الرئيسية / مقالات / يأس الأديب

يأس الأديب

خاص- ثقافات

*هيثم حسين

هل يُقعد اليأس المرء عن إكمال مشروعه الحياتيّ والأدبيّ ويبقيه نزيل مراراته وخيباته؟ ألا يمكن تحويل اليأس إلى طاقة للخلق والإبداع؟

ربّما يستوطن اليأس نفوس بعض الأدباء الذين يعدّون أنفسهم جديرين بالتقدير والاحتفاء، ولا ينفكّون يطالبون غيرهم بتكريمهم بطريقة أو بأخرى، وأنّهم لم ينالوا حقّهم أو لم يحظوا بفرصتهم، منطلقين من فكرة أنّ الآخرين جميعهم مدينون لهم. وتكون فكرة تقديمهم تضحيات أو إبداعات أو نتاجات أدبيّة أو فنّيّة باعثة لديهم على الإشعار بأنّهم يفضّلون على الآخرين بأعمالهم، وينبغي على أولئك الآخرين ردّ الجميل؛ الدين، لهم، والتعامل معهم على أساس تقدير تفوّقهم والاحتفاء بإنجازاتهم.

لا يخفى أنّ أيّ أديب أو فنّان حين ينجز عملاً ويحرّره ويطلقه للنشر، فإنّه لا يعطي مِنّة أو هبة لأحد، ولا يكون القارئ أو المتلقّي مديناً له بشيء، وحين يقبل على اقتناء العمل وقراءته فإنّه يقوم بتقدير كاتبه من دون أن يشعر أنّه مدين له بشيء، سوى بالمتعة والفائدة اللتين قد يجنيهما من قراءته أو قد لا يحصّلهما ويحصّل بدلا منهما الملل والتكرار، أمّا أن يرغب عن العمل من القرّاء، ولا يقتنيه، فهذا حقّ من حقوقه، ولا يجوز للكاتب التفكير في التصرّف على أنّه عدم تقدير له، أو أن ينغمس في بحر اليأس جرّاء رغبة القرّاء عنه وعن أعماله.

مساءلة الذات هي أهمّ ما ينبغي على أيّ كاتب التحلّي به وممارسته بين العمل والآخر، كي لا يقع فريسة يأس مدمّر قد يودي به إلى صحارى قاحلة، ثمّ يجد نفسه مديناً للقرّاء لأنّه يخرج لهم أعمالاً ذات سويّة متدنّية، ويفترض منهم تقديراً مبالغاً أو احتفاء عجائبيّاً على ذلك البؤس.

قد يخرج اليأس أديباً ما عن طوره حين يتلبّسه، فيبدأ بانتقاد جميع من حوله من الساعين في دروب الإبداع والكتابة والنجاح، وقد يعتقد أنّ سعي هؤلاء هو تعتيم على نتاجه وشخصيّته، فينبغي عليه تجريمهم ونسف مجهودهم والبحث عن سبل لتقزيمهم كي يبقي على وجوده في بحيرة راكدة من الاجترار والقنوط واستعداء الآخرين.

وقد يدفع اليأس أديباً ما إلى اقتراف جريمة الانتحار بحقّ نفسه، في ظنّ منه أنّه يعاقب الآخرين على تهميشهم له وإهمالهم نتاجاته، ويكون مدفوعاً بفكرة عدم ردّ الدين المتمثّل في المطالبة بالاعتبار والتقدير، والمطالبة بمنحه الجوائز والتكريمات، وكأنّ نهر الإبداع سيجفّ بتوقّفه عن الكتابة، أو أنّ القرّاء سيخرجون في تظاهرات مطالبين بضرورة عودته إلى ميدان إبداعه المفترض، غير دارٍ أنّه ليس إلّا نقطة صغيرة جدّاً في محيط هائل، وأنّ النسيان يتربّص به ليغلّفه.

يجتاح اليأس نفوس الأدباء والمبدعين في فترات معيّنة من حياتهم، لكنّهم يتغلّبون عليه بالعمل والأمل. هناك مَن يغيّرون قوّته الهادرة لصالح إنتاج أعمال مميّزة، يكون التحدّي دافعهم لذلك، وهناك مَن يركنون لسطلته العمياء فيضيعون في عتمته ويبقون نزلاء سجونه التي تزداد قهراً عليهم، وتخرجهم عن طورهم، وتظهرهم مثيرين للشفقة والرثاء.

__________
*العرب

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *