الرئيسية / خبر رئيسي / المحكي السردي الشامل

المحكي السردي الشامل

خاص- ثقافات

*محمد معتصم

الأصل في الحكاية المَرْوِيَّاتِ الشفهية المتناقلة بين الرواة، وتجد المرويات قوَّتها في الهفوات والثقوب التي يتركها الراوي كفواصل غير تامة يتيح عبرها الفرصة لنشاط مخيلة المتلقين ليتحولوا بدورهم دون وعي أو بوعي إلى رواة بدورهم وهم يرتقون من خيالهم ما تفتق من الحكاية، وما يجود به تأويلهم للأحداث والوقائع ومصائر الشخصيات المتخيلة (التي يبتكرها خيال الراوي ولا مرجع لها خارج النص) أو الشخوص المرجعية (المستقدمة من التاريخ أو الحياة العامة)، وهكذا تكون لكل راو حكايته الخاصة (محكيها: الطريقة التي يروى بها والصيغة التي ترتب بها الوقائع والأحداث وتقدم بها الفكرة والقيم)، ولكل شعب أو أمة حكايتهم التي تبنوها فتصبح دالة على وجودهم، سواء أكان وجودا فعليا أو وجودا متخيلا، مثل “هينة والغول وابن عمها” الحكاية المغربية الأكثر انتشارا ورواية، وهي حكاية مشوقة ومحملة بدلالات اجمتاعية وثقافية، منها على سبيل المثال، وهو من المشترك الجمعي في الأعراق العربية؛” الفتاة لابن عمها”، فلا ينبغي لغيره أن ينبري لمواجهة “الغول” والمخاطرة بحياته إلا هو، وفي تلكم المخاطرة والمغامرة إثبات للرجولة والفحولة وتمتين لعرى العرق والسلالة وانتصار للدم (القبيلة)، وهي الحكاية ذاتها التي ستتحول عند إميل حبيبي مثلا إلى “سرايا بنت الغول (خرافية)” في روايته “سرايا بنت الغول”، يقول إميل حبيبي موضحا في مقدمة الرواية التي عنونها “خطبة المؤلف، شجرة الإجاص زرعت لتطعمنا إجاصا”:” اخترت هذا الاسم –سرايا بنت الغول، عن أسطورة فلسطينية قديمة. قد تكون شائعة عربيا، عن فتاة صغيرة محبة للاستطلاع خطفا الغول في إحدى جولاتها الاستطلاعية اليومية. تبناها وأسكنها قصره المشيد في أعالي جبل. فذهب ابن عمها يبحث عنه في البراري. وكانت مشهورة بجدائل شعرها الطويلة والتي لم يمسها مقص. فكان يناديها، وهو يبحث عنها:” سرايا، يا بنت الغول، دلي لي شعرك لأطول”! فسمعته، فدلت له جديلة. فتعلق بها وصعد عليها. فدست مخدرا في شراب الغول، فنام لا حراك فيه. فانسلت مع ابن عمها وعادت إلى قريتها.” ص(11)، هذا محتوى المروية، أما تدوينها فيقول فيه إميل حبيبي:” وأما بطل روايتي فقد مضى، في طول الرواية، يبحث عن فتاة كان أحبها في صباه ثم أشغلته همومه اليومية عنها. فأهملها حتى عادت وظهرت له في شيخوخته. فمن هي “سرايا”، هذه ومن هو “الغول”؟” ص(11).

قد تحافظ الحكاية على مقاصدها الأولى أو أنها تتحول بتحول الشروط الثقافية والاجتماعية والسياسية لجماعة من الجماعات أو بلد من البلدان، وهكذا تفقد الحكاية الأولى حقيقتها تحت ركام المرويات (إعادة إنتاج الحكاية) التي تعاقبت عليها، لكنها لا تفقد شغفها وطبيعة تحولها واستمرارها اللا منتهي. وتختلف المرويات عن المُدَوَّنات اللاحقة التي يدونها المدونون، فتفقد الحكاية أهم خاصياتها، حيث تتخلى على طابعها الشفهي، وعن هفواتها وثقوبها التي تتنفس منها روح التجدد لصالح الامتلاء، لأن المدونين يسعون إلى ملء الفراغ في الحكايات وتحويلها إلى قصة واحدة متكررة ومستهلكة كأنها الحقيقة الوحيدة، وكأنهم يقصون دون أن يدروا وظيفة القارئ في إثراء الدلالة ومنح الحكاية الاستمرارية وتجدد الحياة، يقول ويلي/ بورنوف في كتابهما “مدخل لإلى عالم الرواية”:” قبل أن يتكون الأدب السردي المكتوب، تراكمت كنوز لا تقدر بقيمة من الآداب الشفوية التي لا يتجرد منها بلد في العالم: الخرافات التي تختلط فيها الحيوانات بالناس العاديين، والأبطال وقوى الطبيعة، والآلهة. حكايات عن إنجازات المحاربين. وشجاعة الفلاحين وحكايات هزلية وطريفة […] وكلما ذهبنا بعيدا في الزمن وجدنا أن الكتب المقدسة في الهند، والإنجيل، وحيوات الحكماء والأولياء، والحكايات القريبة لألف ليلة وليلة يمكن أن تعتبر من الجانب السردي فيها أسلافا للرواية…” ص(28). وليست الحكاية بالضرورة خرافة مقوماتها البنيوية فوق طبيعية، أو حدوثة، بل الحكاية بناء سردي محكم ومن حيث نوعه، ومن حيث مادتها الخام، فهي عماد الرواية وموضوعها (القصة)، التي بدورها تخضع لصيغة خارجية محكمة، لأنها تروم كما هي الأجناس السردية الأخرى أداء وظائف اجتماعية وثقافية ومعرفية إلى جانب الوظائف الفنية الجمالية.

في رواية “الرجيف” لحكمت النوايسة تستعيد “الحكاية” مكانتها الأولى، فتحافظ ما استطاعت على مكوناتها الأساسية “الرواية” الشفهية المتنقلة عبر الرواة (التعدد)، والمليئة بالثقوب والفتحات (إعادة الإنتاج)، حيث تصبح الحكاية أكثر واقعية وأكثر تأثيرا من الواقع، أو بتعبير أدق: تصبح الحكاية مرجعا يشمل الواقع ويذيبه في بوتقته، أي أن الحكاية تتحول إلى أصل ويصبح الواقع صورة، ولهذا فمن يبحث في الخرائط عن موقع “الرجيف” كمن يبحث عن ماء السراب في الهجير، ولكن لا يعني ذلك أن الحكاية لا حقيقة فيها، أو أنها كتابة تروي وقائع خيالية وخرافية وفوق طبيعية، بل هي حكاية كل إنسان، وحكاية أمة، وحكاية بلد، وحكاية دولة، وشعب. غير مهم أن يكون على الخريطة، ومحددا جغرافيا، وسياسيا، ولكنه تشكل بالطريقة ذاتها التي تتشكل منها كثير من الدول المعاصرة. لأن حقيقة وجود كل إنسان أو بلد تكمن في قدرته على إنتاج حكايته التي يتداولها الناس. يقول السارد:” ومن ليس له حكاية هو غير موجود، فلا وجود دون حيز، والحكاية حيز الإنسان في الممتد من الزمان.” ص(21). هكذا تصبح الحكاية شرط وجود الكائن؛ كل حكاية إنسان، وكل إنسان حكاية، فعلى كل واحد موجود أن يبني حكايته التي ستبقى بعدما يزول كل شيء، وتنتهي إقامته في شرطي الكائن المشتركين: الزمان والمكان. بينما الذي سيبقى الحكاية، ما يقوله الناس عن مروره في هذه الحياة، لذلك على كل إنسان وكل بلد أن يبني حكايته بنفسه، حتى لا ينسى أو تصبح حكايته حكاية الرواة والمدونين.

تنهض رواية “الرجيف” لحكمت النوايسة على حكايتين مركزيتين متضافرتين، وجود الثانية رهن بوجود الأولى- والعكس، فرغم استقلال “المحكي السردي” لكل واحدة عن الأخرى بنيويا إلا أن تمامهما يقوم على تكاملهما. وتأتي الرواية كما عند إميل حبيبي لتجمع بين خصائص الرواية والتدوين.

وتقدم لنا رواية “الرجيف” نموذجا آخر عن “نحو المحكيات السردية“، كما أنها تؤكد على الطابع التركيبي للسرد الروائي؛

محكي الرجيف: وهو محكي إطار، يتحول فيه المكان إلى شخصية لها استقلالها كونها موضوع للسرد من جهة ومن جهة ثانية تساهم في توليد محكيات أخرى بعضها محكي تام، مثل محكي الزعيم سفيان السفياني، ومحكيات صغرى غير تامة، مثل المحكيات المتخيلة والمؤسسة لأسطورة أهل الرجيف وقوتهم وتثبيت تاريخ لهم ليس من الواقع ولكن من الحكاية.

محكي غيهب: وهو كذلك محكي إطار مركب لأنه محكي تام ومستقل بذاتها ويقوم مقام الحبكة السردية عبر توليد أربع محكيات كبرى تامة هي عماد الرواية وقوامها، وهي؛

محكي ليلى: زوجة الغيهب وأم الزعيم سفيان السفياني، ولها محكي تام خاص بها وبصفاتها ومواقفها المميزة.

محكي لبنى: حبيبة وخطيبة الغيهب قبل التخلي عنها قسرا (بالحيلة والمكيدة) ليلة خطبتها من أهلها (قصة لبنى وقصيدة الشاعر)

محكي الحجازية:الزوجة الثانية للغيهب التي تزوجها بعدما قرر الهرب من واقع فرض عليه، ليستقر بالحجاز ويبني حياة مستقرة وينجب أبناء تحت اسم مستعار. (قصة المحاكمة العامة في السوق)

محكي سفيان السفياني: لأهميته ولتمام مبناه السردي وتعدد محكياته الصغرى المتضمنة وصفاته المميزة يمكن اعتباره المحكي الإطار الثالث [وهو محكي شامل يبدأصغيرا ليصيرا شاملا لكل المحكيات]، وبه يفتتح الخطاب الروائي:” الزعيم: لم يعرف عنه كثير غير ما تتداوله العامة، وما يتوقعونه منه كل يوم، فقد كان ينهض في الصباح، ويتجول في أحياء الرجيف ودهاليزها، يكلم هذا ويكلم هذا، ويسأل ذاك عن أحواله، ويبتسم لهذا، ويستفسر عن بعض الأمور كأن يسأل عن تجمع الناس في مكان ما، أ تغيب أحد التجار أو المرابحين عن السوق…” ص(15)

بداية المحكي السردي من نقطة متقدمة في القصة (الحكاية)، حيث أصبح الطفل النبيه صاحب الرؤية الثاقبة والحكم النادرة، والسلوك الحكيم رئيسا لحاضرة الرجيف، القوية المهابة الجانب، والتي تحسب لها القبائل والحواضر المحيطة بها ألف حساب. وهي نقطة ثبات، واستقرار، في البنية السردية وليس في الحكاية، لأن المفتتح مليء بالفراغات التي ينبغي ملؤها حتى تستقيم الحكاية؛ زعيم أقوى حاضرة في زمانها، عدة وعتادا وحكايات، لا يعرف له أصل، هو ذاته لا يعرف أباه، منذ خرج ولم يعد، وهو أول زعيم في العرب ينتسب إلى نفسه (سفيان السفياني)، أهم صفاته المميزة: الحكمة والنباهة وحسن التقدير والتصرف في الوقائع الحرجة، وما يحكى عنه. إنه ابن حكايته التي صاغها بنفسه وأحاط بها كيانه. فأصبح هو حكايته وأصبحت حكايته دالة عليه.

الفراغ والمجهول المحيطان بشخصية الزعيم سفيان السفياني هما بؤرة السرد في رواية “الرجيف”، وهكذا يكون محكي سفيان السفياني الذي بدا محكيا صغيرا في مجمل الخطاب الروائي قد تحول إلى محكي شامل، يضم باقي المحكيات الإطار أو المحكيات الصغرى الداعمة.

لا تكتمل دائرة محكي السفياني إلا باستدعاء المحكيات الأخرى، وهنا يقع تركيب السرد وتداخل المحكيات وتضافرها، أي بناء الخطاب الروائي، ولا يعني البناء الاكتمال، بحسب السارد، إلا بالثغرات، لأن حكاية اكتمالك يكتبها غيرك بما يسقط عليها من ذاته ومخيلته، يقول:” فالحقيقة دائما تكتمل بما لا نريد، نحن أنصافٌ نكتمل عندما نقول ما أردنا، ولا اكتمال على وجه هذه الأرض، لا اكتمال إلا في الحكاية، فارو حكايتك كما تشاء، واترك لهم فيها من الثغرات ما يجعلها قابلة لاستيعاب ما يضاف إليها، هنا اكتمالك، فلا تدري من الذي سيكتب عنك.” ص(22)

وقد صنع الزعيم سفيان السفياني بنباهته حكايته المليئة بالثغرات والغموض، عندما وجد نفسه بغير سند (نسب) سوى أمه “ليلى” التي تحدثه عن أبيه الذي غادر على فرسه، فعادت الفرس ولم يرجع الفارس، هنالك في السماوة كانت أمه تحثه قائلة:” أبوك ما مات… أبوك سيعود يوما ما… أراه في عينيك… سيعود فلا تخذله… ولا تهدر عقلك فيما يهدر الأطفال به عقولهم… أنت لست طفلا… أنت عمود البيت إلى أن يعود عموده… وتبكي…” ص(13)

هذه الأم المحبة القوية والحكيمة هي أصل نباهته وحكمة السفياني ومصدر قلقه في آن، ولذلك كان لها محكي خاص بها، يصل السفياني بوالده الغيهب.

وقد كان الطفل سفيان موضع سر أمه، فظهرت نباهته بين قومه في السماوة، و”لا تشبه بادية السماوة أي بادية، ولا يشبه سفيان أي سفيان، هذا ما قاله الراوي…” ص(22). هذا الغموض المميز سر الحكاية، والناس يحبون الغموض والغرابة وتعلقهم من نباط قلوبهم وتأخذ بألبابهم، فكان لزاما على الراوي وهو في الغالب الأعم الأم ليلى أو أحد أتباعها، أن تؤلف حكاية تليق بسفيان ابنها وابن الغيهب الغائب؛ يقول:” هناك، في بادية السماوة، وفي بيت شعر بدوي، يتوسط بيوت شعر، وتلتم نسوة على صراخ امرأة،كانت الولادة، وكانت النباهة أيضا، فقد قيل إنه تكلم فور ولادته وقال: صباح الخير… وتداول الناس مقولات أخرى له بعيد ولادته، ولكن المرجح لدينا بعد الاستقصاء أنه قال صباح الخير فقط، وهو إيذان بأنه مولود مختلف، مغاير للسائد، مع أن إحدى الشاهدات واسمها (لبنى) تصر على أنه من قال (صباح الخير) ليس هو، وإنما طفل حضر لحظة الولادة، كان يبحث عن أمه…” ص23-24)

يقدم السارد على امتداد المتن السردي، صفة مميزة للحكاية، والمتمثلة في تعدد السراد واختلاف أقولهم وتضاربها في بعض الأحيان، مما يسمح بتوليد متواليات سردية صغرى تظهر كنتوء سردي، وبتوليد متواليات حكاية كبرى، تنبئ بنشوء محكي سردي جديد، وهو هنا محكي “لبنى” التي تحمل لأم سفيان في نفسها الحقد والضغينة، لماذا؟

وهكذا يتولد عن محكي سفيان السفياني محكيان جديدان هما؛ محكي ليلى أمه ومحكي لبنى غريمتها. بهذه الصيغة في التركيب تحول محكي سفيان إلى محكي إطار، بدأت قصته (مادة الحكي) مع افتتاح الخطاب الروائي ومن نقطة متقدمة حين أصبح زعيما لأقوى حاضرة “الرجيف” وإن لم يكن واحدا ومنهم.

إذن، فمسار تحول وقائع ومصير شخصية سفيان في الرواية مرتبط ارتباطا وثيقا بالحكاية التي نشأت معه، وبالأحداث العجيبة التي رافقت حياته من نباهة وتقدم على أقرانه ونضج نفسي وفكري بذَّ بهما شيوخ وحكماء قبيلته والقبائل الأخرى. وكان لإصراره على مواصلة الطريق إلى حاضرة “الرجيف” طلبا المسامحة والاعتذار عن حادث عارض، نقطة التحول في الحكايية وفي حياة سفيان وأمه وقبيلته. حين صاح فيه:” يا قوم: إن العودة في مثل هذه الحال حماقة وانتحار، وإن كان من موت فلنمت على الحق الواضع لا على الحق الملبتبس، وأنا أرى أن نستمر في مسيرنا، فإن كان ما قال الرجل صحيحا، فإن الرجيفيين سيحملون وزر قتل ضيوف الصلح، وإن كان خطأ، فإننا نكون قد جنبنا قومنا عارا ودمارا…” ص(42-43)

هكذا وهو ابن سبع عشرة سنة جنب قومه العار وأفشل خطة الواشي واحتل حظوة عند الرجيفيين، بل سميت قبيلته باسمه فصار “قوم سفيان” الذي أخمد نار الحرب والعار عن القبيلتين. وبهذه الطريقة أثَّثَ الرواة [بإيعاز من أم سفيان] الأسطورة الشخصية لزعيم الرجيفيين السفياني “سفيان ابن غيهب السماوي” ص(73) التائه. لكن كيف أصبح السفياني زعيما للرجيفيين وهو ليس منهم؟ بدأت عندما قربه زعيم الرجيفيين لنباهته وإخماد نار الحرب بين الرجيف والسماوة ولاستقامته ورجاحة عقله، يقول السارد بعد هذه الحادثة وما تلاها من حادثة “الصلاة والضحك”:” هكذا كانت بداية سفيان في الوجاهة والزعامة، قصة قد تكون عارضة، ولكنها شكلت له ولجماعته نقطة فاصلة في تاريخهم، وصار هذا التاريخ مقسوما: ما قبل الرجيف، وما بعد الرجيف، وأهم آثاره الباقية الغريبة، أن الجماعة سميت بالسفيانيين، وهذا من غرائب الصدف، أن تسمى جماعة باسم شاب من شبابها، وليس باسم جدها…” ص(48-49)

أهم ما جاء به المحكي السردي لسفيان السفياني الإطار، أنه أنتج، إضافة إلى أنماط المحكيات الصغرى التي مرت بنا في الدراسات السابقة، محكيات صغرى بعضها شبه تام، والآخر غير تام، وهي كالآتي:

المحكيات مستطردة: وهي محكيات وظيفية ودلالية، وظيفتها توسيع الفضاء السردي، ودلالاتها تختلف، ومن تلك المحكيات نورد اختزالا، تجنبا للاستطراد، الآتي:

حكاية شرشور، التي وردت في سياق محكي الرجيفيات وصفاتهن ومكانتهن في مجتمع الرجيف، وحقها في اختيار زوجها عكس السائد في القرى والحواضر المجاورة، لكن الدلالة الأساسية في حكاية شرشور ومحكي الرجيفيات، تذكرنا بالدلالة الاجتماعية والتربوية والثقافية في حكاية (هينة والغول) المغربية وحكاية (سرايا بنت الغول) الفلسطينية عند إميل حبيبي الواردة أعلاه. فالحكايات لا تروى فقط للتسلية، بل للتعليم والتهذيب وترسيخ القيم المجتمعية، فالفتاة لابن عمها كما سار العرف عند العرب قديما وتمثلته حكاية هينة والغول وابن عمها، وحكاية شرشور تبرز غيرة الرجيفيات على الرجيفيين، يقول السارد:” وأما هي، المرأة الرجيفية، فقد علا شأنها بين الرجال والنساء، وصارت مضرب مثل في الانتماء والحفاظ على كرامة الرجيف وأهلها، وصار لها مجلس خاص تستقبل به النساء وتحدثهن بما ترى من حكمة ومآثر… والقصة تطول… أتعرفون ما الشرشور؟” ص (53). ثم يستطرد السارد في بيان أصل كلمة شرشور.

حكاية (الحذر بدر): يقول السارد:” لا أحب الاستطراد، ولكن من المفيد الذي أراه أن أكلمكم عن (الحذر بدر) تلك.” ص (54)، إذن، للاستطراد السردي وظيفة معرفية تتمثل في الفائدة اللغوية أو تقديم معلومة تاريخية أو توضيح هامشي ليس من صميم الحكاية الإطار أو المحكيات الكبرى التامة، ولكنه مفيد للقارئ، من جهة ومن أخرى يلبي حاجة السارد في إشباع رغبته في السرد وكذلك توسيع فضاء السرد وتكسير دائرية الحكاية وانغلاقها بالانفتاح على آفاقها الخارجية.

حكاية خم المراح: تؤكد الوظائف السابقة  المعرفية واللغوية. ص (155)

حكاية الجراد: وهي الحكاية المركزية في تحول سفيان السفياني إلى زعيم للرجيفيين. ص (163).

حكاية مغارة الجن: وهي حكاية استطرادية تعيد إلى الأذهان العلاقة الثلاثية الشائكة والعصيبة، بين الحبيبة والمحبوب والوشاة/ العواذل. وهذه المحكيات الاستطرادية المصاحبة ليست كما قلنا سلفا محكيات زائدة بدون وظيفة، بل وظائفها تختلف بعضها يعلن عن نفسه في صلة بما سبقه من محكي وما اشتمل عليه أو هي ذات وظائف معرفية خاصة هنا اللغوية التي تبرز خاصية اللغة السردية عند حكمت النوايسة التي ارتبطت كثيرا بلغة الرواة والحكاية مع انتقائها للألفاظ البدوية والمحلية التي أصبحت اليوم في حاجة إلى قاموس توضيحي لمعانيها. وقد تميزت لغة السرد في رواية “الرجيف” بالمتانة والزجالة. وحكاية مغارة الجن اشتملت عليها الصفحات (141-142).

حكاية “المساغبيون”: ومحكيها يعتبر محكيا ذا وظيفة معرفية تاريخية، مثله مثل محكي “الرجيف” يقدم معرفة عن تأسيس مدينة أو تحول مدينة من قرية أو تجمع قبلي. وأسباب الانتقال من عصبية القبيلة إلى مجتمعية الحاضرة والمدنية ودور الاستقرار والقوة والحكاية (الخطاب) في ذلك. فلا حضارة ولا مدنية إلا في ظل الاستقرار المدني وغياب روح القبيلة والعصبية الدموية. في محكي “الرجيف” ومحكي “المساغبيون” يقدم السارد نظرته إلى معنى الدولة/ المدينة/ أو المدينة الدولة كما نظر لها اليونانيون القدماء (La cité-état). بناء الدولة المدينة كما قدمها ويليس ويجر؛ تتمثل في رسم دائرة (الأسوار العالية والأبواب الضخمة “البوابات” وأبراج المراقبة)، والساحة العامة، ثم مركزا السلطة (القوة المتحكمة): السجن وفي واجهته المقابلة الكنيسة. أي السلطة السياسية والسلطة الدينية. يضيف إلى كل ذلك سارد حكمت النوايسة سلطة ثالثة: سلطة الحكاية.

المحكيات المؤجلة: الأصل في المحكيات المؤجلة محكيات صغرى غير تامة، وقد أبرزها السرد في رواية “الرجيف” لحكمت النوايسة للاستدلال على:

-أن الرواية خطاب يشتمل على أنواع نصية مختلفة كما أنه يشتمل على أجناس خطابية متنوعة تتضافر جميعا لتشكيل سياق سردي متناسق، وبالتالي يبرهن على انفتاح الخطاب الروائي وتكسيره لكل الحدود النوعية التطهيرية عند أرسطو.

-للتدليل على أن اكتمال الحكاية الشفهية (المرويات) يكون في الفتحات والثغرات التي يتركها الراوي أمام اشتغال مخيلة القارئ أو المستمع، ومن ثمة ضمان مشاركته الفعلية في إعادة إنتاج (بناء) الحكاية.

-وأيضا لإبراز خاصية من أهم خصائص النص السردي الروائي القدرة على التجدد والقدرة على الاختراق الزماني، فتركيب الخطاب الروائي نتيجة لقدرة السرد على الللعب بالأزمنة كاستحضار الماضي (الحدث/ الشخص/ الشخصية/ الشيء) في سياق الحاضر، أو إدراج الحاضر في سياق المرويات السالفة. ومنها كنموذج دال، الآتي:

الحكاية لا تريد أن تحدثك عن الجاحظ، ولا عن التوحيدي… ولا حتى عن ملجأ العامرية الذي طبخ المتحضرون الأوغاد فيه الناس طبخا، ولا حتى عن التشرد الذي جعل الناس أرقاما بلا أحلام ولا آمال ولا حياة في ربيع العرب الأخير وخيبتهم… سأعود إلى حكايتنا… ولا تترددوا إن أردتم التبرم…” ص (89-90)

مجتزأ سردي مليء بالمؤشرات، أبدأها بالمؤشر الدال على الحكاية المؤجلة:

-“سأعود إلى حكايتنا… ولا تترددوا إن أردتم التبرم…”، مواجهة السارد بضمير المتكلم للقارئ (المتلقي) بضمير المخاطب وكأن الصيغة السردية تتحول إلى صيغة العرض حيث الحضور متزامن للمتكلم والمتلقي، كما في العرض المسرحي. والأهم، سين التسويف المستقبلي [سأعود لحكايتنا المعاصرة؛ ملجأ العامرية، الربيع العربي، أضف وحشية وهمجية “أبو غريب”…

هذه الوعد غير يقيني يمكن اختلاق سياق مناسب لإدرجع في بنية النص السردي الحالي، أو بناس سردي مستقل له في كتاب لاحق.

-الجمع بين أعلام مشاهير في الأدب والنقد والبلاغة والفكر من الماضي (عمرو بن بحر الجاحظ وأبو حيان التوحيدي) وأحداث معاصرة (ملجأ العامرية العراقي والربيع العربي).

-الجمع بين مرحلتين تاريخيتين متباعدتين، يولد في ذهن المتلقي مقابلة ومقارنة بين ما كان عليه العراق وما آل إليه بعد الهجمة الشرسة وفي ظل التخاذل العربي وتضعضع حالهم رغم كثرة عددهم ووفرة مالهم وعدتهم وعتادهم كل ذلك لم يحمهم من السقوط في خيبات الربيع العربي.

-الحكاية ليست خرافة مسلية وللترف، إنما هي خطاب سردي مليء بالقيم وله وظائف معرفية واجتماعية وأسلوب تعبيري مليء بالثغرات والثقوب التي تحفظ للمتلقين مقاماتهم وتدفعهم نحو المشاركة الفاعلة و”التفاعلية” في إعادة إنتاج الحكايات المناسبة من الحكاية الأولى الأم والإطار.

تمحيص: افترضنا في بداية هذه الدراسة، بأن المتن السردي في رواية “الرجيف” يقوم على محكييين رئيسيين، هما: محكي “الرجيف”، أي محكي المكان حينما يصبح المكان شخصية روائية وقوة فاعلة تستمد منها الصفات والمقومات، وهو ما انعكس على الرجيفيين رجالا ونساء، كما مر بنا في حكاية شرشور، والصفات الأسطورية التي رافقت نشوء حاضرة الرجيف وخلقت حكايتها وهيبتها بين القرى والحواضر المحيطة، ومحكي غيهب، الذي سأعود إليه لاحقا. إلا أن بناء المحكيات وتضافرها سواء:

المحكيات التامة: محكي ليلى ومحكي لبنى ومحكي الحجازية،

-أو المحكيات غير التامة: محكي الشاعر ولبنى، ومحكي الشيوخ وحكماء القبائل والقرى والأطفال، ومفسرة الأحلام…، ومنها:

المحكيات المستطردة.

المحكيات المؤجلة.

بيَّنَ بناء المحكيات المتنوعة والمتضافرة على أن المحكي الإطار لسفيان السفياني بن غيهب وليلى السماويين، هو المحكي الشامل الذي يضم كل المحكيات، وأن محكيه ذو أبعادٍ وامتدادات سردية مترابطة وإن استقلت بذاتها بنيويا، فالزعامة والحكمة تربطه بمحكي الرجيف، والنباهة والبنوة تربطه بمحكي ليلى أمه، والفقدان والأبوة تربطه بمحكي غيهب المفارق، ويرتبط محكي لبنى كامتداد بمحكي ليلى، أن ليلى تتهم بأنها اعتمدت السحر والشعوذة والشعر للتفريق بين غيهب وحبيبته وخطيبته لبنى للاستئثار به لنفسها، وبالتالي تصبح ثيمة الغدر والخيانة من جهة والمكر والحيلة من جهة ثانية الخيط الرابط بين سفيان وغيهب وليلى ولبنى. كما أن موضوعة الكرامة وعزة النفس لدى غيهب تصبح رابطا آخر بين المحكيات جميعها تامها وناقصها. لذلك سمينا محكي سفيان السفياني محكيا شاملا لأنه من جهة يقوم بوظيفة الحكبة فيربط بين مختلف المحكيات في المتن الروائي ويمنحها دلالتها السردية، كما أنه عبر الامتدادات والإحالات الخارج نصية [المرجعية والثقافية] يفتح باب التأويل أمام القراء من مختلف المستويات.

المراجع:

  1. النوايسة، حكمت: الرجيف، كأنها لم تكن. رواية. منشورات دار الإسراء. ط 1. 2017م

  2. حبيبي، إميل: سرايا بنت الغول (خرافية). رواية. منشورات رياض الريس. ط 1. 1992م

  3. ويلي/ بورنوف: مدخل إلى عالم الرواية. ترجمة، محمد أحمد الصاحب. منشورات دار الفرقان. بدون تاريخ أو طبعة

  4. ويجر، ويليس: الأدب الأمريكي أو رؤية عالمية. ترجمة، نظمي لوقا. منشورات دار المعارف. مصر. 1976م. دون طبعة

 

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *