الرئيسية / مقالات / خالي سامي النحاس….وداعا

خالي سامي النحاس….وداعا

خاص- ثقافات

*يوسف غيشان

رحل خالي، الدكتور سامي سلامة النحاس، قدوتي وأبي الروحي وإشبين جميع الحروف والنقاط التي اقترفتها. فقد تعلمت الكتابة من مكتبته (مكتبة فراس)التي انشأها بعد خروجه من السجن منتصف ستينيات القرن المنصرم(سماها مكتبة فراس تخلدا للشهيد فراس العجلوني الذي استشهد في تلك الفترة)،وتقدمت فيها، من بائع جرائد ، الى رئيس تحرير اكثر من صحيفة اسبوعية ، ومن قارئ كتب نهم، الى مؤلف عدة كتب،  نافت على الدزينة.

استطيع ان اكتب عنه مئات الصفحات ، لكني اترك هذا الى الرواية التي اكتبها حاليا ، وهو احد ابطالها الرئيسيين. الذي لم اقله في الرواية هو اصراره على التعلم ، رغم اعتقاله لتسع سنوات في معتقل الجفر الصحرواي، مع المئات من الشيوعيين، فقد خرج ليقدم امتحانات التوجيهي ، ثم يدرس التاريخ في الشام وتخرج دكتورا، بعد ان بلغ من العمر عتيا، وينشر عدة كتب في التاريخ تعتبر مرجعا مهما لتاريخ مدينة مادبا، اضافة لترجمته فصولا مهمة من كتاب المستشرق (موباسان) حول مادبا ، عن طريق الإستعانة بالقاموس، فلم يكن يتقن الفرنسية ، لكنه قام بترجمة ما ينبغي ترجمته .

التجربة الأكبر في حياتي ، كانت خلال رؤيتي خالي لأول مرة ، وما حرى في تلك اللحظات القاسية والمؤثرة، ورغم اسطوريتها، فهي حادثة حقيقية شهدتها بأم وأذن عيني، وقد كتب عنها الأديب سالم النحاس قصة قصيرة، لكن ذلك لم يردعني عن روايتها من وجهة نظر الطفل الذي كنته.

وقد نزعت النص الروائي هنا من تفاصيله ومداخلاته الروائية، وأضعه أمامكم بلا رتوش.

(………………………………………صعدنا الدرجات العملاقة التي لم اكن قد رأيت اكبر منها ، وجدنا هناك عدد من اخوة جدي واقاربه ، لم يكن جدي موجودا، كنت اعرفهم ..ابو سالم ، وابنه سالم ، وميخائيل وعيسى وسليم، كانوا متجهمين .

بعد قليل ، جاء العسكربرجل طويل وملتح، هجمت امي عليه اولا وعانقته مع بكاء ونشيج ، سلّم على الجميع وعانقهم ، ثم قبلني وابتسم في وجهي ووضعني في حجره، وجلس يتحدث مع اقاربه.

بعد قليل،ابتعد الرجال جميعا عنا ، بقيت انا وامي وخالي ، ابو سالم نادى على خالي ليقترب من المجموعة  في وسط الغرفة ، انصاع لهم ، تحادثوا قليلا ، احتد النقاش، ثم حصلت المفاجأة التي لم اكن اتوقعها ولم استوعبها.

هجم الجميع على خالي ، هجمة رجل واحد، واطاحوا به ارضا، وبين صراخي وصراخ امي انقضت الدقائق المهووسة، لم اعد اذكر من تلك المعركة سوى لون الماء الأحمر ، بعدما شطفوا دماء خالي ، المنصبّة من انفه ، وربما من اماكن اخرى،  اذكر الماء المشوب بالدم وهو يتسلل نازلا الدرج الكبير الذي ارتقيناه الى الداخل.

بعد فترة  طويلة ، فهمت الموضوع، فقد كان “ابو سالم” قد تحدث مع مسؤول امني ، حول الطريقة التي يمكن فيها اخراج خالي من السجن ، فأخبره  الرجل بأن من يستنكر حزبه ويعلن ولاءه يخرجونه من السجن فورا،  ووعد الرجل الأمني ابو سالم ، بأنه اذا استطاع وضع بصمة خالي اليمنى على ورقة الإستنكار ،فسوف يعود معنا الى بيته.

وهكذا اقنع ابو سالم بقية اخوته واقاربه، بالهجوم على سامي وانتزاع بصمة اصبعه على الورقة. لكنهم لم يستطيعوا فتح يده، رغم هجومهم العنيف عليه ،كأن قوة الرفض هي التي منعتهم من تسويد اصبعه بحبر البصمات، كان أضعفهم جسدا، لكنه اقواهم روحا وعزيمة.

اخذ الجند خالي من بينهم، وهو ينشد شيئا، بصوت مخنوق..كان يقول:

–      يا ظلام السجن خيم…..

ولم افهم بقية الكلام، كانوا قد غادورا الغرفة.

 وعدنا ، امي وأنا،الى مادبا  صامتين ،ولم آبه في طريق العودة الى الأشجار المتحركة، فيما بقي خالي في السجن لثلاث او اربع سنين تلت،وعندما خرج التحق فورا في صفوف الحزب الشيوعي المحظور، مع اغلب الصامدين الذين كانت بصمات اصابعهم نظيفة من حبر التوقيع على ورقة البراءة والإستنكار………………………………………..)

هذا هو خالي سامي النحاس الذي توفي مساء امس.

وداعا خالي ومعلمي وأبي الروحي .

_____
*كاتب اردني

شاهد أيضاً

وزارة الثقافة المغربية تأكل أولادها!

خاص- ثقافات *محمد مقصيدي   هل وزير الثقافة المغربي على علم حقا بما يجري في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *