الرئيسية / إضاءات / السيدة راء وأنا‮:‬ متوالية رباعية بين يدي ذات المقام الرفيع رضوي عاشور

السيدة راء وأنا‮:‬ متوالية رباعية بين يدي ذات المقام الرفيع رضوي عاشور

*الدكتورة نيرمين الشرقاوي

‮”‬كان الوادي يفيض بالأطياف،‮ ‬أطيافٌ‮ ‬صامتة تميل مع الغروب لتهبط تباعا إلي باطن الأرض حيث النهر المستتر يحملها في المراكب مع مجراه المتدفق إلي الشرق‮. ‬صمت ثم صوت،‮ ‬خافت ثم يعلو،‮ ‬سوف يتردد في الوادي بعد سنين‮.” “‬أطياف،5‮”.‬
1‮/‬4
أؤمن بأن‮  ‬للكتب حيوات وأذواقا،‮ ‬وبأنها تستدعيني في الوقت الذي يحلو لها فلا أملك إلا أن ألبي النداء‮. ‬وكم من كتاب اشتريته استتب مكرما في مكتبتي،‮ ‬لا أشرع في قراءته إلا بعد أن يأذن‮. ‬نادتني رضوي عاشور في خريف‮ ‬2010‮ . ‬وهكذا بدأت‮- ‬متأخرة نسبيا‮- ‬في التعرف علي أدبها،‮ ‬وقد كنت أسمع اسمها يتردد تمثيلا علي ثروتنا من الأديبات المصريات،‮ ‬غير أني‮  ‬كنت أرجئ التعرف علي كتابتها خشية أن يكون مشروعها يتمحور حول السؤال السقيم‮ “‬نسائي أم نسوي؟‮” ‬وشقيقه من تفريعات نظريات‮ “‬الجندر‮” ‬فأجدني وقعت في براثن إشكاليات نقدية وافدة،‮ ‬لم تنبت في أرضنا،‮ ‬بل زرعناها فيها قسرا فأثمرت ثمرات‮ ‬غريبة الشكل والاسم والطعم،‮ ‬نجدها في ثلاجات عرض السوبرماركت الكبير ولا نجدها في أسواقنا التقليدية‮. ‬والحمد لله حمدا كثيرا أن أخلف بعض ظني،‮ ‬إذ تجلت لي رضوي شجرة عملاقة،‮ ‬صفصافة مصرية أصيلة،‮ ‬جذورها ضاربة في طين الوادي وشعورها تحن علي ناسه،‮ ‬يتفيؤون في ظلالها أني يشاؤون؛ وحدِّث ما شئت عن صلابة جذعها إن لجأت إليه يَشُدّ‮ ‬عُودَك‮. ‬حين التقيت كتابتها كانت‮  “‬الطنطورية‮”  ‬روايتها الفلسطينية كما أسمتها هي‮-  ‬قد صدرت فعلا فابتعتها ومعها‮ “‬أطياف،‮ ‬ط‮ ‬2008‮”‬،‮ ‬و”تقارير السيدة راء،‮ ‬ط‮ ‬2006‮”‬،‮ ‬و”ثلاثية‮ ‬غرناطة،‮ ‬ط‮ ‬2009‮”. ‬ورغم اهتمامي بالقضية الفلسطينية الذي صاحبني منذ الطفولة حتي تخرجي في الجامعة،‮ ‬ورغم افتتاني الشديد بالموضوعات الأندلسية،‮ ‬إلا أني‮ -‬لأمر مبهم‮- ‬بدأت بقراءة‮ “‬أطياف‮” ‬لأجد بطلتها‮ “‬شَجَر‮” ‬قد خلبت لبي تماما،‮ ‬وعلمت عن رضوي عاشور ما لم أكن أعلم‮.  ‬رضوي لا تكتب أدبا في شكله التقليدي المألوف‮. ‬فهي لا تقدم لنا مجرد حدوتة جميلة في لغة برّاقة‮. ‬رضوي تكتب أدبا تسجيليا‮- ‬إن جاز لي التعبير‮- ‬بكل ما يشكله كلٌ‮ ‬من الأدب والتسجيل من تحديات جسام‮. ‬وبكل ما يحقق كلاهما من وظيفة؛ بل وظائف‮. ‬في رواية‮ “‬أطياف‮” ‬نجد‮ ‬غزلا قوي الحبك،‮ ‬حريرا منسوجا من محطات شخصية في حياة كاتبتنا الجميلة التي أيضا تُعرفنا بالأب والابن‮ “‬مريد وتميم البرغوثي‮”‬،‮ ‬وتضفَرُ‮ ‬حكاياهما بمهارة في قصص المقاومة علي ضفتنا الشرقية في مدن القناة،‮ ‬بكل عمقها الجغرافي الممتد شرقا وبعدها التاريخي الراجع حتي ملحمة دير ياسين‮. ‬لا تكتفي رضوي باستلهام الفكرة وصياغتها أدبيا وإنما توثقها بشهادة شهود العيان‮. ‬فتخرج رواية‮ “‬أطياف‮” ‬محكية علي مستويات ثلاث‮: ‬رضوي وأسرتها،‮ ‬وشجر وأسرتها،‮ ‬وشهادات أبطال المقاومة‮. ‬تستعين علي نسجها بثقافتها الموسوعية،‮ ‬ولغتها الرصينة‮. ‬وفي كل مرة سأقرأ فيها لها سوف أكتشف أن اللغة فيها جميعا بطل حاضر لا يقل في دوره عن دور أي من شخوص رواياتها‮. ‬
أتعمد التشاغل عن‮ “‬ثلاثية‮ ‬غرناطة‮” ‬وتغريني‮ “‬تقارير السيدة راء‮” ‬بالقراءة لصغر حجم المجموعة القصصية‮. ‬أسافر معها هنا وهناك وأتابع ما تتابعه السيدة راء من أخبار الانتفاضة الفلسطينية عبر شاشة التلفاز في الفندق بغرناطة وهي تتذكر قبر الملِكَين الكاثولكيين في الكاتدرائية،‮ ‬والعبارة المنقوشة باللغة اللاتينية‮: “‬قضيا علي ملة محمد وقمعا عناد الكافرين‮”. ‬‬أتابع حوار رضوي مع تميم وأسأل نفسي مثلها بكلمات لانجستون هيوز‮ “‬ما الذي يحدث لحلم تأجل”؟؟ لأجد نفسي دون أن أدري أحتضن لأيام متتاليات‮ (‬ثلاثية‮ ‬غرناطة‮” ‬وقد انتفضت أحداثها شاخصة أمامي‮.‬
‮”‬أنا شاهدت حرق الكتب‮. ‬كنت صبيا صغيرا أعمل عند أبي جعفر الوراق‮. ‬وكان أبو جعفر-رحمه الله‮- ‬رجلا بلا مثيل،‮ ‬رباني وعلمني تغليف الكتب‮. ‬كانوا يأتون له بالأوراق مفروطة تتطاير مع أول هبة ريح فيرتبها،‮ ‬ويخيط كعبها،‮ ‬ويصنع لها‮ ‬غلافا ينتقي خامته بحرص‮. ‬يخرج الكتاب من بين يديه مغلفا بجلد ملمسه كالحرير،‮ ‬أخضر حشيشيّ،‮ ‬أو قرمزي أحمر،‮ ‬أو أزرق كصفحة البحر الكحلي الصريح،‮ ‬مزينا بنقش العنوان ومنمنمات الزخارف‮. ‬ثم جمعوا الكتب وأحرقوها في باب الرملة‮. ‬أحرقوا كتبا كثيرة،‮ ‬ولكن الوراقين عرفوا بالخبر قبلها فأنقذوا الكثير من الكتب أيضا‮. ‬هربنا الكتب في الصناديق والأجولة والسلال،‮ ‬نقلناها في السر إلي الأقبية والكهوف والمخابئ‮.‬
‮-‬ما نفع الكتب الآن؟ لم يعد أحد يعرف العربية‮ !‬
‮-‬أنزل الله القرآن باللغة العربية وسيحفظها لأنها لغة كتابه،‮ ‬وهذه الأيام الصعبة‮ ….‬
لم يعد نعيم يتابع الكلام،‮ ‬شرد ذهنه ثم قام‮. ‬قال‮:‬
‮-‬تصبحون علي خير‮.-  “‬ثلاثية‮ ‬غرناطة،296‮”‬
2‮/‬4
‮”‬خرج من البحر‮. ‬أي والله،‮ ‬خرج من البحر كأنه منه وطرحته الأمواج‮. ‬لم تحمله كالسمك أفقيا،‮ ‬انشقت عنه‮.” “‬الطنطورية،‮ ‬7‮” – ‬ولا‮ ‬غالب إلا الله‮. ‬
فعلت فيّ‮ “‬ثلاثية‮ ‬غرناطة‮” ‬كل ما كنت أتوقاه وأؤجل قراءتها من أجله،‮ ‬لسابق علمي بأثر الموضوعات الأندلسية عليّ‮. ‬فمجرد ذكر الموشحات أو الأراجيز،‮ ‬أو ولادة و‮ “‬صالونها الأدبي‮”‬،‮ ‬مجرد ذكر الفلاسفة والأطباء،‮ ‬بل وحتي أسماء المدن‮: ‬بلنسيه،‮ ‬قشتاله،‮ ‬سرقسطة،‮.. ‬الخ أمامي‮  ‬ولو عرضا‮-  ‬يُسلمني إلي حالة من الشجن الغريب‮. ‬غريب لأنه يتلبسني أسرع من أن أعي،‮ ‬وينجح في فصلي عن واقعي لأجد نفسي أسمع أصوات الريح في الجبال،‮ ‬ورفيف أشجار الزيتون وأشم الروائح التي تعبق الحارات ويهب بها المحيط‮. ‬وحين سافرت إلي ألمانيا منذ عدة سنوات لحضور المدرسة الشتوية في الترجمة الشفهية والتحريرية ما بين العربية والألمانية التي عقدت للطلاب الدراسات العليا من العرب في مدينة جيرميرزهايم،‮ ‬مررنا في الزيارات السياحية علي مدينة شباير،‮ ‬لنشاهد كاتدرائيتها‮ ‬Speyrer  Dom ‮ ‬التي تعد من العجائب المعمارية‮.  ‬فهي أكبر كاتدرائية في العالم مبنية علي الطراز الروماني ومسجلة علي قائمة اليونسكو للتراث العالمي‮. ‬وبعد أن تجولت مع الوفود في أركانها الجميلة،‮ ‬وفتنت بمعمارها الخلاب،‮ ‬هبطنا لنزور ما يسمونه الكنيسة المخفية‮ ‬Krypte،‮ ‬لأنها كنيسة كبيرة مقامة بالكامل تحت الأرض،‮ ‬لنفاجأ بأن المرشد الألماني يقول‮: “‬مرحبا بكم في قرطبة‮”. ‬نظرنا حولنا فإذا بالكنيسة نسخة طبق الأصل من مسجد قرطبة الكبير،‮ ‬بأقبيته المميزة‮! ‬وإذا بهذه الباحة أكبر باحة أعمدة رومانية في العالم‮. ‬يعني أسلافنا لم يتوقف زحفهم عند الأطراف الشرقية والغربية من القارة الأوروبية فقط،‮ ‬بل وصلوا إلي القلب أيضا؟ صحيح أنهم لم يبنوا هذه الكنيسة،‮ ‬لكن إلي هذه الدرجة كان تأثيرهم وآثارهم عليه شاهدة؟‮! ‬صعدنا ثانية لنكمل رحلتنا،‮ ‬فإذا بالمرشد الكريم يصر أن يعزف لنا بنفسه علي الأرغن الضخم المميز للكاتدرائية،‮ ‬ورغم أن عزفه كان رائعا لإحدي مقطوعات‮ “‬باخ‮” ‬وجدتني أردد مع ابن عباد شطرا كنت أحفظه وقتها من الأبيات التالية‮:‬
ألكم إلي الصب الشجي معاد    فتفك عنه للأسي أصفاد
رحل اصطباري إذ رحلتم قائلا‮ ‬    أوب الأحبة بيننا الميعاد
يا من ثكلت دونهم ووصالهم‮   ‬فبدا علي من الشحوب حداد
وهكذا فكّت‮ “‬غرناطة‮” ‬السيدة راء أصفادَ‮ ‬أسايَ،‮ ‬واستنفدت جُلّ‮ ‬طاقتي النفسية والبدنية وأسلمتني لحزن مقيم،‮ ‬مرهق،‮ ‬جاهدت طويلا كيما أنجو منه‮. ‬ذلك الصرح الأدبي السامق الذي يضاهي في روعة بنيانه‮ “‬قصر الحمراء‮” ‬غير أنه يجعل الحكايات تنتفض أمامنا متدفقة،‮ ‬حارة وموجعة‮. ‬تبدأ الحكاية في آخر معاقل المسلمين بالأندلس في الجزء الأول‮ “‬غرناطة‮”‬،‮ ‬لتتواصل مع‮ “‬مريمة‮” ‬التي تلضم الجزء الأول كعروس شابة ذكية شاطرة،‮ ‬بالجزء الأوسط كأم واسعة الحيلة،‮ ‬ثم نتابع مصيرها في الجزء الأخير‮ “‬الرحيل‮” ‬كجدة مفجوعة يحملها عليّ‮ ‬الحفيد‮- ‬علي ظهره في الخروج الأخير للعائلة،‮ ‬لتعبر البحر إلي المغرب،‮ ‬نفس البحر الذي حمل قبل سبعة قرون طارقا بن زياد إلي الضفة التي سيغادرونها إلي الأبد‮. ‬لكن مريمة تأبي الرحيل‮. ‬تموت‮. ‬يدفنها عليّ‮ ‬هناك‮. “‬يلملم همه‮. ‬يصرّه في منديل يعقده ويحمله ويمضي مع الآخرين إلي شواطئ الرحيل‮” “‬غرناطة،‮ ‬491‮”. ‬تناديه عظام القبر،‮ ‬فيدير عَلِّيا ظهره للبحر‮. ‬وييمم وجهه شطر القبر لتنتهي الرواية الملحمية بالعبارة التي اشتهرت‮ “‬لا وحشة في قبر مريمة‮”.  ‬لا حول ولا قوة إلا بالله‮. ‬
ثقيلة والله ملحمة الرحيل‮. ‬لكنه،‮ ‬يا للحسرة،‮ ‬لن يكون الرحيل الأخير‮. ‬يتصل سلسال المقاومين مغموسا في حكايا الإذلال والخذلان والمقاومة بالمتاح والانتصارات الصغيرة ما بين‮ ‬غرناطة والطنطورة التي تفتتح الرواية الفلسطينية بنكبة‮ ‬1948‮ ‬لتجدد‮ “‬رقية‮” ‬مصير‮ “‬مريمة‮” ‬المحتوم‮:
اللجوء في الوطن،‮ ‬ثم اللجوء خارجه‮. ‬ونتابع مصير عائلة جديدة بدأت الشتات‮. ‬وتوزعت ما بين بيروت والقاهرة والضفة‮. ‬
فمتي كان الفتح؟ وكيف انتهي أفول الخروج؟ وهل قدّر علينا اليوم أن نشهد أكثر من أندلس أخري؟‮  ‬القدس‮/ ‬بيروت‮/ ‬بغداد‮/ ‬الخرطوم‮/ ‬دمشق‮/ ‬صنعاء‮/ ‬طرابلس‮. ‬فيم قصرنا؟ ولم حل علينا‮ ‬غضب الله؟‮.‬
لا إجابة علي الاسئلة الكبيرة،‮ ‬لكن رضوي مشغولة بحكايا البسطاء‮. ‬تدوّن كيف عاشوا؟ ماذا كانوا يأكلون؟ من تزوجوا؟ ومن أنجبوا؟ وما مصير الأولاد؟ تشيد لهم في كتبها متاحفا تحفظ تاريخهم ومعاناتهم،‮ ‬وتجمد آلامهم‮. ‬لنعرف أنهم كانوا أيضا بشرا يضجّون بالحياة،‮ ‬ولم يكونوا أبدا مجرد أرقام في إحصائيات تلقيها علينا نشرات الأخبار‮.  ‬
‮”‬هل في الزمن النسيان حقا كما يقولون؟ ليس صحيحا‮. ‬الزمن يجلو الذاكرة كأنه الماء تغمر الذهب فيه،‮ ‬يوما أو ألف عام فتجده في قاع النهر يلتمع‮. ‬لا يفسد الماء سوي المعدن الرخيص،‮ ‬يصيب سطحه ساعة فيعلوه الصدأ‮. ‬لا يسقط الزمن الأصيل في حياة الإنسان‮. ‬يعلو موجه صحيح‮. ‬يدفع إلي القاع‮. ‬يغمر ولكنك إذ تغوص تجد شجيرات المرجان حمراء،‮ ‬وحبات اللؤلؤ تتلألأ في المحار‮. ‬لا يلفظ البحر سوي الطحالب والحقير من القواقع،‮ ‬وغرناطة هناك كاملة التفاصيل مستقرة في القاع،‮ ‬غارقة‮.” “‬غرناطة،‮ ‬487‮” ‬
لكنها الغارقة الحاضرة الراسخة في الوجدان الأصيل‮. ‬مثلها مثل الطنطورة ويافا وصفد وجنين واللد،‮ ‬وغيرها من المدن التي تحكي عنها رضوي في‮ “‬الطنطورية‮” ‬لتحفظها من الغرق في بحور النسيان‮. ‬من حكايات البسطاء نعرف أن البنيان لا ينهد فجأة علي رؤوس العباد،‮ ‬وأن حياة الناس‮  ‬رغم المذابح والتهجير‮- ‬ليست كلها عسر‮. ‬فلا أوسع من رحمة الله‮. ‬لا يظهر التوثيق بشكله المباشر المتخذ سمت الشهادات المكتوبة في روايتيّ‮ “‬ثلاثية‮ ‬غرناطة‮” ‬و”الطنطورية‮”‬،‮ ‬ولا يحويان كأغلب أعمال رضوي علي أطراف من حكايتها الشخصية؛ وأعني هنا أيضا بشكلها المباشر الذي يحيل إليها في واقعها الفعلي كأستاذة في الجامعة،‮ ‬وزوجة لمريد،‮ ‬وأم تميم،‮ ‬بالشكل الذي يجعل الرواية تتقاطع مع السيرة الذاتية‮. ‬وهي التقاطعات التي أتقنتها رضوي في معظم أعمالها بُغية أن تتداخل سيرتها في النسيج العام‮. ‬أقول ورغم‮ ‬غياب هذه التقاطعات،‮ ‬إلا أن الدائرة تكتمل بإهداء رضوي رواية‮ “‬غرناطة‮” ‬إلي‮ “‬تميم‮”‬،‮ ‬و”الطنطورية‮” ‬إلي‮ “‬مريد‮”‬،‮ ‬وهما جوهرتا التاج في مشروعها الأدبي الباذخ‮. ‬فيرتبط مصير”هم‮” ‬عضويا بمصير”نا‮”‬،‮ ‬ويصير من حق السيدة راء إن تحدثت بضمير المتكلم‮ “‬أنا‮” ‬أن تحيل هذه الأنا إلي‮ “‬نحن‮”‬،‮ ‬وإن قالت أُسرت”نا‮”‬،‮ ‬فلن تقتصر مرجعيتها عليها ومريد وتميم فحسب،‮ ‬وإنما علي‮ “‬تلك العائلة الممتدة من الشغيلة والثوار والحالمين الذين يناطحون زمانهم،‮ ‬من حزب العناد‮” “‬أثقل من رضوي،‮ ‬393‮” ‬فتعلن باسم”نا‮” ‬جميعا‮: “‬نمقت الهزيمة‮. ‬لا نقبل بها‮. ‬فإن قضت علينا،‮ ‬نموت كالشجر واقفين‮” “‬السابق‮” ‬
للأطفال في سرد رضوي مكان ومكانة‮. ‬يولدون ويزقزقون،‮ ‬يلعبون ويغنون،‮ ‬يركضون و‮ “‬يتعفرتون‮” ‬يلتقطون الفكاهة ويعيدون إنتاجها‮. ‬وينقلون الحكاية من زمان إلي زمان‮. ‬الصغار لا يجعلون الحياة فقط ممكنة،‮ ‬بل واجبة‮. ‬هذا يقيني ويقين الأمهات‮- ‬كل الأمهات سواء الأمهات بالولادة،‮ ‬أو الأمهات البنات‮. ‬الأمهات بالتمني،‮ ‬والأمهات بالهواية،‮ ‬والأمهات بالاحتراف‮. ‬الأمهات المعلمات‮. ‬المرأة عند رضوي هي الأم‮. ‬والأم هنا ليست الوالدة فحسب في دائرتها الضيقة ؛ بل المربية في الدائرة الأوسع،‮  ‬الحكاءة الذاكرة في الدائرة الأوسع فالأوسع،‮ ‬فحاضنة الحياة في الدائرة الأشمل والأعم،‮ ‬تلك التي تحيط بكل ما في الحياة من حياة‮. ‬من مثل هذا الإدراك الفطري تشتق النساء قدرتهن علي الكفاح كل يوم،‮ ‬ومن مثل هذا الوعي تعلنها السيدة راء‮ “‬أنا مدرسة،‮ ‬أري في رسائل التشاؤم فعلاً‮ ‬غير أخلاقي‮” “‬السابق،‮ ‬280‮”.  ‬
وهكذا‮  ‬ورغم توالي الخيبات،‮ ‬إلا أن الروح لا تنكسر‮. ‬تظل تدرس وتعي الدرس‮. ‬تعافر‮. ‬تفرح وترقص‮. ‬تتفكه وتسخر‮. ‬حاشا للرواية الأندلسية،‮ ‬أو للرواية الفلسطينية أن تكونا مجرد مرثيتين‮. ‬لا‮. ‬المجازر والحزن والموت منمنمات هيّنة‮ -‬علي هولها وترويعها‮- ‬من آلاف المنمنمات التي تصطخب بالحياة‮. ‬فالسيدة راء خفيفة الظل جدا،‮ ‬وأبطالها وبطلاتها علي شاكلتها‮. ‬تقول لنفسها حين يراودها اليأس‮: “‬أنا من حزب النمل‮. ‬من حزب قشة الغريق،‮ ‬أتشبث بها ولا أفلتها أبدا من يدي‮. ‬من حزب الشاطرة التي تغزل برجل حمارة‮.” “‬السابق،‮ ‬393‮”.   ‬في كتاباتها كثير من الضحك،‮ ‬وشلالات من المحبة‮.‬
‮”‬أعلن عز الدين وهو يضحك‮:‬
حظ يفلق الحجر‮! ‬في يوم واحد ملوخية،‮ ‬ووظيفة ومنحة‮. ‬طبعاً‮ ‬الملوخية أهم‮. ‬أكلنا الملوخية‮. ‬الآن علي أن أختار‮: ‬الوظيفة أم الدراسة في الجامعة؟ بصراحة اخترت‮.‬
يحب عز الملوخية ويحبها أكثر حين أطبخها له‮. ‬يحول المائدة إلي مهرجان ضاحك‮. ‬يعلن بصوته الجهوري‮: ‬ملوخية رقية لا يعلي عليها،‮ ‬تسويها أفضل من أمي وخالتي وكل نساء صيدا‮. ‬أغمز له بطرف عيني لأنني أعرف أن خالتي تنزعج من هذا الكلام‮. ‬ولكنه يتجاهل إشارتي ويسهب في التغزل في أكلته المفضلة شرط أن تكون من صنع يديّ،‮ ‬فهي تقوي القلب وترم العظم وتطيل العمر وتؤكد أن العرب لن يغلبهم أحد مهما بدا‮ ‬غير ذلك‮. ‬والمؤكد أنها ستعيد لنا فلسطين‮!‬
نضحك‮. ” (‬الطنطورية،‮ ‬96‮)‬
3‮/‬4

“‬الولد الابن،‮ ‬والولد الأب،‮ ‬كبيران الآن،‮ ‬يقفان معا في حيز القصيدة‮. ‬يتواصلان‮” “‬أطياف،‮ ‬94‮”‬
قال لي أستاذي الجميل مصطفي ماهر في إحدي محاوراتنا أن علي كل منا أن يتخذ له أبا من الأدباء والمفكرين،‮ ‬يتتلمذ علي يديه؛ ويا حبذا لو عدّدنا الآباء‮. ‬وفخره أنه منتمٍ‮ ‬لمدرسة طه حسين معروف‮. ‬وأذكر أنه كان يجل نجيب محفوظ‮.  ‬وقد حاولت أن اتخذ من نجيب محفوظ أبا ففشلت،‮ ‬فهو عندي في مكانة أدني قليلا من الأنبياء،‮ ‬وهكذا بدأت أبحث عن آبائي ووجدت في يحيي حقي جَداً‮ ‬حكيماً‮ ‬حنوناً‮ ‬واسع المعرفة خفيف الظل جميل العبارة سخي العطاء،‮ ‬ووجدت في جمال الغيطاني أبا‮  ‬مصريا أصيلا مكافحا شريفا،‮ ‬ينحت من جلاميد الصخور تماثيل عبقرية‮. ‬وقد أسعدني الحظ بلقائه مرة في أعقاب انتهائي من رسالة الماجيستير،‮ ‬فاستقبلني بحفاوة‮- ‬ولم يكن يعرفني من قبل‮- ‬في مكتبه بأخبار الأدب،‮ ‬وأثني علي أسلوبي في الكتابة والترجمة؛ ثم حالت الظروف دون لقاء آخر‮. ‬ولكني طوال مراحل إعداد الماجيستير فالزواج والإنجاب فمشقات إعداد الدكتوراة اكتشفت أني أيضا في حاجة إلي أمهات يحطن بدقائق المسؤوليات المضاعفة الملقاة علي كاهلي،‮ ‬ويمددن لي حبالا من الثقة والسند‮. ‬وظللت في هذا التيه طويلا إلي أن وجدت ضالتي في رضوي عاشور‮. ‬وسأفطن فيما بعد إلي تشابهات علي عدة مستويات ما بين جمال الغيطاني،‮ ‬ورضوي عاشور،‮ ‬لم يدركها وعيي حين رسمت جمال أبا،‮ ‬ورسمت رضوي أما‮.  ‬وياللفقد الذي استشعرته حين رحلت رضوي في ديسمبر من العام‮ ‬2014‮
وتوالي هبوب الريح علي دور المصريين،‮ ‬فأطفأت زمرة معتبرة من المشاعل،‮ ‬فإذا بالغيطاني يرحل والعام‮ ‬2015‮ ‬يلملم أوراقه‮. ‬لكن هل يرحل الآباء والأمهات حقا؟ لا يرحلون‮. ‬
ولدت رضوي في العام الذي ولدت فيه خالتي،‮ ‬الحاضرة دائما رغم الغياب‮. ‬ثم هي أكبر بسنة واحدة من أمي‮. ‬رضوي أستاذة في نفس الجامعة التي أعمل بها،‮ ‬وتخصصها الأكاديمي يشبه تخصصي‮. ‬أحببت صورتها وصوتها‮. ‬هي مثل أمي،‮ ‬وضاءة الوجه متفائلة مؤمنة،‮ ‬ماهرة في الغزل،‮ ‬رقيقة القلب،‮ ‬حافظة للأمانة،‮ ‬تشع نظراتها حنانا وترحابا‮. ‬وهكذا نصبتها في سمائي نجمة الشمال،‮ ‬تعينني علي ضبط الاتجاه وتؤنس وحشتي إذا ما اشتدت الأنواء‮. ‬أتقوي بخفة ظلها في‮ “‬تقارير السيدة راء‮” ‬وأذاكر التاريخ من جديد عبر‮ “‬قطعة من أوروبا‮”. ‬أجد متعة لا تضاهي في روايتيها‮ “‬سراج،‮ ‬ط‮ “‬،‮ ‬و”فرج،‮ ‬ط‮ “. ‬فهي كما هي،‮ ‬لا تزال علي العهد تشعل‮ (‬سراج‮) ‬يدور حول المواني العربية التي سقطت تحت مطامع الانجليز،‮ ‬من عمان إلي شرق إفريقيا والإسكندرية،‮ ‬بينما السلاطين في خدورهم نائمين‮.  ‬لكن السيدة راء تظل دوما تعد ب”فرج‮” ‬وهي تسرد‮ “‬ندي‮” ‬في رحلة عريضة تبدأ من قلب الريف،‮ ‬مرورا بالقاهرة،‮ ‬عبورا صحراء المغرب لنقابل‮ “‬فرج‮” ‬في الفصل الأخير،‮ ‬يحن إليه المقاومون وتصاحبنا شهادات شهود العيان‮.‬
إنها الخريطة إذن،‮ ‬تلك التي تنزف من الخليج إلي المحيط بكل عبقريتها المكانية وعمقها الزماني وطرحها المتجدد عبر الأجيال‮. ‬رضوي عاشور المرأة الشجرة تدرك جيدا أننا ننهزم لأننا لا نعرف،‮ ‬فإذا ما عرفنا انتصرنا‮. ‬هل تعلمين كم أعاني يا أمي وأنا أذاكر لابنتاي مادة الدراسات الاجتماعية؟ هل تعلمين أنهم يُدرسونهما الجغرافيا بلا روح،‮ ‬والتاريخ بلا قلب؟ مهما اختلف الدكان الذي نبتاع منه البضاعة‮: ‬عربي،‮ ‬حكومي،‮ ‬تجريبي،‮ ‬أمريكي،‮ ‬فرنسي،‮ ‬ألماني‮. ‬نفس الصرخات تتردد في كل البيوت المصرية‮: “‬يا ماما العربي صعب أوي‮/ ‬يا ماما الدراسات ملهاش لازمة‮/ ‬يا ماما مش بعرف أحفظ‮”. ‬ثم نتحدث عن المؤامرات ولا ندرك أننا أكبر مؤامرة علي أنفسنا‮! ‬إنهم يسرقون تاريخنا بعد أن سرقوا لغتنا واستعمروا أفكارنا وبثوا بذور الشك في كل ما آمنا به دوما أو آمنا به يوما،‮ ‬وليس فينا رجل رشيد‮.  ‬كم من متحف سرق في العراق؟ كم من بنيان تهدم في سوريا؟ كم من أثر نهب في مصر؟‮. ‬إن مشروع رضوي المرأة الشجرة يحارب الدواعش،‮ ‬يحفظ ما يريدون سرقته،‮ ‬ويقيم ما يريدون هدمه‮. ‬رضوي المرأة الشجرة‮: ‬الجذر والأصل،‮ ‬العود والفرع،‮ ‬وأول الحكاية‮. ‬الخريطة هي محل المؤامرة،‮ ‬وهي ميدان المقاومة الحقيقي‮. ‬إنها مفتاح دارها الذي علقته‮ “‬رقية‮” ‬في عنقها قبل التهجير عام‮ ‬1948،‮ ‬وظل معلقا انتظارا لتحقيق حلم العودة‮.‬
‮”‬من أين أتت كل هذه البالونات؟ في لمحة عين كانت مئات البالونات ترتفع هنا وهناك‮. ‬تطير من هنا إلي هناك‮. ‬بعضها كتب عليه اسم فلسطين وبعضها كتب عليه أسماء القري أوالبلدات‮. بعضها مرسوم عليه العلم بالألوان وبعضها أربع بالونات مضفورة خيوطها،‮ ‬تطير معا ولكل منها لون من ألوان العلم‮: ‬أسود‮. ‬أبيض‮. ‬أخضر‮. ‬أحمر‮. ‬امرأة فاق خيالها خيال الجميع كانت أتت بقفص حمام‮. ‬أطلقته‮. ‬طار الحمام‮. ‬السماء فوقنا أسراب حمام وعيد من ألوان البالونات‮. ‬انتحيت جانبا‮. ‬جلست علي حجر‮. ‬هل يُنهك الفرح؟‮” “‬الطنطورية،‮ ‬452‮”. ‬
4‮/‬4
‮”‬آمنة تخشي البحر ولكنها تكذب علي قلبها،‮ ‬تستيقظ قبل صياح الديك وتبدأ يومها بالذهاب إلي الشاطئ،‮ ‬تشخص بعينيها في الظلام وتهمس بالدعاء‮. ‬بعدها تقصد الميناء،‮ ‬وتسأل‮: “‬هل من جديد؟،‮ ‬لا جديد‮”” “‬سراج،5‮”‬
لم أتجاسر أبدا علي عبور نهر طريق الخليفة المأمون الذي يفصل ما بين كلية الألسن وكلية الآداب من جامعة عين شمس‮. ‬ذنب سيظل يحتل ترتيبا متقدما علي‮ “‬القائمة القصيرة‮” ‬للذنوب التي لن أغفرها لي‮. ‬كنت أتمني أن أراها وجها لوجه‮. ‬أنا متأكده أني كنت سأتلجلج في حضرتها ولن أقول شيئا‮. ‬كنت فقط أريد أن أقبل يدها وأن أشعر بيدها الأخري تربت علي كتفي‮. ‬ربما كنت سأبكي‮. ‬لكن علي‮  ‬الأرجح لا؛ كما لم أبك حين قرأت كتابها الأخير‮ “‬أثقل من رضوي‮”. ‬وهو الكتاب الذي تسرد فيه قصة كفاحها لمرض السرطان الذي زاد استشراءه مواكبا ثورة يناير وما تلاها من أحداث‮. ‬تصحبنا رضوي في الكتاب‮- ‬مع مريد وتميم‮- ‬نتابع معها رحلة علاجها في الولايات المتحدة الأمريكية فلا تحبسنا بين جدران المستشفيات،‮ ‬بل تتجول بنا في متاحفها تُعلم وتَشرَح‮. ‬تربط الفن بالتاريخ،‮ ‬وتضيء ما استغلق علي الأفهام،‮ ‬ثم تسارع في العودة إلي القاهرة لتوثق لنا حكايات الثورة،‮ ‬تحكي معايشاتها كشاهدة عيان،‮ ‬وتسجل أطرافا من حكايات الشهداء‮. ‬ثم تعود تحكي عن الفقد وعن آلامها بسبب المرض الذي يهاجم بضراوة والعلاج وكثرة الجراحات تحكي عن انكسارات الروح بكل ما يليق برضوي من عزة وكبرياء‮. ‬غير أني لكني لم أبكِ‮. ‬لم أبكِ‮ ‬حتي وهي تتوقع أن القارئات قد شرعن في البكاء تأثرا وتعاطفا،‮ ‬وتعتذر منهن‮  ‬وهي تكاد تري أن عيونهن وأنوفهن قد احمرت من كثرة الدموع وشدة الاحتقان‮. (‬أثقل من رضوي،‮ ‬364‮). ‬لكن توقف البكاء‮. ‬ربما لأمر ورثته عن أمي،‮ ‬كلما زادت فاجعتنا قل بكاؤنا؟ ربما لأن ما ألقته عليّ‮ ‬رضوي كان أثقل مني؟ ربما لأن الفواجع صارت أمرا عاديا لم يعد يستمطر الدموع؟‮  ‬أم ربما لأنني في الحقيقة إنسانة بسيطة أذرف دموعي لأسباب أقل دراماتيكية من كل هذا‮. ‬اغرورقت عيناي حين كتبت رضوي ببساطة‮ “‬أري حِمارا جميل العينين يقترب من النافذة ويتطلع إليّ،‮ ‬أمد يدي وأربت علي رأسه ونتبادل الكلام‮” (‬فرج،8‮). ‬تلتمع عيناي أمام عبارة مثل‮ “‬الصغار لأنهم صغار يرون الأشياء كبيرة‮” (‬أطياف،‮ )‬،‮ ‬يتسارع خفقان قلبي في‮ (‬ثلاثية‮ ‬غرناطة‮) ‬حين يقدم سعدٌ‮ ‬لسليمة‮ ‬غزالةً‮ ‬مهرا‮. ‬أنزعج مع تميم الصغير العائد من مدرسته مقهورا‮. ‬لقد كسرت المعلمة بخاطر الولد وتجاهلت‮  ‬الهدية التي قدمها لها في عيد الأم‮. ‬بكيت حين واسته رضوي بقولها الواثق الحنون‮: “‬ولكن الوردة أيضا هدية ثمينة‮” “‬تقارير السيدة راء،‮ ‬75‮”. ‬تنسال مدامعي أنهارا حين تستصغر‮  ‬رقية الهدية التي جهزتها لتقدمها إلي وصال،‮ ‬صديقة الطفولة التي لم تأتنس بصحبتها ولا رأتها منذ أن تركت البلد في مشهد بليغ‮ ‬مذهل‮: “‬حملت لي وصال ثوبا قالت إنها بدأت في تطريزه منذ تلك المكالمة التلفونية التي أجراها عَبِد من بيروت‮. ‬قالت إنها انتهت منه قبل ثلاثة أعوام وبقيت تنتظر اللقاء‮. ‬غالبت البكاء وأنا أتأمل شغل يديها في ثوب حملته لي عبر الجسر من جنين‮. ‬لم أجد ما أقوله‮. ‬انعقد لساني وشعرت أن هديتي لا تليق‮. ‬أبقيت ساعة اليد والقلب المعلق في سلسال من ذهب وزجاجة العطر في حقيبتي‮. ‬كررت علي نفسي‮: ‬لا تليق بالمقام‮.” “‬الطنطورية،‮ ‬200‮”. ‬مع النشيج تتساءل كل ذرة في كياني‮: ‬من أي نهر يا سيدتي تنهلين كل هذا النُبل؟ أم تراك قد شققت لنفسك نهرا من صفاء؟‮  ‬ينبع في قلبك وإليه يعود؛ لكنه في ترحاله يعرج إلي سبع سماوات؟ يرتفع بعذابات المعذبين ويهبط عليهم باردا رقراقا؟‮! ‬
‮”‬إن الحياة تؤطر الموت‮. ‬تسبقه وتليه،‮ ‬وتفرض حدوده،‮ ‬تحيطه من الأعلي والأسفل ومن الجانبين،‮ ‬هذا يقيني‮.” “‬أثقل من رضوي،‮ ‬391‮”‬
تعلمت من رضوي عاشور،‮ ‬الحكّاءة الغزّالة الفنّانة،‮ ‬أن التاريخ نسجيّة ضخمة،‮ ‬قد نفني ولما نحط بأولها أو آخرها‮. ‬لكن ربما يعيننا علي تحمُّل الراهن أن نفكر في الأصل وفي المآل‮. ‬أمي أيضا‮ ‬غزّالة ماهرة،‮ ‬تتقن كل أشغال الإبرة‮. ‬علمتني أن في‮ “‬الكروشيه‮” ‬ثمة‮ “‬غُرزة منزلقة‮” ‬وهي أصغر‮ ‬غرزة في هذا الفن،‮ ‬لا تصلح وحدها لعمل أي مشروع‮  ‬مثل شال أو حقيبة أو قبعة أو ما إلي ذلك،‮ ‬لأنها لا تعتبر‮ ‬غرزة مستقلة مثل‮ “‬السلسلة‮” ‬أو‮ “‬الحشو‮”‬،‮ ‬وإنما وسيلة للوصل بين الأسطر والغرز‮. ‬ومن المدهش أن الغرزة ليس لها ارتفاع وتسمي أحيانا ب”الغرزة النائمة‮”. ‬هل يخفف من وطأة القهر قليلا أن أرتضي أن أكون‮ “‬غرزة منزلقة”؟ صحيح أنها لن تصلح لتكوين نسيج متكامل وحدها،‮ ‬ولكن ألا يكفي أن أُوّظَف لضم بداية الصف مع آخره؟ هل تعرفون ما الذي يضم بداية الصف مع آخره؟ التاريخ‮. ‬الذاكرة‮. ‬فاللهم لا تجعلني من الخائنين‮. ‬ولا تجعلني كالتي نقضت‮ ‬غزلها‮. ‬
‮”‬كان المقاتل مات‮/ ‬جاءه رجل وقال‮: ‬لا تمت فأنا أحبك كثيرا‮/ ‬ولكن الجثمان ياللحسرة،‮ ‬واصل الموت‮/‬
جاءه اثنان آخران،‮ ‬قالا له‮: ‬لا تتركنا‮! ‬تشجع‮! ‬ارجع إلي الحياة‮!/ ‬ولكن الجثمان،‮ ‬ياللخسارة،‮ ‬واصل الموت‮/‬ثم جاءه‮… “‬كل أحبابه‮” / ‬أحاطوا به؛ رآهم الجثمان الحزين،‮ ‬هزه التأثر‮/ ‬نهض ببطء‮/ ‬احتضن أول شخص؛ وبدأ يسير‮” “‬أطياف،‮ ‬14‮”” ‬
سلام عليك يا راء،‮ ‬سلام عليك من الله ومن نون،‮ ‬ومنا أجمعين‮. ‬

____
*أخبار الأدب

شاهد أيضاً

مهن في عباءة الإبداع

القاهرة: طارق سعيد أحمد غالباً ما تكون مهن الكتاب ذات انعكاسات سلبية على كتاباتهم، وبخاصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *