الرئيسية / خبر رئيسي / مقاربة بين قصيدتي “ما يزال المطر يهطل” لـ “إديت سيتويل” و”أنشودة المطر” لبدر شاكر السّياب”

مقاربة بين قصيدتي “ما يزال المطر يهطل” لـ “إديت سيتويل” و”أنشودة المطر” لبدر شاكر السّياب”

خاص- ثقافات 

*د. عريب محمد عيد

يتأجّج صدر السّياب في أنشودة المطر بالثّورة ضدّ المستدمر والحكّام في بلده العراق، وهو الإنسان السّريع التّأثر، والمرهف الإحساس بكلّ ما يجري حوله، فهو يتألّم لآلام الفقراء والضّعفاء من شعبه، فينشد لنفسه ولهم أناشيد الأمل بالخلاص من الظّلم والاستبداد والاستغلال، فكانت (أنشودة المطر) تباشير خير بالثّورة والخلاص؛ فالمطر رمز للخير والحياة. ويحاول أن يربط العلاقة الجدليّة الّتي تربط الإنسان والأرض مع إيقاع مأساته الشّخصيّة الفرديّة الّتي عاشها حين انفصل بصورة قسريّة عن أمه عندما توفيت وهو طفل صغير، فيجعل من أحداث طفولته مأساة جماعيّة وإنسانيّة عامّة، تعني انفصال الإنسان عن أرضه، ولا يطمئن هذا الإنسان حتّى يعود ويتجدّد مع أمه.
       وهو يشابه “إديث سيتويل” في التّعايش مع حدث الحرب، فقد جاء كلّ منهما ليبيّن في قصيدته حركة الدّمار والموت والضّياع، التي تدلّ على استمرار الكارثة، والسّياب يتناول الأحداث من زاوية عقائديّة أيديولوجيّة .
       واستدمار العراق هو الباعث الأوّل لهذه الأنشودة إضافة إلى نفسيّة الشّاعر المستعدّة والمتحفّزة للحديث عن هذا الوضع المأساويّ، فهو يثور على هؤلاء المستغلين، ويدعو الشّعب العراقيّ إلى التّمسك بأرضه، ويزرع فيه بذرة التّمرد والثّورة، مؤمنًا بقدرة الإنسان على الفعل والتّغيير، مرتبطًا بأرضه ارتباطًا وثيقًا، داعيًا إلى خلاص جماعيّ، بينما “إديث سيتويل”  في رؤيتها للإنسان المعاصر بما يرزح تحته من شرور وحرب ويأس وضغوطات، خلاصه يكون بتقدير المخلص وهو الله أو المسيح، وهنا نلمح الأثر الدّينيّ، كما أنّها تؤكّد فعل الفرد في إحداث التّغيير، بينما يؤكد السّياب الأثر الجماعيّ في ذلك.
       والسّياب عندما يصيح بالخليج، هو لا يعطي الكادحين من الشّعب منافع ماديةً كما يتوهّمون، بل العودة إلى الوطن والاتّحاد مع الأم، والخليج هو واهب الحياة، وهو الذي يجمع التّغيير والمستقبل، ويعيد المهاجرين إلى فردوسهم المفقود، حيث يمنح الاتحاد ويهطل المطر ويحصل اللّقاء مع الأم الأرض، وهذا الأمل الكبير الّذي يعلّقه الشّاعر على المطر الّذي يكرّره كلازمة فيها دعاء وصلاة بالخلاص معبرًا عن حلم جماعيّ، وعلاقة جدليّة متناقضة بين تراكيب المجتمعات الّتي تجمع القوي والضّعيف، وأمم غالبة وأخرى مغلوبة على أمرها، ولا خلاص للأخيرة إلا بالدم، والسّياب عندما يكتب أنشودته هذه يمزج بين الطّبيعة والإنسان والحياة والموت والعقم والخلاص، فهو في قوله: “كالحبّ كالأطفال كالموتى هو المطر” يرى الحُبّ هو الوجه الثاني للأم الّتي يحصل الاتحاد في رحمها، كما أنّ الموت هو العودة إلى الاتحاد ثانية، ثمّ ميلاد وبعث ونشور.
       ولعلّ أهمّ المحاور الغالبة على الأنشودتين هي: محور الماء، ففي أنشودة السّياب هو “مطر، مطر، مطر” وعند “إديث سيتويل” “ما يزال المطر يهطل”، فهو إن كان عند الأوّل هو رمز الخصب، ومبعث الحيويّة والقيامة من الموت والاستمرار في الحياة، ومؤذن بالثورة الشّعبيّة، وإن لوّن النّشيد بالحزن والغضب، فهو عند الثّانية يحمل عالمًا مظلمًا ومشوهًا بالإثم، ويرتبط هطوله بالنّار والقنابل، مبيّنة مطر الموت ومطر الطّمع ومطر العذاب، يأتي ذلك ليرتبط بمحور الازدواجيّة: فقد جاء الماء والمطر في دلالتهما في النّصف الأوّل من أنشودة المطر دلالة سلبيّة، فالماء يعني الغرق والوحشة والضّياع والوحدة والحزن والكآبة والبكاء، كقوله: “وتغرقان في ضباب من أسى شفيف”، وأمّا الدّلالة في النّصف الثاني من الأنشودة فإيجابية، فالماء هو واهب المحار والأمومة والاتحاد واهب الرّدى، أي اتّحاد ثمّ ميلاد وبعث، فيقول: “فهي ابتسامٌ في انتظار مبسم جديد”، وهنا نلمح بوادر القوّة والقدرة على تغيير الواقع المؤلم إلى غدٍ مشرق، مؤكّدًا أنّ الظّلم الّذي وقع بالقرى وجموع المهاجرين بدأ بالرّحيل، ويكون الانفصال القسريّ بين الأم وطفلها انفصالًا جماعيًا، معلنًا ضرورة التّغيير؛ ليعود هؤلاء إلى وطنهم ويحصل الاتّحاد مرّة أخرى.
       وبالمقابل فـ “إديث سيتويل” تقول: “تحت المطر الجرح والذهب هما واحد” و “ما يزال المطر يهطل عندئذ، أوّاه، سأقفز إلى إلهي الذي يشدّني إلى الأسفل”، فهي تعبّر عن خيبة أمل عميقة ويأس وحزن واضحين، ولكن إذا كان السّياب انتهى برؤيته بالأمل والقدرة على التّغيير، فـ”إديث سيتويل” ترى في الفرد هذه القدرة إذا أراد المسيح بقولها المفعم بروح إيمانية تقول: “انظر انظر “حيث دم المسيح يجري في السّماوات:
إنّه يفيض من الجهة الّتي سحرتاها على الشجرة
حتّى القلب المنازع الظامئ …”
       وأمّا محور الطّفولة والأمومة فقد بدت في إشارات السّياب في كركرة الطّفل ونشوته، وكأنّ الطّفل بات يهذي بالطّفولة، يعبّرعن حنينه إلى الفردوس المفقود، وهو الحلم بالاتّحاد مع الأم والعودة إلى رحمها، ليبعث الميلاد الجديد والخلاص، وإن خلا النّصّ من ذكر الأساطير بشكل مباشر، فقد كان السّياب في مسحته الرّومانسيّة متأثرًا بالرّوح التّموزيّة في دعوته إلى البعث والنّشور.
       ولعلّ التناقض في هذه الأنشودة في جمع النّقيضين مثل الموت والميلاد والضّياء والظّلام والجياع والشّجع والغربان والجراد والطّفولة، يضفي حركة الحياة على القصيدة بكلّ تناقضاتها وفلسفتها الجدليّة، ويدلّ على طفولة السّياب الحقيقيّة الّتي عاشها في قريته جيكور، حيث حبّه للأرض اتّحد بحبه لأمه، فهي مشاعر توحّد بين الإنسان والمكان، فالوطن هو الأم، وهذا التّناقض يوضح نفسيّة الشّاعر المضطربة والقلقة على مصير شعبه الّذي عبر عنه، وهو يرزح تحت الظّلم والجوع والمصير المهدّد بالحظر من الغربان والجراد والأفاعي.

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *