الرئيسية / خبر رئيسي / الناقد الحداثي عبدالفتاح كليطو يبوح بأسراره

الناقد الحداثي عبدالفتاح كليطو يبوح بأسراره

*حسونة المصباحي

في حوارات شيّقة وممتعة أجرتها معه باللغة الفرنسية أمينة عاشور، ونقلها إلى اللغة العربية عبدالسلام بن عبدالعالي، يبوح الناقد المغربي عبدالفتاح كليطو بأسراره، ويكشف عن مفاتيحه الفكرية والنقدية، ويتحدث عن التأثيرات الفاعلة فيه خلال سنوات التكوين الأولى، وعن الكتب التي “شكّلت رؤيته للعالم”.

كما تحدث عن الروايات والقصص القصيرة التي كتبها والتي دلت على “مهارة” في فنّ الحكي المليء بالرموز والإيحاءات على طريقة خورخي لويس بورخيس. وجميع أجوبته على الأسئلة التي طرحت عليه كانت دقيقة ومختصرة، وخالية تماما من الحشو ومن الزوائد، وعاكسة لثقافته الموسوعية العالية والنادرة لدى المثقفين العرب راهنا.

في بداية هذه الحوارات، التي صدرت عن دار “توبقال للنشر” المغربية، تزامنا مع صدور “أعماله الكاملة”، يشير عبدالفتاح كليطو إلى أنه لا يزال متأثرا بقراءات الطفولة، وهو “مطبوع بها”. كما أن وَقْعها عليه من الشدة بحيث أنه يعود إليها في الكتب التي يؤلفها، ومنها يتزود. وقد كانت طفولته عامرة بالكتب بحيث لا يشاهد إلاّ وهو ممسك بكتاب.

وفي طفولته أيضا، حفظ عبدالفتاح كليطو القرآن الكريم، طارحا على نفسه أسئلة تتصل بالوجود، وبالحياة والموت، وبالقدرة الإلهيّة. ومبكرا سكنه الإحساس بأنه سيكون كاتبا ذات يوم، فقد كانت المواضيع الإنشائية التي يحررها تلفت انتباه أساتذته، وكان يحرص على أن يكون كل موضوع إنشائي يكتبه “قطعة من الأدب”.

الافتتان بالأدب الفرنسي

في سنوات المراهقة، فتن عبدالفتاح كليطو بالأدب الفرنسي، وحدث ذلك بعد أن قرأ قصة “بول وفرجيني” التي صاغها المنفلوطي باللغة العربية. ويقول إنه أعجب بكتاب “النظرات” الذي يتطرق فيه المنفلوطي إلى قضايا سياسية واجتماعية وثقافية.

لكنه توقف عن قراءته بعد أن عرف أن الكتاب العرب مزدوجي اللغة كانوا يرون أن أسلوبه “هجين مثقل بالوعظ”. كما أنهم كانوا يعيبون عليه جهله بالحداثة الأوروبية في الأدب والفن. وفي هذه الفترة أيضا قرأ عبدالفتاح كليطو دستويفسكي، وأعجب به كثيرا حتى أنه كان أحيانا يتخيل نفسه أليكسي إيفانوفيتش، لاعب القمار في رواية “المقامر”.

كما أتقن كليطو الفرنسية، وبها بات يقرأ الأعمال الكبيرة في الآداب العالمية، لذلك خيّر دراسة الأدب الفرنسي.

وفي نهاية المرحلة الأولى من دراسته الجامعية، أعدّ رسالة حول رواية “عقدة الأفاعي” للكاتب الفرنسي فرنسوا مورياك. وقد عاب عليه المشرفون على رسالته تلك، غياب موقفه كعربي مسلم من الموقف الأوروبي المسيحي الذي طرحه فرنسوا مورياك في روايته الآنفة الذكر.

وهذه الإشارة أعادت عبدالفتاح كليطو إلى المتون العربية القديمة، عازما على دراستها برؤية جديدة، تعتمد على النظريات الحداثية التي جاء بها جيرار جينيت، وميشال فوكو، وجاك دريدا، ورولان بارت تحديدا الذي تعرف عليه في الرباط.

فقد جاء صاحب “الدرجة الصفر في الكتابة” ليلقي محاضرة بعنوان “مدخل إلى التحليل البنيوي للسرد”، وفي البداية لم يفهم الكثير من كلامه، لكن شيئا فشيئا امتلك الأدوات النقدية والمعرفية التي خولت له الدخول بيسر إلى عالمه النقدي والفكري ليكون واحدا من أتباعه المخلصين.

وبفضله تعلم أن الأدب “الخالص” لا وجود له، وأنّ “تحليل نصّ أدبي يقتضي معرفة الأبحاث الحديثة في مجالات أخرى”، ذلك أن الأدب هو “ملتقى مجموع المعارف”. وبواسطة الأدوات النقدية التي اكتسبها كليطو من خلال قراءاته لبارت، شرع في دراسة الآثار العربية الكلاسيكية التي بدت له شبيهة بـ”كنوز لا تقدر بثمن”.

تلاميذ حاذقون

لم يهتم كليطو بالأدباء العرب المعاصرين إطلاقا. فقد تبيّن له أنهم “مجرد تلاميذ حاذقين، جادين، مخلصين، ولا شيء غير ذلك”. كما أنه يرى أن الأدب العربي المعاصر “ملّ نفسه” بحسب تعبير غوته، لذلك فهو “يتهاوى ببطء”.

وعن المعري الذي خصّص له كتابا بديعا حمل عنوان “المعري أو متاهات القول”، يقول عبدالفتاح كليطو “إنّ قراءة المعري عبارة عن سير في متاهة. فلا خيط يهدينا في تقصّي أعماله المتعرجة، المليئة دروبا مغلقة، وانعراجات مفاجئة، ومسارات مضللة. لا أبواب للخروج؛ فما إن نتوهم أننا اهتدينا إلى الطريق، حتى نجد أنفسنا في طريق أخرى تسير في اتجاه معاكس، وتؤدي بنا بعيدا”.

ويرى عبدالفتاح كليطو أن الكتابة مرتبطة بالقراءة، لذا يردّ على الذين يسألونه “لماذا تكتب؟” قائلا إنه إذا ما انقطع عن الكتابة، فإنه سينقطع حتما عن القراءة. فمواصلة الكتابة هي الرغبة في التحاور مع السابقين، تماما مثلما كان يفعل بورخيس الذي كان يتخيل نفسه كلّ معلميه الكبار الذين سبقوه؛ فهو هوميروس، وهو سرفانتيس، وهو شوبنهاور، وهو فرجيل، وهو دانتي.

وعن السؤال التالي “ما هو الكتاب الذي ستحملونه معكم إلى جزيرة غير مأهولة؟” أجاب عبدالفتاح كليطو قائلا “لنقل اثنين: سيرافقني قاموسان، عربي وفرنسي، بما أن التركيب بين الكلمات لا متناه، فإنني سأتمكن ربما، في عزلة جزيرتي، أن أعيد بناء أجزاء من الأدب العربي، ومقاطع من الأدب الفرنسي، وشظايا من الأدب الأوروبي”.
___

*العرب

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *