الرئيسية / خبر رئيسي / هل التعصب الجماعي مرض نفسي لا دواء له سوى الحرب

هل التعصب الجماعي مرض نفسي لا دواء له سوى الحرب

*محمد الحمامصي

يقدم الباحث والمحلل النفسي الفرنسي جيرار حداد في كتابه “في يمين المولى.. التعصب في ميزان التحليل النفسي” رؤية متفردة لانتشار الجماعات المتطرفة والإرهابية وشغف أفرادها بالذبح والقتل سواء باستخدام الأحزمة الناسفة أو بالقتل والذبح بدم بارد، وذلك من خلال تشريحه وتحليله النفسي لمفهوم التعصب، الذي يرى فيه المحرك الأول لكل الحروب، سواء بين الأهل أنفسهم “الحروب الأهلية”، أو بين الدول، مؤكدا أنه المحرك للعنصريات والملهم للقمع والاضطهاد، وللإبادات، ولكل ما يجري هذا المجرى من ألوان الهمجية.

مرض العصر

يؤكد حداد في كتابه الذي ترجمته وأصدرته دار الجديد ببيروت، أن التعصب كالعنصرية، علة جماعية، ولا يعني بذلك أن التعصب لا يصيب الأفراد، ولكن أن يخرج من صفوف جماعة ما، فرد ما متعصب، أو عنصري ينادي بالموت لجماعة أخرى شيء، وأن تصاب جماعة ما بقضها وقضيضها بالتعصب أو بالعنصرية شيء آخر.

ويقول جيرار حداد “في حالة الفرد، لا يعدو الأمر أن يكون اختلالا نفسيا يفترض العلاج، أو عزل الفرد المعني درءا للأذى، أما في حالة الجماعات، فالأمر غير ذلك. أضف أن التعصب في الجماعات، أدنى ما يكون إلى المرض المزمن. بالطبع يمكن هذا المرض، متى ما أصاب جماعة من الجماعات، أن تنحسر عوارضه، وأن تخفت حدته، ولكنه يبقى كالجمر تحت الرماد: حالما يتسلل الوهن إلى الجسم الاجتماعي لتلك الجماعة، تستأنف الحمى نوباتها بهذا المعنى، لا هوادة ممكنة في التصدي لهذا الشر، والتصدي له على بينة من طبيعته، خير من التصدي له على غير بينة، وهذا ما يسعى ‘في يمين المولى’ إلى المساهمة فيه”.

ويوضح حداد أن القتل الوحشي المتتابع والمنتشر على فيديوهات متفرقة يوحي بغير كلالة أنه خليفة القتل الذي رفع يوما إلي مرتبة الصناعة الثقيلة. هذه الهمجية متربصة عند كل زاوية، وعند كل منعطف. إنها همجية قادرة، بلا رفة جفن، على أن تبيد مجموعة من الصحافيين الهزليين، كما أن تقضي على رواد مركز تجاري، أو على تلاميذ مدرسة. ماذا يستفاد من هذه النماذج من القتل سوى أنها تكرر المكرر من أنه لا وزن يذكر، ولا قيمة لحياة. أما أغرب الأغراب، في رأيه، فيكمن في أن هذه الفظاعات التي يفترض المرء أن تستدعي الإنكار عليها والرفض القاطع لها، تستثير في نفوس البعض تأثيرا معاكسا، فتخلب وتستهوي عوض أن تجفل وتنفّر. ولو لم يكن الأمر كذلك، فكيف لنا أن نفسر التحاق عشرات الآلاف، من كل فج عميق، تطوعا، بركاب هذه المغامرة الهمجية القصوى؟ في ما مضى كان الجلادون أبناء صنف وصنعة، أما اليوم، فباب هذه النقابة مشرع على مصراعيه.

ويشير إلى أن “أولى صفات التعصب، إذا، أن تكره بلا تحفظ ولا تردد، أن تكره حد القتل، بل حد الإبادة، كل من لا يشاطرك الإيمان نفسه. أما الصفة الثانية من صفات التعصب، بوصفه مرضا من أمراض النفس، فإنه معْد إلى أبعد الحدود بطرفة عين يستولي على الجماعات، ثم على الجماهير ويخدر عقولها. وقد أثبتت التجارب أنه لا رجاء يرجى من التوسل بالقيم الإنسانية لرده”.

ويلفت حداد إلى أن التعصب أشبه ما يكون بمرض السيدا، “فقدان المناعة”، الذي يعطل الدفاعات التي يعدها الجسم للتصدي له. أضف أن للتعصب قدرة فائقة على التحول والتبدل، حيث إنه لا يكف، بين الحين والآخر عن التشكل بأشكال جديدة، ومفاجئة، تتقادم معها أساليب مكافحته في شكله السابق. ومصداق ذلك ما رأيناه رأي العين، في غضون أشهر قليلة، من ظهور تعصب غير مسبوق، تحت اسم “تنظيم الدولة الإسلامية”، لا يمسكه شيء عن إعلان حرب شاملة على البشرية جمعاء، غير مستثن من عداد الأعداء فيها من لا يوالونه من المسلمين.

أشكال التعصب

ويحلل حداد أشكال التعصب موضحا أنه إذا ما تتبعنا الكوارث، التي شهدها القرن العشرون، يظهر لنا أن القومية هي الشكل الأول، والأقدم، من أشكال التعصب. أما أصل القومية، فشعور شبه بيولوجي، وبهذا المعنى مشروع، من الإحساس الوطني. ويرى أن مقول القول أن الشعور الوطني شيء والتعصب القومي شيء آخر. أو قل إن التعصب القومي تحريف للشعور الوطني. وإنما ينشأ التعصب القومي متى ما نصب المرء بلده منصب القيمة العليا، بل نصبه منصب الصنم الغامض، المبهم، المجرد، الخارج عن مجرى التاريخ وسياقاته، المعصوم من النقد المحفوظ من أن يدخل عليه أي تبدل بفعل التمازج والاختلاط.

أما الشكلُ الثاني من التعصب، الأفظع والأكره، فهو التعصب العنصري. أن يَفخر المرءُ بمَحتِدِه، وبثقافته، أمر مشروع. خلافُ ذلك كرهٌ للنفسِ مرذول. أمّا أن يحمل المرء هذا الشعور شبه البيولوجي على محمل التفوق العرقي، والاصطفاء الإلهي أو الطبيعي، فهذا أيضا تحريف لنزعة طبيعية. يمكن اعتبار العنصرية بابا من أبواب القومية، من حيث أنها تضيف إلى الحجة الثقافية التي تتأسس عليها القومية حججا أخرى، وهذا شأن العنصرية على نحو ما وضعها النازيون موضع التطبيق.

كما يكشف حداد نوعا ثالثا من التعصب هو التعصب القائم على الأيديولوجيا التوتاليتارية، وأبلغ مثالٍ عليه هو الشيوعية، رغم أنها في مبتدئها فكرة جميلة تدعو إلى عالم تسوده العدالة والأخوة ولا محل فيه لأن يستغل إنسان إنساناً آخر، وهكذا.

ليخلص الباحث إلى شكل رابع من أشكال التعصب، حديث الساعة ولو أنه ذو نسب رفيع، هو التعصب الديني الذي ينزل منه التعصب الإسلامي، اليوم، منزلة المثال البليغ. شأن ما سبق وصفه من أشكال التعصب، فإن المبتدأ من التعصب الديني شعورٌ لا غبار عليه هو الشعور الديني. ففي هذا العالم، الذي يشعر الإنسان بالوضاعة قياسا بوساعته، وبين يدي المصير المحتوم المكتوب على بني البشر، اتخذ الإنسان، من الشعور الديني سبباً للكون ومعنى لحياته، يستدرك به على ما تصدعه تصاريف الحياة مما يفترضه وحدة أصلية لكيانه. بهذا المعنى، فإن الشعور الديني هو حيلة البشر كلما أعيتهم الحيلة. إن الخلط بين الشعور الديني الفطري والتعصب الديني دليل على بؤس فكري لا شك فيه، حيث أن هذا الخلط يسقط المواقف المشهودة للكبار من مفكري القرن العشرين الدينيين من التوتاليتارية بشتى أشكالها.

ويؤكد حداد أنه بخلاف التعصب القومي والعنصري والأيديولوجي التوتاليتاري، يمتاز التعصب الديني بتصديه المباشر لمحل المرأة ومرتبتها في المجتمع، واستطرادًا للمسائل الجنسية، فالتعصب الإسلامي والمسيحي واليهودي يلزم النساء، في الحد الأدنى بالتزام زي محتشم، وفي الحد الأقصى يسعى إلى إقصائهن من الفضاء العام. فالإثارة الجنسية التي ينسبها هذا التعصب إلى النساء مجلبة رجس ودنس، بل إنها عمل من أعمال الشيطان.

مقول القول إن كل تعصب بلا استثناء، إنما هو دعوة لا تكاد تتوارى إلى الحرب الأهلية، وإن المهدوية، أي المشروع الرامي إلى إنشاء عالم مثالي على أكوام من الجماجم، هي الطيف الملم بكل أشكال التعصب. إن القناعات التي يتأسس عليها التعصب قناعات تستعصي على العقل، ومن ثم فعبثا يحاول المرء أن يبدل من رأي متعصب.

_________

*العرب

شاهد أيضاً

أمركة جائزة «بوكر» تخيف الناشرين البريطانيين

*مصطفى زين يكثر في الأدبيات العربية التخوف من «الغزو الثقافي الأميركي». وإذا كان هذا الأمر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *