الرئيسية / مقالات / ترويض الإنسان العربي

ترويض الإنسان العربي

خاص- ثقافات

*يوسف غيشان

تتيح اللغة العربية لمستخدميها الكثير من الخيارات المتسقة والمتناقضة معا، بحيث  تستطيع ، وبمرونة فائقة، نقل الأشياء من دائرة الخير الى مربع الشر ، والعكس صحيح تماما. لا اعتقد أن لغة عالمية اخرى تحظى بهذه الميزات التي يحلم بها كل سياسي محنك وكل دكتاتور مبطن  وكل مسؤول اعلام عربي .

استطيع أن اقول: (السيطرة على الجماهير) أو (ترويض الجماهير) أو(توجيه الرأي العام) و(تعديل القناعات)، وهي عبارات رغم عدم تقاربها الا أنها تؤدي الى  تعابير أكثر شرا ، مثل:(تملّك الجماهير) و(استعباد الناس والعباد)… وغيرها، وتعتمد خياراتك اللغوية على موقفك وموقعك من الإعراب في النظام العربي السائد، في هذا الوقت بالذات وهذا الزمان بالتحديد.

وللوصول الى حل وسط، فلنعتمد عبارة (ترويض) رغم  حيوانيتها، للوصول الى آليه التحكم بالجماهير، أقول رغم حيوانيتها الا أن فيها جوانب عادلة، حيث أن ان ترويض الحيوان تعني التحكم بتصرفاته الخارجية بناء على مؤثرات مصطنعة ، أما التحكم بالأنسان فأنت تسرق روحه وتسلب كيانه من الداخل ، والى أمد قد يمتد الى النهاية ، بينما يستطيع الحيوان اذا ابتعد عن مركز السيطرة ومؤثراتها أن يستعيد حريته ولياقته الشخصية.

كتب شكسبير مسرحيته (ترويض النمرة) وهي بالطبع حول ترويض فتاة متمردة، كما كتب زكريا تامر قصته (النمور في اليوم العاشر) وهي ، رغم أنها تتحدث حول نمر في القفص، الا انها تتنتهي في مقطع يشير فيه تامر الى اختفاء النمر والمسرح والمدرب وتحول الجميع الى مدينة عربية او وطن عربي كبير .

ترويض الإنسان يعتمد على هندسة آليات تكنولوجيا السلوك التي  تم ابتكارها من خلال اجراء التجارب على الحيوانات ، ولعل أشهر هذه الآليات التي لا تزال قيد العمل  حتى الان، هي نظرية “المنعكس الشرطي”  أو “الإقتران الشرطي” التي ابتدعها غير المغفور له الروسي بافلوف.

قد يكون صديقنا بافلوف قصد من اقترانه الشرطي هذا صياغة اسلوب ناجع وناجح في تعليم السلوك السليم، لكن السياسي والأمني ورجل الدولة سرق هذا الإقتران من بين يديه وحوله الى أسلوب، لا بل   مدرسة في ترويض الجماهير وغسيل الأدمغة والحروب النفسية ضد بني البشر من مواطنين وأعداء من الخارج، على السواء.

تجارب بافلوف اعتمدت على  تعليم الكلب في التجربة الكلاسيكية  عن طريق اقتران صوت الجرس بقدوم الطعام، فينزل لعابه عند سماع صوت الجرس، ثم ربط الضوء بصعقة كهربائية ، لتقترن بالألم…فيشعر الكلب بالألم كلما شاهد الضوء، حتى لو يتم توجيه صعقة كهربائية. وبالطبع يمكن تبديل الضوء بالجرس، حسب الطلب.

هذا المبدأ البسيط الذي يتم يستخدامه في الإعلاانات والترويج للمنتوجات عن كطريق ربطها بالمشاهير  من ابطال كرة القدم  وغيرها من الألعاب الرياضية، أو بالحسناوات المغريات  ، فتصبح السلعة مرغوبة مثلهم ومثلها…وهو ذات الأسلوب الذي يستخدم مع الناس في عمليات التعذيب وتشكيل الميول والسلوكيات، التي يتم التحكم فيها وتوجيهها كما يريد الديكتاتور ، حتى لو شاء المسؤول حزب معارض له – مثلا- من هؤلاء الموجّهين سلوكيا، على سبيل الديكور أو إدّعاء الديمقراطية .

وتلولحي يا دالية

_______

*كاتب أردني

ghishan@gmail.com

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *