الرئيسية / مقالات / بياع الكلام

بياع الكلام

خاص- ثقافات

*كفاح جرار

قال صاحبي الذي أكرهه ولا أنكر احترامي له.. منذ كتب الصحفي القدير جلال الدين الحمامصي في “قربته المقطوعة” ما أحلى الرجوع إليها، وأنا أعود وأرجع إلى هذه المهنة، التي تكاد تسحق ما تبقى من عزيمتي.. ولم أسأله لماذا فقد اعتدت ذلك منه، وقد وجدته محقا هذه المرة، ربما لأن المهنة أضحت بقدرة غير قادر ولا قاهر مهنة من لا مهنة له.

والمهنة التي يدخلها الدخلاء غادرها وابحث عن مهنة أخرى، حتى لا تفقد احترامك لنفسك، وهذا الموقف يذكرني بطفولتي عندما كان يأتي بائع الكاز شتاء، على ظهر بغله وهو يجر عربته الخزان، وكان هذا يغيب أياما ثم يظهر فجأة ليحتكر بيع سلعة يحتاجها الخلق، وليس باستطاعتهم مقاومة جشع وطمع البائع، لحاجتهم إلى وقود التدفئة.

ويتكرر الحال اليوم بباعة أشياء كثيرة، مثل الماء، وقد سمعت بعضهم يقولون إن هناك من يعطل مشاريع الماء الصالح للشرب، حتى يستمر باعة الماء في التجوال وهم يطلقون زمار شاحناتهم، ليوقظوا غفلة الحجر والشجر قبل البشر، فالربح هو شعارهم، مثل باعة الكلام الذين يشبعونك وعودا وهمية، كوعود الانتخابات، ثم تذوب زبدة الليل على حرارة الواقع.

وفي الجزائر مثلا، يكفي أن تستولي على نبع بطريقة ما، ثم تحضر قواريرك البلاستيكية لكي تقيم “مصنعا” لتعبئة المياه المعدنية، وأعتذر من كل مصنع، فهذا مجرد استهتار واستحمار ولا علاقة له بالاستثمار.

ونحن البارعون في الأكل رغم تسوس أسناننا، نعرف أن البائع هو المستغل الصغير بلا رادع ولا وازع، ولأن الضمير لا يعتد به في المحاكم، تجد المضارب المحتكر والغشاش يصوم ويصلي، بل وينظّر في الدين إن اقتضى الأمر، وهو يقسم أنه من أصحاب جنة النعيم، وإلا كيف يتفق أن ينقلك من يطالب بالدولة الإسلامية من منطقة إلى ناحية أخرى بنفس المنطقة بمئتي دينار مستغلا ما يحسبه جهلك، ثم يبيعك من الوطنية وتعابير الجهاد وآيات القرآن المجتزأة ما يخجل أمامهم حتى أمير الجزائر نفسه.

تلك هي المعادلة التي حدثني عنها صديقي الذي أكرهه وأحترمه، وكنت قد قرأت كتاب “القربة المقطوعة” للحمامصي، وهو من كتب التاريخ الصحفي والإعلامي العربي، القليلة وذات النفع الكبير، وفيه عرّى الفترة الملكية والناصرية والساداتية، بعلاقاتها مع أجهزة الإعلام، ولعله الوحيد الذي قال كلمة حق في الأخوين مصطفى وعلي أمين، أصحاب “أخبار اليوم”، وأدان هيكل، واتهمه صراحة أنه كان وراء وشاية الزج بمصطفى أمين في السجن، مستغلا علاقته بعبد الناصر حيث اتهم الرجل بالعمالة الإعلامية للأمريكان.

أولئك الرجال كانوا أهل مهنة يفخر المرء بالعمل معهم، أما اليوم فقد تبخر الفخر، بمن تفخر يرحم الله والديك؟ بمأجور أو مرتزق أو بمن يسوق بضاعة العدو على شعبه؟.

ما أشبه ما نحن فيه من رقص متحرك، بتحرك الكثبان الرملية التي لا تختار مكانها، وإنما للرياح الكلمة الفصل في استقرار الكثيب المؤقت، وهي رياح غير عاقلة، فهل تعقل الريح؟.

 

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *