الرئيسية / خبر رئيسي / مملكة الزَّيتون والرَّماد .. أدباء عالميون يفضحون الاحتلال!

مملكة الزَّيتون والرَّماد .. أدباء عالميون يفضحون الاحتلال!

رام الله- صدر كتاب “مملكة الزَّيتون والرَّماد” بطبعته العربيّة عن “كُتب قديتا”، الذي يضمن “26” نصا من أديبات وأدباء، شاركوا خلال العام الماضي في مشروع مناهض للاحتلال شمل جولات بالضفة الغربيّة وغزة للتعرّف عن كثب على ما يعنيه الاحتلال الإسرائيليّ، وكيف ينعكس على أرض الواقع وحياة الناس وتفاصيلها اليوميّة، ويأتي إطلاق النسخة العربيّة في حيفا ضمن سلسلة أمسيات دولية تُجرى هذا العام لصدور الكتاب في 12 لغة حول العالم.
ويأتي صدور هذا الكتاب ضمن مشروع دوليّ ضخم بادرت له منظمة “كسر الصمت”، التي تعمل على كشف ممارسات جيش الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي تشن عليها المؤسسة الإسرائيلية حربا مستعرة. وقد تألف المشروع من مرحلتين:

مرحلة الجولات الميدانية التي شارك فيها 26 كاتبا وكاتبة بارزين، 22 منهم من دول العالم المختلفة وهم: “ماريو فارغاس يوسا (صاحب جائزة نوبل للآداب)، أييلِت وولدمان، جرالدين بروكس، جاكلين وودسون، مايكل شايبون، مادلين ثين، راشيل كوشنير، لارس سابي كريستنسن، ديف إيجيرز، إميلي رابوتيو، تاييه سيلاسي، كُولم توبين، أيمير ماكبرايد، هاري كونزرو، لورين آدامز، هيلون هَبيلا، إيفا ميناسه، أنيتا ديساي، بروجیستا خاكبور، أرنون جرونبيرغ، كُولُم مكان، مايليس دي كيرنجال، إلى جانب ثلاثة فلسطينيّين: رجا شحادة وفدى جريس وعلاء حليحل، وإسرائيليّ واحد: أَسَافجفرون”.

وزار الأدباء مناطق مختلفة من الأراضي المحتلة، منها مدينة غزّة وبعض المدن في الضفة الغربية مثل رام الله ونابلس وبيت لحم والخليل، والقرى المضطهدة في مناطق “ج” في غور الأردن، والقدس وخصوصا حيّ سلوان وما يشهده من حملة استيطانية محمومة، وقرى جبال الخليل (أم الخير وسوسيا وغيرها) التي تخضع لحملات هدم ومطاردة لا تنتهي.
بعد هذه الجولات التي انتهت صيف 2016، عمل كل أديب وأديبة على نصوص أدبية سردية تسعى لرسم ملامح ما يعنيه الاحتلال الإسرائيلي للضفة وغزة منذ 50 عاما. وتستند هذه النصوص إلى القصص والتفاصيل الصغيرة المُعاشة، من أجل رسم ملامح واضحة لهذا الوحش الثقيل الذي يجثو على قلوب الفلسطينيّين “بشكل مؤقّت”.

ويروي كل أديب وأديبة ما رآه في الجولات الميدانية في أرجاء الضفة وغزة، مبتعدين عن الأسلوب التقريري الصحافي، متتبعين ملامح القصص الشخصية لأبطال نصوصهم، من رجال ونساء وأطفال وفلسطينيّين التقوهم عند الحواجز وفي القرى التي تُهدم ليل نهار وفي السهول الفسيحة التي يحظر الرعي فيها؛ في مراكز المدن الفلسطينية والمناطق العمرانية، وفي المناطق النائية والمنسية، وتلك التي يحتدم حولها الصراع المرير والاستيطان الشرس مثل سلوان.

وقد لاقى إطلاق النسخة الإنجليزية للكتاب في الولايات المتحدة الأميركية الصادر عن “هاربر كولينز”، نجاحا كبيرا واهتماما إعلاميا لافتا، عبر أمسيات نُظّمت في مدن أميركية عدة. ويأتي إصدار النسخة العربية، ضمن سلسلة إطلاق الطبعات الدولية المتواصلة بـ12 لغة أخرى عبر العالم.

هنا مقتطفات من بعض النصوص الواردة في الكتاب بالصيغة العربيّة، وعمل على ترجمة النصوص طاقم مترجمين تألّف من “رؤى للترجمة والنشر”، ربى سمعان، نبيل أرملي، وساندرا أشهب:

“هناك في الحقول، هناك سياج يفصلُ المزارعين عن أراضيهم. هناك بوابات تُفتح في أوقات معيّنة، لفترة زمنيّة محدّدة، ليتمكّن المزارعون من رعاية مزروعاتهم وقطعانهم وكروم عنبهم. وإذا تأخّر المزارع عن الموعد المخصّص له، سيجد البوّابة مغلقة. وعندما تكون مفتوحة فإنّ الطريق إلى أرضه ليست مباشِرة، بل عليه أن يسلك أطول طريق ممكنة. ورُويدًا رويدًا تذبل مزروعاته وكروم عنبه، ويتلاشى قطيعه وتضحي الأرض بورًا. وبحسب “القانون العثمانيّ” سيصبح بالإمكان مصادرتها و”الاستيطان” فيها. ألا يدرك هؤلاء الناس أنّ وجودهم لم يكن مخطّطًا؟ أنّهم أشباحٌ من دون حياةٍ أو مستقبل؟ فلماذا، إذن، يُصرُّون على الاستمرار في البقاء؟ وفي المعاناة؟”. (أنيتا ديساي)

“عندما قال سام إنّ مشكلة الفلسطينيّين تكمن في كونهم يتحمّلون أكثر ممّا ينبغي، أدركت أنّ مثل هذه الإنجازات -إنجازات سام، مثلًا- لم تكن عديمة الجدوى فحسب، بل كانت تخدم، سرًّا، أهداف إسرائيل الاستراتيجيّة. فهي تعطي صبغة “الحياة الطّبيعيّة” لحياة تتعمّد جعل أربعة ملايين ونصف مليون شخص يواجهون بشكل يوميّ عبثيّة وجودهم، وجود تتحكّم به وتُعرّف كُلّ جوانبه أطول وأكبر ممارسة متواصلة لسلطة عشوائيّة تعسّفيّة كليّا مرّت على التّاريخ. تحت الاحتلال، كلّ نجاح هو فشل في الحقيقة، وكلّ فوز هو هزيمة، وكلّ انتصار للعاديّ هو في الواقع إيماءة خالية من المعنى، عدا عن تعزيزها للقوّة المُطلقة التي تتمتّع بها إسرائيل. أكثر من أيّ حاجز أو جدار أو سياج حدوديّ أو متاهة بيروقراطيّة من التّصاريح وبطاقات الهويّة- هذا هو القفص الذي يعيش فيه سام بحّور. إنّه الحدّ الذي تتوقّف عنده أيّ انطلاقة، وهو السّقف الذي يرتطم به كلّما حاول أن يشمخ بقامته ملء طولها”. (مايكل شايبون)

“حتّى كبالغ، يشعر مناصرة بانعدام الأمان في الأحياء اليهوديّة. في الماضي، لو حاول متطرّف مهاجمتك، لتدخّل إسرائيليّون آخرون لفضّ النّزاع. أمّا الآن، فلو حصل أيّ شيء -حادث سيّارة، أو أيّ شيء- فسوف يُساء فهمه. سوف يُهاجمك الجميع لكونك عربيًّا”. يقول إنّ جميع الأطفال في العائلة مُصابون بالصّدمة. إبراهيم، شقيق حسن الذي يبلغ من العمر سبعة عشر عاما، اعتُقِل وضُرِب يوم الطّعن، عندما اجتاح رجال شرطة مُدجّجون بالسّلاح مُجمّع العائلة. ادّعى رجل شرطة أنّ إبراهيم حاول أن يمسك بسلاحه. بما أنّ الشّرطة هشّمت كاميرا المُراقبة التي كان من المُمكن أن تُظهِر ما قد حصل، فلا توجد لدى إبراهيم أيّ طريقة تُثبِت إصراره على أنّه لم يفعل ذلك. تلقّى إبراهيم ضربات مُتكرّرة من عقب بندقيّة وأصيب بكسور في الأضلاع وبكدمات في وجهه، وعاد إلى المنزل بعد خمسة أشهر من السّجن، تقريبا. ومع أنّه عاد إلى دروسه في المدرسة التّقنيّة، إلا أنه ما يزال غير قادر على التّركيز. أمّا شقيقته الصّغرى، والتي تبلغ من العمر عشرة أعوام، فقد شهدت الضّرب ولم تنبس ببنت شفة طوال أسابيع. أحد أبناء العم، في سنّ الخامسة، لم يخرج من منزله منذ ما يزيد على أربعة أشهر”. (جرالدين بروكس)

“الاحتلال يُجرّدك من قدرتك على التحكّم بالوقت، ولذلك يجرّدك من إنسانيتك… الاحتلال ماكينة: نظام مركّب وأخطبوطيّ يعمل على استنزاف البشر الخاضعين له. نظام يقوم على القمع المغلّف بالشرعيّة الإداريّة والمحاكم وسلطة القانون. كلّ شيء قانونيّ للوهلة الأولى، ويكفل حقوق الإنسان أيضا. المتهم برشق الحجارة سيحظى بتمثيل قانونيّ في المحكمة العسكريّة، وبمترجم، وبحقّ والدته بأن تبكي أمامه اشتياقًا في الدقائق الأربع التي تستغرقها المداولة المستعجلة في المبنى البلاستيكي المقوى. طاولات وكراسٍ وحواسيب وجنود وجنديّات-سكرتيرات وشعار الدولة وعلمها وكاميرات حراسة ذكيّة وبرواز معدنيّ حول مكان جلوس المتهمين ومنصّة خشبيّة بنيّة يقف خلفها محامي الدفاع وقمصان بيضاء بربطات عنق سوداء وقاضية عسكريّة نافدة الصبر وثلاثة شبّان في مقتبل العمر رشقوا الحجارة على سيارة جيب عسكريّة أثناء مظاهرة. كلّ شيء إلّا العدالة”. (علاء حليحل)

“في إحدى ليالي العام 2014، وبينما كان مراد في زيارة لصديق يقطن بناية سكنيّة متعددة الأدوار، تلقّى اتصالا من صديق آخر يبلغه بأنّه سيتم قصف أحد المباني المجاورة. تذكّر مراد أنّ شخصا مُسنّا يسكن في المبنى المستهدَف، وأنّه لا يستطيع الخروج من المنزل خلال المُهلة المعطاة للسكّان لإخلاء منازلهم (مع أنّ الإسرائيليّين أخطروا سكان البناية بذلك، إلا أنّ سكان البنايات المجاورة لم يتلقوا أيّ بلاغ). نهض مراد من مكانه مسرعا، رغم كونه شبه مخدّر، واتجه إلى البناية المجاورة. القصف الجوي كان سيبدأ بعد حوالي ستّ دقائق. انطلق نحو البناية وأخذ يطرق باب شقة الرجل بعنفٍ شديدٍ. فتح المُسنّ الباب ناظراً إلى مراد بذهول، وكأنّه أفاق لتوِّهِ من غيبوبة. لم يكن على دراية بأنّ منزله سيتحوّل إلى أنقاض خلال بضع دقائق. ساعده مراد على مغادرة البناية بسرعة”. (ديـف إيـجيرز)

“بينما كنت ألتقط صورةً لأغنام رجل كانت ترعى على أنقاض بيته، قال: “أنتِ هناك، التقطي صورة لاِبني”. وعندما فعلت قال: “لا، بل صوّري أين كان يجب أن يكون مطبخه، وأين كان مرحاضه”. وعندما وضع ابنه أرضا ابتلَّ حذاؤه الصغير من شظايا بلاط مبتلّ تحيط بمرحاض عربيّ، وخط رفيع من الأنقاض يفصله عمّا كان سيكون المطبخ. التقطتُ الصورة. ونظرتُ إلى الأقدام الصغيرة المُبتلّة. لم أستطع تصَوُّر كيف ستجفّ قدماه في خيمة الصفائح الصغيرة تلك، حيث يسكن هو وعائلته آملين بألّا تُهدَم مرة أخرى قريبا. ومن حيث أقف، استطعتُ أن أرى بيوت المستوطنين الدافئة المبنيّة جيّدا، هؤلاء الذين يجبرون جيرانهم على العيش في هذه القذارة، والذين لا بدّ أنّهم ينظرون يوميّا من زجاج مُحكَم التركيب في مطابخهم المريحة إلى هذا الموقع المخجل”. (إيمير ماكبرايد)

“بعد مضيِّ الوقت، ما يزال شارع الشهداء هادئا، لوقع خطواتنا صدى، والجوّ ثقيل. الموقع الذي كان واحدا من أنشط مراكز التسوّق في المدينة، بمحالّه المصطفّة الواحد بجانب الآخر والمفضية إلى سوق شعبيّ مختلف لبيع اللحوم والخضار والفواكه، أصبح اليوم طرقاتٍ للأشباح. وفي تحريفٍ ساخرٍ قاسٍ، أدّت المجزرة إلى تصعيد الاحتلال العسكريّ؛ فقد جرى توسيع المناطق الأمنيّة التي تحيط بالمستوطنات، وازدادت حدّة الضغط الممارَس على الفلسطينيّين في ظلّ عمليّات الفحص والتفتيش المُمَنهَجة، أمّا دائرة الشرّ فقد تحرّكت حيثما أغلقت المحالّ -أكثر من 1.800 محل تجاري أغلق أبوابه- بينما تركت المنازل تحت وطأة محاولات المستوطنين في الاستيلاء عليها. يعمل المستوطنون من خلال إضفاء الطابع الاستيطانيّ على شارع الشهداء، على ربط المستوطنات المختلفة ببعضها بعضا، وعلى خلق ممرّ آمِن بين المستوطنات والحرم الإبراهيميّ. أتجاوز المحالّ التجارية، أقفالها المعدنيّة مغلقة، ومظلّاتها الخضراء أكلها الصدأ، مصاريعها مقفلة: ما كان هنا قد مات”.

__________
*الأيّام

شاهد أيضاً

المسودة من الورقي إلى الرقمي

*زهور كرام تحضر ثنائية الذاكرة والنسيان عند الوعي بالكتابة باعتبارها فعلا تاريخيا، يتحقق ضمن سياق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *