الرئيسية / إضاءات / الأسير في الشعر الفلسطيني

الأسير في الشعر الفلسطيني

*يوسف أبو لوز

إذا كانت الانتفاضة الفلسطينية التاريخية التي اندلعت في العام ١٩٨٧ ترتبط بالحجارة، وتسمى إلى اليوم في الأدبيات الثقافية والسياسية الفلسطينية ب «انتفاضة الحجارة» بوصفها كانت «ثورة داخل الثورة» ضد العدو العنصري الصهيوني للتخلص من جبروت الاحتلال نحو الحرية الوطنية والاستقلال، فيمكن القول إن الإضراب عن الطعام الذي يخوضه الأسرى الفلسطينيون اليوم هو «انتفاضة» ثانية أو ثالثة، ولكن هذه المرة، ليس بالحجارة، بل، بالأمعاء الخاوية لأكثر من ١٥٠٠ أسير لا يسند صمودهم سوى الإرادة أولاً. والقليل من الماء والملح، وفي الانتفاضات السابقة كانت الرموز اليومية للمواجهات مع آلة العسكر «الإسرائيلية» تتمثل في: الحجر، المقلاع، الإطارات المشتعلة، والفتيان والشباب الملثمين بالكوفية الفلسطينية المرقطة بالأبيض والأسود.. واليوم، وفي انتفاضة الأمعاء الخاوية أو لنسمها «انتفاضة الجوع» تتمثل رموز حرب السرى بالماء والملح الذي منعته «إسرائيل» عن المضربين عن الطعام، وهي جريمة حرب تدينها القوانين الدولية في الثورات أو الانتفاضات المدنية غير المسلحة، وذلك، لأن منع الملح الذي يأخذه المضربون مع الماء يؤدي إلى تعفّن المعدة.

هذه صورة أولية تأخذ بنا إلى رمزية الأسير في الرواية الفلسطينية منذ ٦٩ عاماً، وهي رواية تراجيدية ولكنها محكومة دائماً إلى التفاؤل والأمل، وكان «الختيار» ياسر عرفات يقول دائماً: «أرى ضوءاً في آخر النفق..»، وترجمة هذا المجاز إلى لغة سياسية أو ثقافية مباشرة تعني أن «أبو عمار» كان يعوّل في أمله على ضوء الانتفاضات والصمود الذي سيؤدي في النهاية إلى آخر النفق، أي، الحرية والاستقلال والخروج من سرداب الظلام إلى نور شمس فلسطين الحرة، وبالفعل، نعاين اليوم أن أغلبية الأسرى هم من الشباب، أو أنهم اعتقلوا وهم شباب، وهذا هو الضوء الذي كان يعنيه رجل الكوفية الذي لم يخلع في حياته ثياب الكاكي.
رمزية الأسير لها مكانة عظيمة في الذاكرة الفلسطينية، فالأسير الذي يحارب بالجوع (.. قبل أيام قرأنا في الأخبار أن الأسرى الفلسطينيين أضربوا أيضاً عن الطعام..)، ويحارب بأمعاء خاوية يحاول حمايتها من التعفّن بشيء من الملح يعني للفلسطيني: البطولة في زمن موت البطل أو موت رمزية البطل، والأسير يعني بالنسبة إلى الفلسطيني التحدي.. وهو يقارع بجسده احتلالاً ترسانياً بالسلاح وبثقافة التمييز والكراهية.
جسد الأسير هو سلاحه. يأخذ هذا الجسد، شئنا أم أبينا، بالانكماش والشحوب والتلاشي مع الأيام والليالي، إلى أن يدخل الأسير في غيبوبة، ولكن المدهش حقاً أن جسد الأسر يتكيف تلقائياً مع الحالة النفسية التي يمر بها المضرب عن الطعام أو الماء، فهو منذ البداية مهيأ للاستشهاد، ويدخل معركة إما أن ينتصر فيها الجسد البشري على الجوع أو ينهزم.. أي أن معنويته النفسية تشكل له نوعاً من الحاجز بينه وبين الخوف، ونفي الخوف هو شكل من أشكال تغذية الجسد بالروح المعنوية أولاً، وبالمعنى العميق لمفهوم البطولة.

موضوعة الأسير في الشعر الفلسطيني تندرج، على نحو أوسع من ناحية القراءة والمعاينة النصية، في إطار أدب السجون أو أدب الاعتقال، فالحيز المكاني للأسير أو المعتقل أو الموقوف هو حيز واحد: السجن، وهذا الحيز المظلم المرعب هو عمود أساسي في الشعر الفلسطيني، وفي الخمسينيات أو الستينيات على وجه خاص سوف يطلق على هذا الشعر مصطلح أو وصف (شعر المقاومة)، ونحن نعرف جميعاً أقطابه الثلاثة في السردية الشعرية الفلسطينية: توفيق زياد، محمود درويش، سميح القاسم. وسيكون المحقق «الإسرائيلي» الذي وقف أمامه درويش ذات يوم في حيفا ضئيلاً وتائهاً في عدوانيته وسقوطه النفسي والثقافي عندما صرخ درويش في وجهه: «سجَّل أنا عربي»، وكان درويش معتقلاً أو سجيناً لدى الاحتلال «الإسرائيلي» في فلسطين وهو في العشرينيات من عمره، وسوف يخرج درويش من السجن بعد ذلك ولن يعود إلى بلاده، ليواجه ثانية ذلك المحقق الذي يتداول الشعر الفلسطيني صورته في حروب الأسرى. والحروب المباشرة التي يكثر بعدها الشهداء.
إن موضوعة الأسير والسجين والمعتقل السياسي ستكون أكثر بروزاً في الشعر الفلسطيني عند شعراء الخمسينيات والستينيات بشكل خاص: هارون هاشم رشيد، فدوى طوقان، إبراهيم طوقان، عبد الرحيم عمر، وراشد حسين، يوسف الخطيب، معين بسيسو، كمال ناصر، عبد اللطيف عقل وغيرهم من شعراء، وذلك تبعاً لفضاءات السجن «الإسرائيلي» المفتوح منذ ما يقرب من سبعين عاماً.
بعد العام ١٩٦٧، وبعد معركة الكرامة في الغور الأردني، وبعد الانتفاضات الفلسطينية والإقصاءات أي الإبعاد (التهجير القصري من فلسطين إلي لبنان والأردن ومصر) ستكثر السجون «الإسرائيلية»، ويكثر الأسرى والمعتقلون، ولن يتوقف الشعر الفلسطيني عن ملاحقة المحقق العسكري «الإسرائيلي» وتحديه في قلب السجن بحرب الماء والملح وستكون القصيدة الفلسطينية في قلب المواجهة أيضاً: علي الخليلي، المتوكل طه، محمد القيسي، مريد البرغوثي، ثم في الثمانينات والتسعينات يتوسع السجن «الإسرائيلي» مع ولادة الكثير من الأسرى الجدد، والغريب أو الطريف هنا، أن بعض شباب انتفاضة ١٩٨٧ قد أنجبوا أطفالاً في ذلك العام، وبعض أبناء أولئك المنتفضين هم اليوم في كتيبة الأسرى المضربين عن الطعام وسلاحهم الماء والملح.
هذه المتوالية الكفافية الفلسطينية القائمة على: الشهيد، الأسير، المعتقل، المُبعد، الجريح، المطارد، المغتال.. وغير ذلك من القاموس الفلسطيني، وفي مقابلها السجن المفتوح دائماً حتى للأطفال والنساء.. أقول، هذه المتوالية التراجيدية يوازيها «التوثيق» بالشعر سواء لبطولة الأسير أو بطولة الشهيد، وبالتالي يتعدد الشعراء مرة ثانية، ولن تغيب هذه المتواليات عن الشعراء: أحمد دحبور، غسان زقطان، مراد السوداني، إبراهيم نصرالله، يوسف عبد العزيز، زهير أو شايب، عمر شبانة.. وغيرهم من شعراء فلسطين مع ملاحظة أن تناول موضوع الأسير في النص الشعري الستيني أو الخمسيني وحتى أوائل السبعينيات من القرن العشرين كان مباشراً (منبرياً) محملاً ببعض تبعات الأيديولوجيا والتسييس الحزبي تبعاً للمحمول الفكري الذي يمثل في قلب وعقل وروح الشاعر، في حين أن (ثيمة) الأسير سوف تتغير كلياً مع تحرر الشعر من الأيديولوجيا والشعار السياسي في نهاية السبعينيات وفي الثمانينيات، تحديداً، وبالطبع امتداداً لذلك في تسعينيات القرن العشرين، مع ذلك، تظل روح الأسير ماثلة في النص الشعري الفلسطيني بكل تحولاته، فالأسير، هو الأسير بحضوره الوطني وشجاعته وبطولته في القصيدة الفلسطينية الخمسينية أو الستينية، وفي القصيدة الثمانينية.. مع اختلافات وتباينات تفرضها بالطبع طبيعة النص والرؤية الجمالية إليه من وقت إلى آخر.
يشكل هارون هاشم رشيد جذراً شعرياً فلسطينياً يعود في كينونته الأدبية والثقافية إلى أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين (ولد في العام ١٩٢٧)، وإذا أنتجت نكسة يونيو/ حزيران ١٩٦٧ ما يسمى (شعراء المقاومة)، فإن هناك من يضع هارون هاشم رشيد فيما يسمى (شعراء النكبة أو شعراء المخيم)، ويشكل هذا الجذر صيغة أولية لشعر العودة، أو شعر الشهيد والأسرى والمعتقلين في غيابات السجون «الإسرائيلية»، ومن الطبيعي أن يكون إيقاعه كلاسيكياً مباشراً تبعاً للسياق التاريخ الذي يوضع فيه شعره من الناحية الفنية، وسوف نأخذ نحن بدورنا مباشرة نصاً له بعنوان «صباح الخير للسجناء»، وأكثر من ذلك، وعلى الرغم من العنوان المباشر الدال للقصيدة وهذا يكفي لاستيعاب مضمونها، إلا أن الشاعر وفي وقت مبكر من تاريخ المقاومة الفلسطينية يضع هذا العنوان الفرعي الشارح للنص يقول.. «.. إليهم، إلى كل الأسرى والسجناء في ليل السجن الصهيوني..».. يقول:
صباح الخير..
تحملها إلى الأحباب
أسراب الحساسين
تدور بها مولهّة على كل الزنازين
تحط على شبابيك مغلقة
وتنشد للمساجين،
وتحمل شلح زنبقة لهم
أو غصن زيتون
من الوطن الذي لا مثله أحلى
من الوطن الفلسطيني..
من الواضح تماماً هنا الرموز التي تحيل إلى محنة الأسير: السجن، الزنازين، الشبابيك المغلقة، وهي إشارات كثرت وتكررت في الشعر الفلسطيني الخمسيني والستيني في القرن العشرين.
قبل هارون هاشم رشيد هناك رمز شعري فلسطيني أقدم هو الشاعر إبراهيم طوقان (١٩٠٥ ١٩٤١)، أي أنه شهيد الانتداب البريطاني حيث كانت فلسطين واقعة تحته، ورغم أنه توفي قبل النكبة التي وقعت في العام ١٩٤٨ وعاش حياة قصيرة، إلا أنه إلى اليوم ماثل بقوة في الذاكرة الشعرية الفلسطينية التي تحتفظ بروحه الوطنية، وقصيدته «الشهيد»، وقد يستشهد الأسير، مازالت تتردد على ألسنة الفلسطينيين، وخاصة ألسنة الطبقة الشعبية:
«عَبَسَ الخطب فابتسم
وطغى الهول فاقتحم
رابط الجأش والنهى
ثابت القلب والقدم
نفسه طوع همّة
وجمت دونها الهمم»
همّة النفس الفلسطينية التي تحدث عنها إبراهيم طوقان قبل أكثر من سبعين عاماً هي ذاتها همة النفس التي (وجمت دونها الهمم) اليوم في «النسخة» الجديدة من حروب الفلسطيني «العوليسي» الذي سوف يبتلعه التيه البري والمائي، ولكنه، ذات يوم سوف يعود إلى (إيثاكه) الفلسطينية، وقد تحمّل الكثير من الظمأ والجوع.
يوسف الخطيب (مواليد ١٩٣١) صاحب صوت وطني عال. حر ومباشر. حاد النبرة الشعرية واللغة، وستكون (ثيمة) السجن.. المرادف للأسر والاعتقال والحجز والمنع موجودة أيضاً في شعره:
«قبلنا لم تلق حراً نقّبت كفّاه
عن أقبية السجن الحجارة
***
قبلنا لم تلق سجاناً خليّ البال
قد أعلى من الوهم جداره»
جوع الأسير أو جوع السجين يلوح أيضاً في شعر واحد من مثلث شعر المقاومة.. توفيق زياد:
«فلتسمع كل الدنيا.. فلتسمع
سنجوع.. ونعرى
قطعاً.. نتقطع
ونسف ترابك
يا أرضاً تتوجع
ونموت.. ولكن
لن يسقط من أيدينا
علم الأحرار المشرع
لكن.. لن نركع..»
مثل هذا الصوت الشعري الإيقاعي القابل للغناء في السجن وغير السجن هو الصوت المقاوم للعدو «الإسرائيلي» في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، وسوف يتواصل هذا الغناء المقاوم من انتفاضة إلى انتفاضة، ومن تراجيديا إلي تراجيديا للتأكيد دائماً على روح الفلسطيني المشحونة دائماً بثقافة البطولة والاستشهاد.
من الأصوات المباشرة أيضاً (الخطابية المنبرية) والتي تحددها بالضرورة طبيعة الاحتلال، وطبيعة السجن نستعيد في حرب الجوع صوت معين بسيسو… في قصيدته «ثلاثة جدران لحجرة التعذيب»:
قد أصبحت أسلاكنا.. عروقنا
عروق هذه الجدران
دماؤنا تصب كلها
تصب في عروق هذه الجدران
برقية عبر الجدار
قد أغلقوا زنزانة جديدة
قد قتلوا (سجين)
قد فتحوا زنزانة «جديدة»
قد أحضروا (سجين)
كلما سقط شهيد أو ذاب جسد أسير مشهد يكثفه محمود درويش في صورة السنبلة التي إن ماتت تملأ الوادي سنابل:
يا دامي العينين والكفّين،
إن الليل زائل.
لا غرفة التوقيف باقية
ولا زرد السلاسل
نيرون مات.. ولم تمت روما
بعينيها تقاتل
وحبوب سنبلة تموت
ستملأ الوادي سنابل.
__________
*الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

بنية الإيقاع السردي النسوي في «سيدات القمر»

*لنا عبد الرحمن «إن قصص النساء لم تُحكَ بعد، وبدون القصص لا تتجلى الخبرة أو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *