الرئيسية / إضاءات / في معنى أن «تقرأ» فيلماً

في معنى أن «تقرأ» فيلماً

*نواف الجناحي

(1)

بدأت القراءة في عمر مبكر جداً، وذلك عبر مكتبة المنزل التي كان والدي يُموّنها بالعناوين المختلفة كل حين. روايات، مسرحيات، كتب عن الفن المسرحي والسينمائي، دراسات في الفلسفة وعلوم ما وراء الطبيعة، إضافة إلى موسوعات علمية كنت أكن لها اهتماماً خاصاً، خاصة تلك المرتبطة بعلوم الفضاء. الفضول كان محركي الأول. إلى أن جاء يوم وطّد العلاقة بيني وبين الكتاب بشكل استثنائي.

كنت في العاشرة تقريباً، وكنا نسكن في الطابق الأول في بناية في منطقة النادي السياحي. اعتدت وقتها الصعود إلى الجيران في الطابق السابع مستخدماً السلالم الداخلية بدل المصعد، فقط لمتعة فعل شيء مختلف والتماهي مع فكرة العوالم الخلفية، وفي ذلك اليوم صادفت شيئاً غريباً في أحد الطوابق العليا، سكان شقة ما سينتقلون من البناية وقرروا التخلص من بعض الأغراض بوضعها في المساحة الخالية للسلالم الداخلية التي لا يستخدمها أحد، من ضمنها صندوق كرتوني ضخم مملوء بالكتب المختلفة من كل نوع، بعضها باللغة العربية، وبعضها بالإنجليزية! كنز حقيقي! بلا لحظة تردد وجدت نفسي أسحب هذا الصندوق الثقيل إلى غرفتي، وسط دهشة أفراد العائلة. لقد قرأت تقريباً كل ما كان موجوداً في ذلك الصندوق. منذ ذلك الوقت أصبحت أبحث عن الكتب وأشتريها من مصروفي الخاص، ما جعل القراءة خلال السنوات التالية رفيقة دائمة، أغوص معها في عوالم وأكوان الواقع والخيال.

(2)

لا يقتصر معنى القراءة في كونه مرتبطاً بالحروف المكتوبة، بل هو عملية مستمرة في كل ما يحيط بنا: قراءة كتاب، قراءة حركة المرور، قراءة أنماط تسلسل الأحداث، قراءة شخصية إنسان، قراءة فيلم، كلها تعتمد لا فقط على التلقي أو التواصل المباشر، بل بتفكيك وتحليل المعطيات بمختلف مستوياتها للوصول إلى نتيجة تتجاوز اللحظة أو البديهي.

لنأخذ الفيلم مثالاً. كيف تُقرأ الأفلام؟ نحن نشاهد حكاية، ونتابع شخصيات، ربما الهدف شيء من الترفيه، اهتمام خاص بالموضوع، أو ربما شغف الذوبان في عوالم أخرى. في كل الأحوال المتعة محققة، ولكن كيف نذهب إلى ما هو أبعد من ذلك؟

هل سيختلف الأمر إن تجاوز المشاهد، المتلقي، القارئ، هذه البديهيات إلى تفاصيل أعمق في جماليات الفن السينمائي نفسه؟ بكل تأكيد.

حجم الإطار وعلاقته بالسرد. معنى أن تتحرك الكاميرا فقط في لحظة معينة وبشكل معين. معنى اختيار الألوان في الديكور، ملابس الشخصيات، أو الأدوات التي يستخدمونها. هل هناك رموز ما يمكن اكتشافها عبر الصورة، الشخصيات، أو العلاقة بينها؟ هذه فقط بعض الأمثلة المبدئية التي تجعل المشاهدة تجربة أعمق. للمهتمين، هناك كتب عديدة تخوض في هذا المجال.

شخصياً، وبكل تأكيد، لا أود للمشاهد البسيط أن يتعمق كثيراً في التقنيات، كي لا يفقد عنصر البراءة في علاقته مع الشاشة، ولكن الحديث هنا ليس عن تحويل المشاهد إلى صانع، بل إلى قارئ يمكنه الارتقاء بنفسه من مستوى التلقي السطحي إلى آخر أكثر وعياً وتذوقاً للجمال.

______

*الاتحاد

شاهد أيضاً

في مديح الضجيج

*محمد إسماعيل زاهر ارتبط الضجيج دائماً بالإزعاج وبالأصوات الزاعقة، ومدافع الحرب وهدير آلات المدن الصناعية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *