من مواليد شارلفيل الفرنسية في 1854) حين قدم إلى عدن. وكان حينها قد هجر كتابة الشعر مع ما هجر من وطن وأهل وأشياء وحالات حميمة في حياته التي لم تعرف يوماً أي وضع سويّ أو مستقر، فقد بدأ يكتب الشعر في سن السادسة عشرة وتوقف عنه في الحادية والعشرين، أي أنه حقَّق مجده الشعري كله في غضون خمس سنوات على الأكثر، وبرغم ذلك أطلق عليه فيكتور هوجو وصف «طفل شكسبير».. وقد ظل كثيرون – ولسنوات طويلة – يعتقدون خطأ أن رامبو كتب بعض القصائد في عدن أو عنها.. والحقيقة أنه لم يَرد اسم عدن أو وصفها بقلم رامبو إلاَّ في رسائله التي كان يبعثها إلى إيزابيل.
في فوهة البركان

اتَّسمت علاقة رامبو بمدينة عدن وأهلها بحالة من الالتباس أو التناقض.. فالرجل الذي أدمن هجاء هذه المدينة والسخط على كل ما فيها، أدمن أهلها حبه ومدحه والتفاخر به.. وهذا هو ديدن أهل عدن من قديم الزمن: كرماء على نحو لافت في وفادتهم للغريب ومعاملتهم له وتعلُّقهم به طوال عهده بينهم، بل إنهم نادراً ما ينسونه بعد مفارقتهم أو يقطعون السؤال عنه كلما تسنَّت لهم الوسيلة.
لقد كانت رسائل رامبو إلى شقيقته إيزابيل تنضح بقدر كبير من التذمُّر والسخط تجاه إقامته في هذه المدينة، حتى أن قارئها أحياناً يستشعر بين سطورها حالة من الكراهية الشديدة يحملها الرجل للمدينة التي آوته بعد تشرد وأمنته بعد قلق.. فهذه المدينة ليست «الصيف الأبدي» الذي طالما حلم به، بقدر ما تبدَّت له مجرد «فوهة بركان». وبالفعل فإن «كريتر» – وهو اسم الحي الذي كان يقطنه رامبو – يعني بالإنجليزية حرفياً: فوهة البركان. ولم يكن أحد قط ليتصوّر أن يحتمل رامبو العيش في هذه المدينة المُتَّصفة بالحرارة الشديدة والرطوبة المرتفعة واليباس اللافت وهو القادم إليها من بلدان تتصف بالبرودة الدائمة والمدنيَّة الناعمة.
بعد أقل من ثلاثة أسابيع على وصوله إلى عدن، وفي رسالة إلى إيزابيل يوم 25 أغسطس، أبدى رامبو ضيقه الجم من ضآلة الأجر الذي يتقاضاه من عمله لدى تاجر البُن – وهو ضابط فرنسي متقاعد – برغم أنه «أذكى موظف في عدن» بحسب وصفه لنفسه.. وفي الرسالة نفسها يصف عدن «كطائر الرخ المخيف» فهي ليست أكثر من «صخرة قبيحة، لا يوجد فيها عود أخضر واحد، أو بقعة ظل، أو قطرة ماء عذبة، إننا نشرب من ماء البحر المُقطَّر».
حتى بعد أن أقام فيها قرابة سنتين، لا يزال يتقطَّر سخطاً وينزُّ تذمراً، ففي 10 مايو 1882 كتب إلى شقيقته: «إن السنة هنا تساوي خمساً في أي مكان آخر» وهنا أي عدن حيث «ندى السماء لا ينزل إلاَّ مرة واحدة».. واصفاً المدينة بأنها «الأكثر وحشة في العالم» بعد مدينته شارلفيل.
ومن العجيب للغاية أن شاعراً بذلك القدر الوافر من الموهبة بل والنبوغ، يكتفي في مراسلاته بتلك الملاحظات الساذجة والسطحية التي تدور كلها حول سوء الطقس، وهو الذي اختلط بسكان المدينة من مختلف الفئات والجنسيات والمشارب، إذْ لا يوجد سطر واحد – في عشرات الرسائل التي كتبها وبعثها طوال سنين عدة – عن مشاهداته وانطباعاته بشأن الحياة الاجتماعية وعادات الناس وتقاليدهم وفنونهم وطقوسهم الدينية، أو ما تحتضنه المدينة من شواطئ افتتن بها كل الرحالة الذين زاروها أو معالمها الأثرية المشهود لها بتجسيد حضارة بالغة القدم والتي لا شك في أنه يشاهدها لأول مرة.
غير أن رامبو – وللأمانة الأدبية – لم يُسلّط نظرته السوداوية تلك على عدن وحدها، بل كانت هذه الروح المكتئبة تُلازمه طوال رحلاته وتنقلاته بين مختلف المدن، أكانت تلك التي أقام فيها أو التي مرَّ بها سريعاً في مضمار الترحال. ونادراً جداً ما لفت نظره منظر طبيعي خلاب أو معلم حضاري جذاب أو أي مظهر للحياة المدنية من أي نوع وفي أي مجال. فمن خلال رسائله يُصدَم المرء بسخطه الدائم بل والمطلق على الحياة وعلى نفسه، ما يشير إلى روحه القلقة وذاته النزقة، وكأنَّه يترحَّل ليعاقب نفسه لا ليُمتعها، بادياً للقارئ وكأنَّه دفقات قوية ومتلاحقة من الموج المُتكسّر على صخور الحياة، بل إن عدم توقه إلى الاستقرار في مكان أو بلد يكشف حقيقة هذه الروح الموغلة في التمرد الحاد والمشبعة بالاضطراب المريض، بل والانحطاط بحسب وصف بعض دارسيه الذين اعتقد بأنهم كانوا يشيرون إلى تجارة العبيد والسلاح التي زاولها لعدة سنين خلال إقامته وتنقله بين عدن والحبشة.
– لكن.. لماذا ظل رامبو مقيماً في عدن وهو يكرهها بهذا القدر؟
في 29 مايو 1884 بعث رامبو برسالة إلى إيزابيل تتضمن قدراً من الإجابة عن هذا السؤال:
«من الواضح أنني لم آت إلى هنا لأكون سعيداً. وعلى الرغم من ذلك لا يمكنني مغادرة هذه المدينة الآن بعد أن أصبحت معروفاً فيها وحيث سيمكنني دائماً أن أجد ما أعيش به، بينما في مكان آخر لن أجد غير الموت جوعاً».
والإجابة نفسها عن السؤال نفسه تتواصل في رسالة أخرى.. ففي 15 يناير 1885 كتب إليها: «إن الناس الذين قضوا بضع سنوات هنا (في عدن) لن يستطيعوا قضاء فصل الشتاء في أوروبا، فهم سيموتون بأدنى ذبحة صدرية». لكن الإجابة لم تكتمل بعد عن السؤال الذي يُمثّل واحدة من أعقد الشفرات في علاقة رامبو بعدن. في إحدى رسائله يؤكد عزمه على العودة إلى وطنه أخيراً: «ربما آن الأوان لجمع بضعة آلاف من الفرنكات من مُدَّخرات حصَّلتها من هنا وهناك، والعودة إلى البلد (فرنسا) لأتزوج. ومن المتوقع أنهم هناك سينظرون إلي كهلاً لا يمكن أن تقبل به زوجاً غير أرملة!».. وفي سياق الرسالة يكشف مقدار الحب الذي بات يستوطن جوارحه تجاه عدن، واصفاً إياها ب «أفضل مكان في العالم بالنسبة لي».
فها هي علاقة الكره الشديد قد غدت حالة عشق راسخ يكنُّه الشاعر الساخط على الدوام نحو فوهة البركان أو طائر الرخ أو الجحيم وفرن الجير، والمدهش حين يبلغ به الشوق إلى عدن وهو في أيامه الأخيرة على فراش المرض – بل كان فراش الموت – حدَّ التمنّي أن يموت ويُقبَر فيها، بحسب ما أكدته شقيقته إيزابيل الشاهد الوحيد على آخر لحظات حياته.
علامات استفهام

من الأسئلة التي حامت حول رامبو خلال إقامته في عدن، بل وظلت تحوم بعد رحيله عنها وعن الحياة كلها، هو السؤال المتعلّق بحقيقة اعتناقه الإسلام. فقد شاع في أوساط معارفه من السكان المحليين، لاسيما في الحي الذي قطنه، أن «عبدربو» – وهو الاسم الذي اتّخذه رامبو بعد زمن من إقامته بينهم – قد أسلم. وزاد هذا الاعتقاد ثباتاً لديهم حين كانوا يرونه يقرأ باهتمام شديد نسخة من القرآن حصل عليها من أحد السكان. والمعروف أن رامبو كان يجيد العربية ضمن لغات أخرى أتقنها خلال ترحاله الطويل.
وفي إحدى رسائله إلى شقيقته طلب منها أن تعثر من أجله على نسخة من القرآن بالفرنسية، كان يحتفظ بها والدهم في منزلهم بعد أن جلبها من الجزائر حيث كان يخدم هناك جندياً في جيش الاحتلال الفرنسي، مؤكداً عليها أن ترسلها له، لأنه «من دون هذا الكتاب، سأكون مثل أعمى» بحسب تعبيره الحرفي. لكن ما حَكَتْهُ إيزابيل بعد رحيله في 10 نوفمبر 1891 كان مفاجأة بحق. فقد أشارت إلى أنه خلال نوبة الهذيان التي انتابته في سكرات موته، كان يردد بوضوح «الله كريم.. الله كريم» وهو ما سمعه ذلك القس الذي زاره في لحظاته الأخيرة، فرفض إعطاءه القربان المقدس.. والمشهد له دلالته الواضحة.
أما أصدقاؤه في عدن فقد أقاموا له مجلس عزاء في البيت الذي كان محل إقامته، فور وصول نبأ موته إليهم، وعلَّقوا في صدر المجلس صورته مُزدانةً بعبارة «لا إله إلاّ الله، ولا قوة إلاّ بالله.. إنّا لله وإنّا إليه راجعون».
وبعد مئة عام على وفاة رامبو (1991) سعى عشاق شعره ودارسو سيرته إلى البحث عن البيت الذي سكن فيه خلال إقامته في عدن. وقد اهتدوا إليه بعد جهد جهيد من خلال تتبُّع تفاصيل مراسلاته ووثائقه وصوره التي كان يلتقطها أمام المبنى الذي يقع فيه البيت. وقد كان هذا البيت – خلال إقامة رامبو فيه – يُحاذي شاطئ البحر مباشرة، لكن عمليات ردم البحر التي تمت منذ ذلك الحين جعلته مبتعداً عن الشاطئ بنحو كم أو أكثر. ولو عاد رامبو اليوم لما اهتدى إلى بيته الذي غادره لآخر مرة يوم 9 مايو 1891، تاركاً وراءه أغراضاً شخصية كثيرة لأنه – حسب وعده لأصدقائه يومها – عائد لا محالة ليواصل العيش بينهم في المدينة التي لم يعد يطيق الابتعاد عنها طويلاً.. غير أنه لم يعد قط، تاركاً وراءه حزمة من الأسئلة التي غلَّفت علاقته بمدينة عدن بكثير من الإدهاش المشوب بالالتباس.
_________

*الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

أمركة جائزة «بوكر» تخيف الناشرين البريطانيين

*مصطفى زين يكثر في الأدبيات العربية التخوف من «الغزو الثقافي الأميركي». وإذا كان هذا الأمر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *