الرئيسية / إضاءات / “أقاليم الجن” لسليم بركات.. تمرينات في الخيال الروائي

“أقاليم الجن” لسليم بركات.. تمرينات في الخيال الروائي

*أحمد عمر

ما الذي دعا سليم بركات إلى هذه المغامرة الخيالية العاصفة في أقاليم الجن المستورة؟

فهي رواية تخلو مما يدفع المبدعين عادة إلى الشكوى كتابةً لكل البشر؛ ذكرى، أو سيرة ذاتية، أو رواية، وبعضها، همّ قومي، جرح إنساني، كتابة حلم مشتهى، تسجيل وتصوير تجربة؟ فهذه رواية يمكن إدراجها بما ينسبه النقاد تجنيساً إلى “الفن للفن”.

لعله انتقام الكردي من تهمة شحّ الخيال، الكردي العادي، بل حتى المختص بالزعامة والريش، يمضي إلى غايته بلا مواربات، بلا توريات، بل إنه يستغني أحياناً عن الكلام بالفعل، فيقتل خصمه على رأي، أو كلمة طائشة، كما يفعل الجان في هذه الرواية، فيعمدون بأسلحتهم، وهي العظام، إلى قتل مسرفٍ في الانتقام، وهي طعامهم أيضاً.

قطعتُ مفازة مائة صفحة من الرواية، باحثاً عن أول خيط الحبكة، فلم أعثر عليها، ووجدتها واحدة من أكثر الروايات عناداً، ومخاتلة، كأنها مسودات أو تدريبات في عمارة الخيال. تأخر سليم بركات في تقديم بؤرة الصراع لدى كائناته العفاريت، ووجدت نفسي أحنّ إلى صراع الجن في سيرة سيف بن ذي يزن، فهم أبطال مساعدون في السيرة، وليس بين كائنات سليم بركات، وبين عفاريت الملك العربي الأسطوري صلةٌ أو نسب. وهم هنا، جن، لهم هيئة غريبة، نصفهم الأعلى جان، ونصف هيئتهم السفلى جراد، وكانوا في رواية كهوف هايدراهوداهوس سانتورات، نصفهم كائنات آدمية، ونصفهم الأدنى خيول. أقحَمَنا سليم بركات في خدعة لعبته السردية في الكهوف من السطور الأولى. جاهدتُ في القراءة، متابعةً وتقصياً لسيرة، ولنمو الخيال الروائي عنده، لا متعةً هذه المرة، لقد لقيت من سفري هذا نصبا. حتى المعاني التي يعثر عليها الشاعر سليم بركات تحت الحجارة التي يقلبها في الرواية، أقلَّ من الروايات السابقة، التأمل أقل، لصالح المعارك الصغيرة، والحوارات التي تعيق الرواية، أو تغوي الروائي باكتشاف مغامرته واستنطاقها، وهو يمضي قدماً، في عمارته على غير مثال، أو هدى. هو عادة يحتفظ بغرفة سرية في العمران الروائي، ويجعل القارئ دائخاً بين الغرف، ويضلله بالتكوينات والنقوش، والطلاسم على الحيطان.

“المبذول مملول” كما يقول ابن زيدون، ولهذا نزح مخرجون من أمثال سبيليبرغ وجيمس كاميرون إلى الحداثة الديناصورية، والآفاتار.. المخرجون، مخرجو المسلسلات العاطفية، انتبهوا إلى ما اخلولق وبليَ من أذواق الناس، التي ملّتْ من الحارة الدمشقية الضيقة، والحارة المصرية، فابتهجوا برؤية الشوارع التركية الأنيقة والأرستقراطية في المسلسلات التركية، وربما غداً سيشغفون برؤية الحرافيش الإسبان مصريين في المسلسلات الإسبانية. لعل هذا سبب من الأسباب التي تدفع سليم بركات إلى التغريب الدائم في الأمكنة، ورسم الكائنات الغريبة، عزيز نسين يفعل ذلك بجهد أقل، فشخصياته واقعية، نعرفها، لكنها تجعل القارئ يفرط من الضحك. ولكل كاتب مناسكه. عزيز نسين يغرف من بحر، وسليم ينحت من صخر.

شخوص الرواية جان ينفرون من الماء القاتل، من غير إشارة إلى أصلهم الناري القرآني، ويشربون الرمل في الكؤوس، ويطعمون لحم موتاهم الليف لطيور أكيلا العمياء، رؤوسها جماجم، لكن صراعاتهم هي صراعات الآدميين، ونزاعاتهم من البدء إلى الأزل، على السلطة والنساء، الحيوانات أيضاً تخوض صراعات مشابهة على الإناث والمجال. تخيل الراوي التكاثر بين الجان يجري بذباب الأنسال، المحفوظ في مجمع الذباب، يحرسه شاعر في مجمع الذباب، لكل جني ذبابة يحفظها في يده بخيط. الذبابة محفوظة في كرة حجرية، فإن طارت خسر شرفه ونسله، وأخصي، ولأن الكاتب يحمل صبغة خياله الأول، فستظهر بيانات وصفات شخوصه في كل الأجيال الروائية.

الكائنة الأنسية هايكاهكسين التي أسرها الجان، هي مقلوب “ثادريميس” في الرواية تقريباً، والرواية هذه، هي بنت الغشيان الذي انتاب سليم بركات في “سيرة الصبا” على تخوم هيمو في مسقط رأسه. إيمانه بخياله يصك الحجر، ويفلقه. خيالات سليم بركات تتردد على ألسنة وخيالات المجانين في عامودا والقامشلي، وهم كثر. لقد غامر الروائي، فركب خيال المجانين هذه المرة، لكن على حصان العقل المهندس.

لابد للرواية من حكاية، فهي ليست تداعيات، كالتي يكتبها إدوارد الخراط مضياً في أثر الكلمات والمشاعر، تجر الكلمة أختها في غياب الأحداث والأفعال البشرية. يصنفها النقاد تحت أسماء وشاخصات الحداثة وغيرها. الحكاية لابد لها من صراع بين حارتين، أو مملكتين، أو أسرتين، ومن غاية تسعى إليها الشخصيات.

تجري الأحداث في أقاليم زينافيري، سلطانها كاشاجو، وله قصر، وفيه حيوانات يقنصها كاشاجو مثل الفهود بوابات الرمل، وكلب وحيد، يتعثر به الجان، فيضمونه إلى الأنسية الأسيرة هايكاهكسين، للاستمتاع بمنظرها في أقفاص حديقة قصره، كما يفعل الأنس المترفون.

وقرود هيهمو، هم جان الجان، يثير ذكرها الهلع في زينافيري، بعد مائتي صفحة سيقدم رعايا السلطنة شكوى، من مقنّعين يغيرون على أيدي الجان، فيكسرونها، لتحرير ذبابات الأنسال من أيديهم، لقد بدأ الحدث، لكنه ليس الفعل الناظم فيها، الأيدي المثقوبة هي تورية لغشاء البكارة عند إناث الأنس، وكسر الأيدي يعادل التحرش الجنسي في ملّة الأنس، فيغضب السلطان كاشاجو، الذي يعادي المملكة الجنوبية، ويتخوف من ميهو سلطان إقليم ساينون الجنوبي، ومن أفكار مواطنه ماشفير الأعمى المتمرد على شرائع إقليم زينافيري.

العميان في الأساطير العربية واللاتينية متمردون، أو معارضون، لقوة بصيرتهم، أو لنقص في حصائل تقدير قوة السلطان ومقادير بطشه. العميان يتنبؤون بتغير الزمان، الذي يجفل منه السلطان، ويحب الزمان سرمدا، السلطان يخاف من طيف الذئب الأبيض، ويعادل طيفه الرؤيا، أو فكرة الحرية بتمثال ثادريميس. تذكر فكرة طيف الذئب الأبيض، بفكرة اكتمال الحلم في كهوف هايدراهوداهوس. يقرر السلطان بعد عجز محاربيه ومخابراته عن اعتقال المغيرين المقنّعين، والغدر بذبابات رعاياه، أن يجمع أطفال الجان الذين يختبئ بينهم المغيرون، نفيا إلى الأرض المنخفضة في إقليم مانعات الريح، وهو ما يفعله الطغاة عادة، ينتقم من الشعب إذا عجز عن العدو.

يكلف السلطان مهندسيه ببناء جدران تمنع الريح بألواح عن الجيل المعاقَب، لكن كاشاجو يموت واقفاً على غير عادة الجان، من غير مرض، كأن الجن لا تمرض، فيكشط الجان جلده، ويجففونه على حبل، وينفلون لحمه لطيور أكيلا المقدسة. يرتاب ابنه الوريث ريكما في موته، ويشك في مؤامرة قتل وانقلاب، سبق أن تعرض لها سوك ومطيتها ناكلي بالموت غرقاً، أو هكذا يتهيأ له.

ويمضي في مؤامرة أخرى لانتزاع السلطان من يدي أمه شيقتان، التي تماطل في تسليم السلطة لابنها، ويحاول استمالة ماياكي عميد المحاربين في زينافيري، وإغواء هيدس أحد سادة فرق المحاربين السبع عشرة، وإقناع مجلس الأسياد بتغير السلطان من الوراثي السلالي، إلى سلطان شبه دستوري، ويبرهن لهم صدق نيته في هذه الشرعة، بإطلاق ذبابة نسله من يده، لقد أخصى نفسه، لكن أمه تباغته بعرض أكثر أغراء من عرض ابنها بإنهاء الحكم الوراثي، ستغري الأسياد بجعل نفسها مكافأة لهم، ستشركهم جميعاً تباعاً في ذبابتها، صراع كريم مثل هذا، سينتهي بالقتل.

يضطر طمعاً في السلطان إلى قتلها أمام الأسياد، أمام برلمان الجن، ثم يُقتل هو الآخر بأيدي الجن المطايا، فانتقام الجان فظيع، مثله انتقام جني، لقتل ابنته وزوجته، بقتل سبعين جنياً من ذرية القاتلين في فورة خبله من هول الأسى. ستنتهي الرواية بما يشبه التمرد والثورة، بانضمام محاربين إلى ماشيفر الأعمى في الصحراء، ومذبحة، وينتهي مصير الأنسية هايكاهكسين مع ثمانية أنس، يعثر عليهم الجان، بالذبح على أيدي آدميين يبحثون عنها. لقد مكر بنا سليم مكراً كبيراً، كانت رحلة شاقة في أقاليم الجان، تمنيت لو أنها أقصر مثل رواية ثادريميس، أو كهوف هايدراهوداس، أظنه استسلم لكيد خياله فضلّله، على علم، وضللنّا معه.

لقد أسرف في الاستعارة ، وطغا في الخيال هذه المرة إسرافا كبيراً، يغترب معها القارئ، إذ يغدر به الراوي، فينفيه نفياً موحشاً.

لو كانوا بشراً.

___
*المدن

شاهد أيضاً

مهن في عباءة الإبداع

القاهرة: طارق سعيد أحمد غالباً ما تكون مهن الكتاب ذات انعكاسات سلبية على كتاباتهم، وبخاصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *