الرئيسية / إضاءات / الكتب في حياة كولن ويلسون (6)

الكتب في حياة كولن ويلسون (6)

* ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي

فصول مترجمة من كتاب ( الكتب في حياتي ) للكاتب – الفيلسوف

                                 كولن ويلسون

                                 القسم السادس

 

                           كيف تصبح رومانتيكياً ؟

 

 

     كانت أمي قارئة للكتب مثلي على خلاف أبي الذي الذي كان قضى حياته عاملاً في مصنع للأحذية ، وأظن على الأرجح أن أبي لم يقرأ ابداً كتاباً في حياته . كانت أمي شخصية رومانتيكية مثل ( مدام بوفاري ) بطلة فلوبير ولطالما رأت أبطالها متجسدين في نجوم الأفلام مثل : كلارك غيبل ، رونالد كولمان ، جورج رافت ،،، وكان الأخير من بين هؤلاء فتىً مخشوشناً قاسي الملامح لعب أدواراً في أفلام العصابات و” البلطجية ” .  وافقت أمي على الزواج بأبي بعد أن حملت بي ، ومع أنّ أبي كان يقضي معظم مساءاته في الحانة المحلية غير أن أمور الزوجين مضت بحال معقول من التناغم والإنسجام – في أقلّ تقدير كان أبي عاملاً كادحاً ظل يعمل لأجل عائلته طوال حياته ولم يتأخر أبداً في جلب أتعابه الأسبوعية لعائلته . إعتادت أمي أن تهرب من الضجر المخيّم على حياتها ( كونها ربة منزل وزوجة رجل ينتمي للطبقة العاملة ) بالجنوح نحو قراءة صنف من المجلات يدعى ( الرومانسية الحقيقية ) إلى جانب مطبوعة أخرى تدعى ( أسبوعية المرأة ) ، لكنها وجدت متعة أيضاً في قراءة المجلات الخاصة بالمخبرين الحقيقيين والتي أخذت تشيع في أمريكا خلال عقد العشرينيات ( من القرن العشرين ) وكانت تُستورَدُ من هناك إلى الجزيرة البريطانية . إحتوت مجلات التحريات البوليسية تلك على وقائع مفصلة لقضايا تتعلق بحالات قتل ، ووجدت أنا الآخر تلك الحالات الشنيعة باعثة على العجب والدهشة على الرغم من أن واحدة من تلك الحالات دفعتني للغثيان بعدما قرأتُ وقائع جريمة يغتصب فيها أحد الخدم طفلة صغيرة ثم يلقي بها وهي لمّا تزل حيّة في الفرن الواقع في سرداب المبنى .

     لم أعد أتذكّر كم كان عمري عندما عاد أبي من العمل حاملاً معه نسخة شعبية من عمل يدعى ( الجرائم الخمسون الأكثر إثارة في المائة سنة الأخيرة ) ، وحذّرني أبي بصرامة من قراءة ذلك المجلّد لكن تحذيره ماكان جدياً على الإطلاق طالما أنه لم يبذل أية محاولة جدية لمنعي من قراءة ( التحرّي الحقيقي ) ، وكان من الطبيعي للغاية أن أقرأ في ذلك المجلّد كل مرة يغادر فيها أمي وأبي المنزل . إحتوى المجلّد على وقائع لعدّة قضايا قتل مثل : قضية كريبن ، قضية ” العرائس في حوض الإستحمام ” والقاتل سمث ، قضية ” السيارة المشتعلة ” والقاتل راوس ، وسبق لأمي أن تعرّفت على راوس عندما كانت صبية عاملة في أحد المصانع وكان هو يعمل بائعاً تجارياً جوّالاً ( إنها لفكرة غريبة حقاً لو أن راوس كان قد عزم على ملاحقة أمي ونجح في إغوائها للوقوع في شباكه مثلما إعتاد أن يفعل مع النساء الأخريات ؛ إذ ربما كان سيغدو أبي لاحقاً !! ) .

     كان ثمة لوحة مرسومة لكل مجرم في صدر كل مقالة من المقالات التي إحتواها الكتاب ، ولكن كان ثمة إستثناء واحد فحسب : ففي مقدّمة سلسلة المواد الموسومة ( أحجية جاك السفّاح ) وُضِعت علامة إستفهام ضخمة سوداء اللون ولاشيئ سواها ، لذا فإن هذه القضية أثارت فضولي بلا أدنى شكّ وملأتني دهشة ، وقد تعاظمت دهشتي تلك بعدما أخبرني جدّي أنه كان لم يزل طفلاً في لندن عندما حصلت وقائع القتل التي أقدم عليها جاك السفّاح عام 1888 وأنّ والديه أمعنا في تحذيره من عواقب الخروج للتجوّل مساء لخشيتهم من أن ينتهي صيداً بيد جاك السفّاح .

     إن كتاب ( الجرائم الخمسون الأكثر إثارة في المائة سنة الأخيرة ) – وليس كتاب ” التحرّي الحقيقي ” –  هو ماحفّزني وخلق فيّ رغبة وإهتماماً بالجريمة والمجرمين ، وقد قادني ذلك الاهتمام لكتابة ( موسوعة قضايا القتل ) وكذلك لكتابة روايتي الأولى ( طقوس في الظلام ) – تلك الرواية التي قادتني بدورها لكتابة كتابي ( اللامنتمي ) وعلى النحو الذي سأكشف تفاصيله لاحقاً .

     عندما كنت في الثامنة أو التاسعة إنضممت إلى مكتبة اليافعين المحلية ، ولايزال في مقدوري تذكّر رائحة الأغلفة الجلدية التي غُلّفت بها الكتب ورائحة دهان أرضية المكتبة أيضاً . إقترح عليّ أحد أصدقاء أبي قراءة الكتاب المعنون ( جزيرة المرجان ) لكنّي وجدته باعثاً على الملل ، وعوضاً عن ذلك الكتاب إندفعتُ في قراءة مجلّدات عدّة من قصص الجنيّات والحكايات الفلكلورية ولاأزال أذكر بخاصة الكتاب الموسوم بعنوان ( الجنيات والسّحرة العرّافون ) والذي قرأته بضع مرّات . حصل أحد الأيام أنني إكتشفتُ كتاب ( بو Poe ) المعنون ( حكايات الغموض والخيال ) فوجدته الكتاب الأكثر إدهاشاً بين كل الكتب التي كنت قرأتها حتى ذلك الحين ، ومن المسلّم به أن أسلوب ( بو ) إمتاز بنضوجه وتمكّنه من حرفته إلى حدود أبعد من قدرة الصبيان اليافعين ، غير أن الصور الملحقة بكتابه – كصورة الدوامة المائية العملاقة أو صورة القرد الذي يتسلّق الجدار عبر نافذة – كانت مثيرة للإهتمام إلى حدود دفعتني لتجاوز معضلة كون أسلوب الكاتب أكبر من قدرة من كانوا بعمري على الفهم .

     الرواية الأولى التي قرأتها كاملة كانت رواية ورقية الغلاف تدعى ( هذا الطريق يقود إلى الخارج ) لكاتبٍ لم أعد أذكره : كانت الرواية تحكي عن رجل متزوّج بإمرأة تتذمّر طوال الوقت لذا يعتزم زوجها قتلها بدفعها من أعلى سلالم المنزل ، وكان الزوج قد إلتقى فتاة رقيقة جميلة شاركته الجلوس على ذات المصطبة في أحد المتنزّهات وحينها قرّر الزوج أنه يفضّل هذه الفتاة ويريدها بديلاً لزوجته المستبدة التي لاتكف عن الشكوى والتذمر . تدفقت عاطفتي مدراراً عند قراءتي هذه الرواية ؛ إذ لطالما أدهشتني أمي بمزاجها الطيّب وجمال روحها الأليفة بالمقارنة مع أمّهات معظم أصدقائي ( ورثت أمي صفاتها الرقيقة ومزاجها الطيّب من جدّتها ) ، وعلمتُ منذ البدء أنني لن أرغب بالزواج من فتاة لاتماثل أمي في رقتها وطيب خصالها ( عندما رأيتُ جوي للمرة الأولى بعد إثنتي عشرة سنة لاحقة تملّكتني قناعة جوّانية مباشرة أنها كانت الفتاة التي كنت أبحث عنها رغم شعور الإنكفاء والتخاذل الذي ردعني بعد علمي أنها كانت مخطوبة وتنتظر إتمام زواجها ) .

     عندما بلغت العاشرة من العمر بات في عداد الحقائق المتداولة أنني غدوت ( دودة كتب ) ، وقد جعلت هذه الحقيقة أبي متقزّزاً مني وبخاصة أنه كان يهوى الألعاب الرياضية التي تُمارَس في الهواء الطلق ، ولطالما أقسم أمامي بأني سأتلف عيوني عمّا قريب ، غير أنني – وعلى شاكلة أمي – وجدت في عالم الكتب مهرباً من الضجر الذي يعتري حياة الطبقة العاملة : إذ لم يكن ببساطة ثمة مايمكن أن يفعله المرء من أفراد هذه الطبقة وبخاصة المقيمين منهم في مدينة صناعية كبرى ، وهنا يتوجّب عليّ الإعتراف أنني كنت على الأرجح سأجد حياة الريف مضجرة بقدر الضجر المصاحب لحياة المدن الكبرى بسبب إنعدام أية إهتمامات لي بشأن الحياة وسط أجواء الطبيعة .

     من الطبيعي أنني وجدت الكتب المتاحة لي مضجرة كما الحياة من حولي ، غير أنني عندما كنت أجد أحياناً رواية تمتِّعني وتهزني في أعماقي كنت أعتبر الأمر بمثابة رؤيا كاشفة وملهمة ، ولازلت أذكر حتى اليوم إستعارتي من المكتبة العامة لمجلّد يحوي ملخّصات للروايات الشهيرة التي كتبها ديكنز ، ثاكري ، دوماس ، وآخرون غيرهم . عندما قرأت فصلاً من رواية ( الكونت مونت كريستو ) والذي يحكي عن هروب البطل من القلعة المسمّاة Chateau D”If غدوت حينها مثل مريض من فرط الدهشة التي ملكت عليّ حواسي ، وكذلك بعدما أتممت قراءة بعض الملخّصات من العمل المسمى ( المتجر العتيق لحبّ الإستطلاع ) والتي تختتم بموت ( نيل الصغير ) إختبرت نوعاً عميقاً – ولذيذاً أيضاً –  من الكآبة السوداوية ( الميلانخوليا ) التي كانت كفيلة بجعل كل الحياة أمامي تبدو مثل حلم فحسب .

     في عالَمِ ( بو ) وحده وجدت تسويغاً مقنعاً لنزعتي الرومانتيكية ؛ إذ أنّ بطله ( أوغست دوبين ) الذي كان أول شخصية لمخبر سرّي في فن الرواية كان نوعاً من إنسان خارق تماماً مثل ويلسون العظيم ( أفرِد الفصل الثاني من هذا الكتاب لسرد حكايته ، المترجمة ) . كان دوبين رومانتيكياً بكلّ تأكيد : ” كانت نزوةُ من الهوى تتملّك صديقي ….. أن يكون متيّماً بالليل لمحض كونه ليلاً ولاشيئ سوى ذلك ، شعرت أزاء غرابة نزوته هذه – كما نزواته الأخرى – كمن يسقط على وجهه بعد عزمه على الإقلاع عن بلوغ تلك النزوات واستبعادها كلياً … ” ، وبينما كان دوبين وصديقه يتنزّهان في أحد الطرقات أعطى دوبين المثال الأول حول قدراته الإستنتاجية عندما قاطع أفكار صديقه بالتعليق التالي : ” إنه زميل ضئيل الجثة للغاية ، هذا صحيح تماماً ، ولكنه يصلح للعمل في مسرح de Varietes ”  هنا يومئ صديق دوبين برأسه وهو ذاهل مُبدِياً علامات الموافقة قبل أن يغدو فجأة مدركاً بأن دوبين قد قرأ أفكاره . إن توضيح ماحصل يمكن أن يكون في غاية البساطة : قبل بضع دقائق خلت وفي زاوية الشارع جُعِل السارد يتعثّر على أرضية الشارع المتشققة بفعل إرتطامه برجلٍ يحمل سلة تفّاح على رأسه ، وعقب هذا لمح دوبين صديقه وهو يحدّق بإشمئزاز نحو أرضية الشارع ، ثم سرعان مايدلف الصديقان نحو زقاق فرعي كان مكسواً بكتل متداخلة ؛ وحينها يلمح دوبين وجه صديقه وقد تهلل وصار أكثر إشراقاً وسمعه وهو يتمتم بمفردة Stereotomy- الإسم الشائع لطريقة إكساء الشارع التي رآها أمام ناظريه ( المفردة بالأصل يونانية الجذور وتعني كامل المعرفة والتقنيات الهندسية الخاصة بترتيب وتشكيل كتل الحجارة ومن ثم ترتيبها في هياكل معقدة – حائط ، قبّة ، قوس ،،، الخ – ، المترجمة ) ، وحيث أن الصديقين كانا قد تناقشا مؤخراً  بشأن إيبيكوروس Epicurus ونظريته الخاصة بالروح وكونها مؤلّفة من ذرّات ، لذا فإن دوبين ينتهي إلى نتيجة مفادها أن صديقه لن يكون قادراً على التفكير بأية مفردة تنتهي بالمقطع omy من غير التفكير بِـ ( إيبيكوروس ) في الوقت ذاته . أشار دوبين في معرض النقاش المشترك مؤخراً مع صديقه أن نظريات إيبيكوروس قد تمّ إثباتها في الفرضية السديميّة التي وضعها لابلاس Laplace ، وعندما يخطف صديقه نظرة نحو أعالي السماء بإتجاه  السديم المسمى أوريون Orion فإن دوبين يعلم حينها أن صديقه يتبع أفكاره بدقة .
_________
*المدى

 

شاهد أيضاً

مهن في عباءة الإبداع

القاهرة: طارق سعيد أحمد غالباً ما تكون مهن الكتاب ذات انعكاسات سلبية على كتاباتهم، وبخاصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *