الرئيسية / مقالات / فروض صناعة الرأي العام الثقافي

فروض صناعة الرأي العام الثقافي

*محمد العباس

عندما يحكم أحمد المديني على رواية «المغاربة» لعبدالكريم الجويطي بالشعرنة المفرطة وتضعيف المناصات. وهي رواية متأهلة للقائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية ( بوكر). وعندما يصفها بـ(الكشكول) أو النصوص التي (حيناً تتآلف، حيناً تتنافر، سرداً ونثراً، تُمسي إلى الشعر أقرب، وطوراً تتعالم). وعندما يستطرد في تفكيك بنائها الفني مقابل استبشار ثقافي عارم من قبل كبار الكتاب المغاربة بالرواية، لا نكون أمام أزمة أو اختلافات ذوقية وحسب، بل قبالة سؤال مربك عمن يشكل اتجاهات الرأي العام الثقافي. حيث تكرر ذلك الانقسام الموضوعي والعاطفي إزاء رواية «زرايب العبيد» لنجوى بن شتوان، ما بين الفرحين والمستنكرين من الليبيين. وهو انفصام يتمدد ليلامس مواقف وآراء الكاتب العربي بشأن أي عمل يكون في مساقط الضوء، خصوصاً في ما يتعلق بالرواية التي تتقدم اليوم مجمل الخطابات الإبداعية، حيث يمكن أن يكون لأي شخص رأيه فيها، سواء كان قارئاً أو ناقداً أو كاتباً اجتماعياً، حتى من دون أن يطالعها. المهم أن يعلن موقفه أو تعاطفه مع الرواية أو كاتبها، وبالتالي يتشكل رأي عام حولها يكون ضاغطاً على كل من يراود نفسه بقراءتها.
كل رأي مهما كان وزن كاتبه ومكانته الأدبية له مفاعيله في التأثير على القارئ، بل وفي تشكيل اتجاهات الرأي العام الثقافي، من حيث ترتيب أولويات القراءة واستحقاقات اللحظة الثقافية، وإن كانت آراء بعض الكُتّاب المعروفين، وبعض مشاهير القراء تختزن أرجحية أكبر، بالنظر إلى كون الكُتّاب أحد ركائز تكوين الرأي العام، حيث اكتسبت بعض الأسماء صفة الخبراء، وذلك بفعل التراكم في الاشتباك بالمشهد الثقافي وتتبُّع حراكه، وإبداء الرأي في المنتجات الثقافية بشكل مستمر، وبالتالي تحولت تلك الأسماء إلى مرجعيات يُعتمد عليها في رصد الجديد والجدير بالمطالعة من المنجز الإبداعي، ويُعتد بها في تقويم الأعمال، أو على الأقل التقاط وجهة نظر تكون بمثابة الإشارة التي تحرض على قراءة العمل أو الامتناع عن قراءته، وذلك بمقتضى الثقة التي تحولت مع مرور الوقت وتوالي الوقائع الثقافية إلى ما يشبه الميثاق، ما بين القارئ والخبير الذي استرضى دور الدليل في كل مناشط الإبداع، بما في ذلك اختيار الأفلام الجديرة بالمشاهدة والكتب المرشحة للقراءة وهكذا.
تشكيل الرأي العام الثقافي لا يُختصر في ما ينبغي وما لا ينبغي قراءته، فهذه مسألة هامشية مقارنة مع ما يُثار من القضايا الفكرية والأدبي، ولذلك تبرز منظومة من الأسماء لديها الأسبقية والقدرة على توليد التوترات الخلاقة، كالكتابة الطازجة عن كتاب إشكالي يحمل بذرة تفجير المشهد الثقافي بمجرد صدوره. وهذا النوع من الكتب بالتحديد يمكن أن يظهر ويجادل ابتداءً في لبنان باعتبارها عاصمة الكتاب العربي. كما يؤدي هذاالفرض عبده وازن – مثلاً – الذي يلصق أذنه مباشرة على جدران دور النشر، أو أن يقع كاتب على حالة انتحال صريحة فيثيرها كقضية ثقافية بالأدلة والوثائق، كما فعل عبدالله السمطي عندما كشف سرقة حفناوي بعلي، وحينها اضطرت لجنة جائزة الشيخ زايد إلى سحب الجائزة في الدورة الرابعة. وأحياناً عندما ينتبه ناقد إلى كتاب في الظل فيدفعه إلى واجهة المشهد، من خلال قراءة جمالية واعية، أو حين يلتقط قارئ نوعي ارتباكات مخلّة في كتاب مترجم فيفتح باب الترجمات على اتساعه وهكذا. إذ تشكل كل واقعة ثقافية مدخلاً لبناء الرأي العام وتحريك المشهد باتجاهات مختلفة، وكل ذلك دلالة صحة وعافية يعود الفضل فيها للمبادرين بخلق التوترات الإيجابية.
لأسباب لا ثقافية، لا يستيقظ المشهد الثقافي العربي إلا على العناوين الاستفزازية، الفضائحيةتحديداً، حيث يمكن ليوسف زيدان مثلاً أن يهز المشهد بين آونة وأخرى بمانشيت إعلامي مزلزل، يستهلك طاقة المثقفين في مهاترات هبائية. فيما ينعدم الحوار حول ما كان يستجلبه اسكندر حبش – مثلاً – من منتجات وذخائر الآخر الأدبية في جريدة «السفير». وهذه هي طبيعة المجتمعات المأخوذة بالإثارة، التي يمكن تشكيل وعيها، من خلال زخات من القضايا الهامشية، أو بمعنى أدق القضايا التي لا تبني وعياً بقدر ما تنبني على ردود الأفعال والشخصنة، ولذلك يكثر الحديث الإعلامي الملتبس بالثقافي عن قضايا السرقة والانتحال، وعدم استحقاق الجوائز، وفساد ذائقة لجان التحكيم وهكذا، وهذه عناوين سطحية ونيئة يمكن لأي أحد الخوض فيها لأن الإعلام بمعناه وواقعه الاستهلاكي هو محلها، وهو الذي يغذيها.
وعلى هذا الأساس يتشكل الرأي العام الثقافي في العالم العربي، في ظل غياب فاضح للقضايا الفكرية والنقدية والأدبية، التي تعيد ترتيب الأولويات من منطلقات مغايرة لمرادات الصحافة الثقافية المتردية.
بمجرد أن يتم الإعلان عن فوز رواية بجائزة ما من الجوائز يُثار غبار الأسئلة والشكوك والاتهامات والتخوينات، وذلك من خلال نوبات من الآراء المتضادة والمتجاورة التي تنطلق من كل الاتجاهات، ولا تصب بأي شكل من الأشكال في مقروئية الرواية. وهي مساءلات تصدر في الغالب من قراء وكُتّاب لم يطالعوا الرواية،، ولم يكلفوا أنفسهم فضيلة الصمت والاستماع إلى آراء وتعليقات من قرأوها. وبسرعة خاطفة تنتقل الرواية وكاتبها ولجنة تحكيم الجائزة من الفضاء الثقافي إلى دوامة اللغو الإعلامي، وهو مدار لا عقلاني، يتسم بالخفة وعدم الجدية والاستعجال، وفيه يتشكل العنوان الأبرز للرأي العام الثقافي، حيث يتوارى النقاد خوفاً من سلطة القراء، الذين لم يقرأوا الرواية، والمعلقين الذين لا يريدون الإقرار بالنتيجة أو إعادة موضعة الرواية والجائزة واللجنة في حيزها الثقافي. بمعنى تعزيز الكلام الغوغائي على حساب المناقدة والمساءلة الجمالية والمعرفية، حيث يتساوى هؤلاء مع الذين يحاكمون الروايات من منطلقات دينية وأخلاقية، وبالتالي يُسهم في الإخلال بآليات صناعة الرأي العام الثقافي بمعطياته الفنية والموضوعية.
يمكن الاطمئنان إلى مقالة أحمد المديني كإسهام في بناء رأي عام ثقافي تحتشد فيه الفئة المثقفة وتتجادل حول الكفاءة الفنية والموضوعية للرواية، بل يمكن الاختلاف بها وعليها كمنطلق لقراءت أكثر عمقاً واتساعاً. فهي لا تقف على الضد تماماً من رواية «المغاربة « وبتصوره الرواية (تتشظى في مناحي شتى، تشظياً مقصوداً لا تبعثراً، وهذا أحد أنساق سردها، وكذلك نظراً لتعدد سُرادها) وهو الأمر الذي يؤكد على موضوعية المعالجة، واحتوائها على ما يفتح الجدل ويوسع مداراته. فهي قراءة أشبه ما تكون بالتجوال الحر في حدائق النص، بعيداًعن محدودية ومقاصد الكتابة الإثباتية. وهذا النوع من القراءات هو الذي يترسب في الذاكرة الثقافية ويغذيها على المدى البعيد. على عكس الضجيج الإعلامي الذي قد يؤسس للقطة عابرة في المشهد، إلا أنها لا تتجذر كمؤثرات فاعلة في تحفيز الاتجاهات والميول.
كذلك يمكن الاحتكام إلى التعليقات الجادة والواعية في مواقع التواصل الاجتماعي، التي تنم عن مقروئية للمنتجات الإبداعية، على اعتبار أنها رافد مهم وحيوي من روافد التأطير الكلي للرأي العام الثقافي، بالإضافة إلى مطالعة المقالات التي تتأسس على الرأي المتأتي من خزان الخبرة وتراكم المعرفة وحرقة التجربة، كمقالات خليل صويلح البانورامية، المولدة للأسئلة المباغتة، التي تستجمع خيوط الواقعة الثقافية وتنبني على إيقاع اشتباكها وجهة نظر، أو مقالات حسن مدني التي تفتح الأفق على مفهوم القراءة في حيز الكتابة والعكس. وكذلك مقالات شرف الدين ماجدولين التي تسائل أعماق الظاهرة الروائية بهدوء ومنهجية. مقابل مقالات الصدمة المعرفية التي يؤدي فروضها – روائياً – حسين سرحان وعبدالدايم السلامي. ومقالات الرصد الروائي التي ينسجها هيثم حسين كشاهد على واقع ومآلات الرواية العربية، إلى آخر متوالية الأسماء التي تحرث المشهد على قاعدة التضايف. أما مقالات الإثارة الإعلامية فهي على هامش المشهد مهما بلغت من القوة والسطوة الوقتية.
_______

*القدس العربي

شاهد أيضاً

ما بعد التاريخ مقاربة مقدسية

خاص- ثقافات *خيري منصور لم يندرج مصطلح ما بعد التاريخ في خانة المابعديات، على غرار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *