الرئيسية / خبر رئيسي / سؤال الرواية وتعدد الأصوات في “معزوفة لرقصة حمراء”

سؤال الرواية وتعدد الأصوات في “معزوفة لرقصة حمراء”

ِرشيد أمديون*

هل يمكننا أن نتجاوز العنوان في النص الأدبي؟

قديما تجاوزه الدارسون العرب، بمبرر أنه لا يقدم شيئا ولا يتجاوز أن يكون ملفوظا لغويا لا يُقدم ولا يؤخر،  بيد أن في الدراسات الحديثة – في الغالب – يكون عتبة نصية رئيسة وخاصة عند السيميائيين…

وللعنوان وظيفة تأثيرية على المتلقي، كالإدهاش والإغراء وطرح السؤال المقلق حين تكون دلالته ظنية، أو تكون عباراته تحمل خرقا دلاليا..

ونحن أمام عنوان “معزوفة لرقصة حمراء” يتبين لنا أنه عنوان صادم منفلت، يكسر أفق توقع القارئ، ويهدم كل توقعاته وتأويلاته المستعجلة التي قد تذهب إلى فهم مختلف جدا عن مقصدية النص، كما أنه عنوان صعب القبض على دلالته الصريحة دون العودة إليه بعد قراءة النص خاصة أن علاقة العنوان بالنص علاقة تفاعلية وجدلية…

إن بناء النص الروائي يحتاج إلى حبكات فرعية تتقاطع مع الحبكة الرئيسة وتدعم الهيكل البنائي للرواية الذي يُمثل العمودَ الفقري، وهذا التداخل والتجاور والتناغم يُعطينا شكل بناء معزوفة موسيقية تتجاور فيها الإيقاعات والنغمات وتتناسب لتوافق اللّحن العام الذي يمثل الشكل الأساس للنص الموسيقي، وفي هذه الرواية يكون النص هو المعزوفة بكل تمثلاتها وسرود شخصياتها التي تغذي الحدث الرئيس، كما أن تعدداتها الصوتية تؤلف نغمات تتجاور في نفس الوقت أو ما يُصطلح عليه في عالم الموسيقى بالبوليفونية… لكن العنوان يظل مصرا على عدم استسلامه حين نكمل قراءته (لرقصة حمراء)، فنستعين بقول السارد: “ها أنت تبدأ الرقص وها هي موسيقى اليأس والضعف المقيت تسحبك إلى حلبة الرقص..”(ص 74) ، كما أعتقد أن حلبة الرقص تمثلت في مساحة داخل المثلث الأحمر : السلطة والأخلاق والحب “ولعله مثلثنا كلنا في النهاية..”(ص260) . وبهذا يظهر  أن الرقص لم يكن إلا حركة استعارية تُحيل على وجود نوع من التدافع،  ثم انتفاض على ألم وجعِ واقع بائس ومهيض تعيشه الشخوص فيما يشبه التجاذب والتصارع بين ثلاثة أقطاب متوهجة (السلطة/الأخلاق/ الحب). وليس كل رقص طربا، قد “يرقص الطير المذبوح من الألم” كما قال المتنبي.

 

“حمان” بين روايتين

بعد إصدار روايته الثانية “أحزان حمان” سنة 2012، يطلّ علينا الروائي المغربي عبد القادر الدحمني بعمل جديد. نعم، فبعد أحزان وأشجان عشناها مع بطل أرادت مخيلة الكاتب أن يكون فيه شبه من كل المقهورين المظلومين المهمشين، بل نسخة من المسحوقين المغلوب على أمرهم، اختار له المبدع اسما استوحاه من عمق ثقافة مغربية أصيلة، اسما له دلالة وحمولة لا يُخطئـُها القارئ النبيه، “حمان”، هذا الاسم الذي ستجده -أيها القارئ المحب للأدب والتراث- في الأمثال الشعبية، في الغناء والحكي الشعبي… وستجده بطلا في رواية “معزوفة لرقصة حمراء”، بكينونته المغربية التي تعيش جميع الظواهر… وبفعله وسلوكه داخل مثلث أحمر…

والرواية، أزعم أنها امتداد لـ”أحزان حمان” من ناحية اعتمادها على نفس الشخصيات وخاصة الشخصية المحورية (حمان)، أو قد نعتبرها تكملة لأحداث ارتبطت بمُنطلقات تمَّ إرساؤها في نص الرواية السابقة خاصة وأن في السياقات المتعددة يوقفنا الراوي أو السارد كي يربطنا بالسابق عبر تقنية الاسترجاع وهو استرجاع خارج الحدود النصية لهذه الرواية بمعنى أن هذه العملية تتم باستحضار لمحات من أحداث الرواية السابقة (أحزان حمان)، وهي كخلفية أساس لانطلاق أحداث جديدة، وعبر هذه المحطات -التي يحكيها السارد أو يستدعي الأحداث الغائبة والسابقة من خلالها أو تأتي ضمن مونولوج الشخصية- يعي المتلقي ما حدث لحمان من قبلُ وتبرز له المفارقات.

2رشيد

لكن، رغم هذا تختلف المعزوفة عن “أحزان حمان”:

– بتطور الشخصيات، سواء على مستوها الاجتماعي أو الفكري.. وابتكار شخصيات جديدة ساهمت في بناء الأحداث وسيرها، كالخمالي وسناء..

– بفضاءات جديدة مختلفة لها خصوصياتها ومشاكلها ومميزاتها..

– إدماجات جديدة، يتم استحضارها عبر لمحات تاريخية..

 كما تختلف عنها ببناء درامي جديد وتوزيع لغوي مختلف، وبعد رؤيوي آخر، واستراتيجية كتابية أخرى، يدل كل هذا على أن الكاتب يسير في طريق تطوير آلياته الكتابية بشكل ملحوظ، ويهيئ مسارا خصبا لمشروع روائي بأبعاد رؤيوية ورسائل قوية تثري المكتبة الأدبية المغربية.

عوالم الهامش

أولت معزوفة لرقصة حمراء اهتماما بالغا للمكان كعنصر أساس لإنزال الأحداث وخاصة فضاء الأحداث الكبرى بمدينة سوق الأربعاء الغرب، على اعتبار أنها مدينة صغيرة تقف ما بين الطابع القروي والمدني، وباعتبارها أيضا من مدن الهامش الراكنة إلى صمتها، وحيث أنه “في المدن الهامشية يتباطأ الوقت، وتجثم الساعات على الأنفاس ثقيلة، فتفضح الكثير من الأمور التي تسترها السرعة” (ص92)، كما ربط الكاتب بعض فضاءات المدينة بأهم أحداثها التاريخية كمثل الصراع الذي حدث بين حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال بحي اولاد حمّاد(ص 93). وما حدث في السبعينيات بين قبيلة اولاد خليفة وقوات أوفقير (الداخلية) من مواجهة بسبب (الأراضي) بنواحي مولاي بوسلهام، ليكون هذا الحدث التاريخي إضاءة في جذور حمان إذ أن والده المختار  (الفقيه) كان ابن هذه القبيلة وخاض بنفسه ذلك الصراع قبل أن ينتقل إلى الرباط حيث كبر أبناؤه بدوار الحاجة، واشتغل إماما بمسجد هنا وبخياطة الجلابيب.

بهذا تابع السارد النبش في تفاصيل المدينة ولمحات من تاريخها وماضيها القريب، ومشاكلها الاجتماعية والسياسية وحتى الأخلاقية.. حيث ثمت الإشارة إلى بؤرة الفساد (الدعارة/ المخدرات/ الإجرام..).

إن الرواية حريصة على تأثيث السرد بكل التفاصيل الهامشية وخصوصيات البيئة والمكان فوظفتها كنسيج فسيفسائي متجانس نعثر بينه على  ما يشير إلى ثقافة غرباوة الفنية، من حيث ولع بعضهم بالغناء الشعبي فمثلت شخصية الخمالي (خال حمان) نموذج الشخصية الغرباوية التي تنفعل مشاعرها مع الغناء الشعبي فتسيل جراحه وتهيج أوجاعه، الخمالي المولع بهذا الفن حدَّ الاستلاب يقول السارد عنه: “خالي أسكره غناء موليكة فضاعف سرعة السيارة، كفاه تتركان المقود ويصفق ضاربا فخذيه وصدره كنائح حقيقي..” (ص60).

“ارتجّ صدري على وقع التّحنان، عويل الكمنجة الذّابح وبحّة المعلّم وجراحي المفتوحة وقد وُضع فيها الملح بلا رحمة”(ص341).

فساقت الرواية أسماء معروفة محليا كـإدريس الكروة، وموليكا (مليكة)، وداني الذي يُطلق عليه المحبوب لمحبَّة الناس له والذي جاء ذكره على لسان سعيد العفطة صديق حمان: “ماذا كان سيحل بالمدينة لو تم تكريم المحبوب داني” (ص200). أولئك الذين اشتهروا بمنطقة الغرب بأغانيهم التي انتشرت بين الطبقات الشعبية أعتقد أن الرواية انتصرت لهم بعد مماتهم بعيدا عن أي اعتبارات ذوقية أخرى مخالفة، فقد أثروا في بنية الثقافة الشعبية البسيطة وفي وسطهم الاجتماعي، وعبّروا عن جراحات وأحزان الناس البسطاء، فـ”الشائع لا يجذبنا حتى يعشش في داخلنا” كما قال رالف والدو اميرسون.

ويدرك القارئ والناقد معا أن الشخصية هي من تعبر عن ذاتها وميولاتها وثقافتها في النص الأدبي، وسلطة الراوي تتراجع أمام تعبير السارد عن ذاته واختياراته الفنية والذوقية، ولا تكتمل واقعية الشخصية الروائية إلا إذا قدّمها الكاتب على أنها بنت بيئتها.

ثمَّ، لعل الإشارة إلى اسم القاص والشاعر “محمد الغربة” – والذي طاله التهميش ومات في صمت – شيء من حسرة على حال الثقافة والأدب بتلك المنطقة، وخاصة وأن السرد حين انتقل إلى سعيد العفطة – الشاب الباحث في التاريخ المعطل الذي أحب معلمة فتنكرت لحبه- قال: “ما الذي قد يؤديه الشعر من وظائف، في زمن أصبحت فيه القراءة مبتذلة والأدب يُنظر إليه كتفاهة لا تليق بزمن العلم والتقنية، أو في أحسن الأحوال، مجرد إكسسوار للزينة؟”(ص199). وحين يتحدث الكاتب عن سوق الأربعاء فإنه بلا شك يشير إلى ما يُجاورها من أماكن كمولاي بوسلهام وللا ميمونة وسيدي علال التازي وسوق الثلاثاء… فهي تعيش نفس الوضع باعتبار ها من الهامش المحسوبة على الجهة الغربية.

ومن بين الأماكن الهامشية الأخرى التي أسلمت نفسها للسياق: أسماء بعض أصحاب الأضرحة كـ”سيدي الطيب الصابوني”، و”سيدي الهاشمي البحرواي” الموجود أقصى غرب سيدي علال التازي قريبا من الطريق السيَّار، و”مولا قبتين” بجماعة المناصرة غرب القنيطرة. فكانت هذه الأسماء -وهي أماكن في حد ذاتها- تشير لمفاهيم ثقافية واعتقاديه لدى الطبقة البسيطة. والذي جاء يمثل هذا داخل الرواية هو العياشي (عون السلطة) الذي اقترح على حمان (القائد) زيارة “مولا قبتين” توسلا لعلاج صديقه سعيد العفطة، وكأنه انزياح عن الواقع وعن مواجهة الحقيقة، إذ أن مشكلة سعيد بالأساس هي شعوره بالإقصاء والتهميش والقهر، وصدّ محبوبته له حيث فضلت عليه صحفيا، فما استطاع نسيانها، ولمـّا تحالف الواقع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي مع أزمته العاطفية حدث له اضطراب نفسي وعقلي. أعتقد أنها إشارة مضمرة إلى أن معالجة الواقع لا تتم بالتوسل بالأموات ولا الاعتقاد في قدرتهم على علاج الأحياء القادرين على الانتفاض ضد القهر والتهميش بأنفسهم، ولا انتظار كرامةٍ ما تُصلح ما فسد، بل تتم بالتحدي والمقاومة والتغيير والمساهمة في التغيير، ومواجهة الحياة وحقيقتها، وليس اِلتماس سبيل بركة الأولياء في ذلة وخنوع..

هذا الاعتناء بالهامشي والمهمشين، يعطي للرواية مكانا أقرب من القارئ، فهي تقترب منه لتحصل على رضاه ليس من ناحية الأسلوب اللغوي الجميل فحسب بل من ناحية تحولها إلى صوت ينوب عن أصوات الآخرين، الذين لا تستطيع أن تسمع أنَّاتهم إلا إذا اقتربت كثيرا، وقد امتلك هذا النص الروائي مكبرة استطاعت أن تُظهر ما بين التفاصيل، نعم، فلا شك أن القارئ سيتعاطف مع مثقفٍ مهمش كسعيد العفطة الذي هو ضحية واقع عسير، نِتاج سياسات سابقة.. كما سيتعاطف مع حمان الذي وقع مصيره بين حَجرَي رحى، ومع مراد كذلك.

الرقصة الحمراء

تظهر الرواية على أنها ذات طابع مأساوي، لدرجة أنها تبدو سوداوية في بعض فصولها أو تتجه نحو ما يشبه العبثية واللاجدوى، ومن بين القرائن التي تدعم هذا، نقرأ في صفحة 173 حديث حمان: “هو وجع مدمر لا يؤدي إلا إلى رغبة كاسحة في تدمير الذات، وإتلاف كل معايير الحياة الشخصية وقيمها الخاصة، وجع يجرك إلى عبثية قاتلة وألم عميق اسمه الضياع..”. وكمثل حالة الخمالي التي انتهت بالانتحار… إلا أن الاطار العام يتجه أو يُوَجِّه القارئ -كلما توغل في القراءة- نحو انفراج مفترض، خاصة فيما قبل النهاية حيث تتضح الرؤية أكثر إذ تنتفض الشخصيات التي كانت تعيش الضياع والاغتراب، فاستطاعت أن تتخلص من المكبلات والقيود النفسية والمعنوية وتستعيد ثقتها بنفسها.

وبهذا اعتمدت المعزوفة على تشريح نفسية الشباب المغربي بشكل يعكس بنية تفكيرهم القائمة على النزوع إلى التغيير وابتغاء رؤيةِ وطن يتقبل أحلامهم ومواقفهم وطموحاتهم، مبني على أسس العدالة والانفتاح والديمقراطية وتقبل الآخر، إذ أن الشخصيات الشابة كانت تعيش في بوثقة مأزومة تتداخل فيها الظروف الاجتماعية والسياسية.. لتولد سياقات مختلفة تتحكم في مصائرها (أي الشخصيات)، ورغم اختلاف توجهاتها وإيديولوجياتها فقد كانت تتشارك في همها الأوحد الذي هو حب وطنٍ يريد أن يستردَّ أمله عبر احتضان أبنائه كي تُحلق أحلامُهم التي كانت معلقة بين برزخ مجهول..

ومن الملاحظ أن هذه الشخصيات منذ البداية تعيش ما يُشبه الفقد، افتقاد الحرية، فحمان مكبل بقيود منذ خروجه من السجن –الذي دخله ظلما- إلى أن تزوج نعيمة بنت الكولونيل الشريف عمر.. إلى أن صار قائدا، فهو يعتبر أن إخراجه من السجن وتزويجه من نعيمة ومنصبه صفقة كانت حريته وكرامته ثمنا لها، كما أنه اعترف لنفسه قائلا: “أما نعيمة، فكانت ثقلا حزينا أنوء به في صمت وخضوع، وأتساءل دوما كيف الخروج من النفق بأقل خسائر ممكنة؟”(ص136) فتظهر شخصية نعيمة رمزا لذلك القيد الذي إلتفّ  حول عنق حمان. ثم بسبب تصرفاتها وتدلُلِها وجنونها ونشوزها.. صارت حياتُه معها مستحيلة، لهذا فهي تمثل أحدَ تلك القيود التي عانى منها، مثلها مثل منصب القائد الذي شغله، والذي قيّد بدوره حريته وتفكيره، لدرجة أنه لا يستطيع أن يعبِّر عن مشاعره وعواطفه الخاصة عبر الحركات اتقاء أعين الناس، كما حدث في لقائه بشقيقه أحمد الذي لم يره من قبل دخوله السجن، ثم يأتي تعاطفه -رغم أنه رجل سلطة- مع المعتصمين، والهواجس التي تطارده –حتى  في أحلامه- خوفا من أن يصطدم بصديقه سعيد في مظاهرة ما، ويبرز هذا في مونولوج يوبخ فيه حمان نفسه يقول: “آه منك أيها الخائن ! نسيت الظلم وتناسيت مصائبه فيك وفي عائلتك، وصرت بدورك مجرد عصا في يد غيرك، يحركونها متى شاؤوا ويضربون بها البؤساء من أبناء وطنك المفقّرين المهمشين..” (ص 186). وبهذا كانت أسماء شخصية ترمز إلى التحرر الذي يتوق إليه حمان، فهي الفتاة التي استطاعت بحبها أن تجعله يفكر في التحرر من سلطة الركون إلى الذلة، وتعيد فيه حمان الإنسان، كما كان حرا، وتساعده كي ينتصر لحمان البسيط الذي عاش محنة الاغتراب وظل يرقص كطير مذبوح بين تناقضات نفسه وبين حالة الانفصام التي استولت عليه في خضم الصراع النفسي بين الحمانين إلى أن حان موعد التحول الذي ساهمت فيه عدة ظروف جعلته يُراجع جميع حساباته، يقول: “كنت أنتظر لحظة الانطلاق والتحول، لكنني لم أكن أعتقد أن تأتي عاصفةً جارفةً كهذه” (ص320). كان يرى في أسماء الحب والمستقبل الجميل.. الذي لم يستطع أن يحققه مع محبوبته الأولى (نبيلة) التي قُتلت…

زج بحمان في حلبة الرقص مع السلطة، ثم أفضى به هذا المصير في النهاية إلى نفس الدرب الذي سلكه صديقه مراد (الشخصية الغائبة الحاضرة رمز القيم الدينية والصوفية العميقة)، لكن الفرق كان يتجلى في مسألة الإرادة والاختيار، فمراد سلك طريقه بقناعة وإيمان ووعي، أما حمان فكان يسير مسلوب الإرادة وليس لديه حق الاختيار والقرار، وذلك يظهر منذ الصفقة الأولى ومنذ أول لقاء مع خاله الخمالي.. لكن المسار أفضى به في الأخير إلى التصالح مع ذاته، واستعادة ثقته بنفسه وبربه.

أما خاله الخمالي فقد أنهى حياته بنفسه في مشهد تراجيدي.. أقبل على الانتحار بعد صراع عنيف مع ذاته ونفسه باستحضار لمحات من معاناته وجراحاته، وبعد يقظة متأخرة أدرك فيها أنه عاش حياة الذل في خدمة الشريف عمر.

مريم هي بدورها تحررت من سلطة الأخضر الذي يريد أن يفرض عليها الاتجار في الأسلحة وتوريطها في عملية إرهابية ضد بلدها، فهروبها منه وعودتها إلى الرباط فيه ما يدل على كسر القيود التي تربطها بالأخضر وبماضيها الاجرامي في شبكة لتهريب الحشيش، بهذا فإن تحررها يعكس أيضا صحوة الضمير بقيامها بالتبليغ عن العملية الإرهابية التي تتربص بالوطن.

البنية الزمنية

لا شك أن الزمن في الرواية باعتباره الحاضر، أي حاضر الشخصيات، زمن تجاوره أزمنة أخرى فتجعله يعرف التواءات وتعرجات تارة بالرجوع إلى الوراء عبر تقنية الاسترجاع أو تمديده إلى الأمام كشكل من الاستباق /القفز إلى الأمام.

والاسترجاع، هو حين يعود السارد إلى الأحداث الماضية “فيسردها في لحظة لاحقة لوقوعها”، وله شكلان(1):

– استرجاع خارجي: أي خارج حدود النص، وهي ما سبق ذكره سالفا، فيما يتعلق بأحداث وقعت لحمان ولنجوى.. جاءت في النص الروائي السابق،  وكذلك أيضا ما حدث للخمالي قبل أن يظهر على مسرح الرواية وكانت الغاية من ذلك هو وضع شخصية الخمالي تحت الإضاءة وتبرير ظهوره داخل السياق الذي لعب فيه دورا مهما، ويصطلح على هذه التقنية السينمائية: الفلاش باك.

– استرجاع داخلي: وهو لا يتجاوز حدود نص المعزوفة كأن تستحضر إحدى الشخصيات ما حدث لها أو معها داخل السياق الزمني السابق في النص. ويظهر هذا مثلا في زمن التعارف والتواصل ما بين حمان وأسماء عبر الفيسبوك الذي يمثل بالنسبة لهما الحاضر، وهذا جاء بعد زمن من لقائهما أثناء ذهاب حمان مع خاله الخمالي إلى الحاجب، فالاسترجاع هنا كان يخص حادثة ما بعد اللقاء والتطورات التي جاءت بعده والتي تخص حياة أسماء.

وإلى جانب تقنية الاسترجاع بنوعيها، وظف الكاتب أيضا تقنية الاستشراف وهي تأتي حسب النص على  شكل توقعات نفسية للشخصية تتصور حدثا مقبلا، كما حدث لحمان بعد شجاره مع نعيمة –زوجته- وضربها، فكان يتوقع مصيره ومصير مستقبله الوظيفي لو أن والدها الشريف عمر علم بما حدث، وتخيل أيضا ردة فعل خاله(ص308).. رغم أن تلك التوقعات أو هذا الاستشراف بحسب “جنيت” هو خارجي أي قد لا تكون توقعات هذه الشخصية هي ما سيحدث بالضبط.

ويأخذ الحلم أيضا شكل الاستشراف داخل هذا النص، كحلم حمان الذي رأى فيه صديقه سعيد تحت ضربات عصاه في إحدى المظاهرات ظانّا أنه شخص آخر، رغم أن هذا الحلم لم يتحقق في زمن بعدي إلا أنه أثرٌ من الخوف الملازم للوعي واللاوعي عند حمان. الخوف من الاصطدام مع صديقه الذي يحبه.

أما الحلم الذي رآه حمان وهو في السجن، كان يُصور مشهدا خارج النص لحياة حمان قبل وفاة والده حين كان مع إخوته يحتفلون بالعيد، ذلك المشهد الحلمي الذي أبرز أحاسيس الثلاثة الأم/ الأخت مريم/ حمان (ص357/358)، أعتقد أن داخل هذا الحلم سنعثر على استشراف ضمني -بعد الاستقراء- يحيلنا على البعد التحرري للشخصية، أو الشعور بالتحرر من مكبلاته، فهي رؤية استشرافية رمزية لحال الشخصية: “نظرتُ إلى أمي ومريم، ثم نظرت إلى أحمد وحليمة، بمحبة عارمة، وكأنني بنظرتي تلك أستأذنهم في القيام بما أحسسته من قدرة على الطيران، وتنفيذ رغبتي في إثبات ما أستطيعه، وهكذا ارتفعت عن الأرض أمامهم وهم ينظرون إلىّ باندهاش وفرح أقرب إلى عدم التصديق، أحسست بخفة بالغة وبقدرة عجيبة على التحكم في حركاتي واتجاهي، وإمعانا في استعراض قدراتي الجديد، أخذت ألوّح لهم بيدي ثم أتكوّر في الهواء كما أشاء..” ص358

نرى أيضا نوعا آخر من الاستشراف وهو على مستوى تقديم المعطيات التي تسبق حدثا ما، تقديمها عبر وسائل مختلفة كالجرائد والمواقع الإلكترونية، مما يتم توقع حدوث تغير معين، كما يظهر ذلك في الحركة الاحتجاجية التي سميت حركة 20 فبراير(ص369) يقول السارد: “الأمر يتعلق بخيبة عامة، وبرغبة كبيرة تتنامى باضطراد سريع، بضرورة التغيير”. هذا الاستشراف يجعل الشخصية الساردة (حمان) تطرح تساؤلاتها وتوقعاتها (ص397).

بنية التعدد، وإنتاج السؤال

ونهج الروائي في المعزوفة.. نهج الرواية الحداثية على مستوى تعدد الأصوات فكل شخصية تعبر عن قناعتها ورؤيتها الخاصة ووجهات نظرها، وقد برز هذا من خلال تعدد السراد والمنظورات السردية والرؤى السردية المختلفة أو بحسب -جيرار جنيت- مستويات التبئير المتداخلة… ومُنحَ لكل شخصية حقها في التعبير عن ذاتها ونفسيتها وتناقضاتها وأزمتها وطرق تفكيرها ومواقفها اتجاه المجتمع والسياسة والسلطة والحب.. دون تدخل من الكاتب الذي أعطى لها حرية نسبية على اعتبار أن الحرية المطلقة لا تجوز لأن المؤلف هو في حد ذاته من تخيل تلك الشخوص. وعليه، حقَّ أن نعتبر المعزوفة رواية بوليفونية، قائمة على مبدأ الحوار، كما ذهب إلى ذلك باختين قائلا: “إن الرواية المتعددة الأصوات ذات طابع حواري على نطاق واسع. وبين جميع عناصر البنية الروائية، توجد دائما علاقات حوارية. أي: إن هذه العناصر جرى وضع بعضها في مواجهة البعض الآخر، مثلما يحدث عند المزج بين مختلف الألحان في عمل موسيقي. حقا إن العلاقات الحوارية هي ظاهرة أكثر انتشارا بكثير من العلاقات بين الردود الخاصة بالحوار الذي يجري التعبير عنه خلال التكوين، إنها ظاهرة شاملة تقريبا، تتخلل كل الحديث البشري وكل علاقات وظواهر الحياة الإنسانية، تتخلل تقريبا كل ماله فكرة ومعنى”(2).

لهذا فهي تجمع كل الأفكار والرؤى المختلفة والمتصارعة والمتناقضة، فهناك اليساري والإسلامي، واللامنتمي، وممثل السلطة، والصحافة، الجندي البسيط.. كل له وعيه الخاص وقناعته وأخلاقياته، وزاوية قراءته للعالم. ورغم هذا الاختلاف والتنوع  فالإطار العام يوحِّد شخصياتها الفاعلة القابلة للتغيير والمقبلة عليه (حمان/أسماء/نجوى معروف/مريم)، ويضعها أمام سؤال الأخلاق والقيم.. كما يجمعها هاجس المستقبل والآتي، ومآل أحلامها التي واجهتها صخور الواقع الصلد.

وتخللت الروايةَ أجناسٌ تعبيرية متعددة، مثل مقاطع صغيرة لأغنية شعبية، وقصاصات الصحافة وحوارات أو نقاشات عبر الإعلام واستجوابات صحفية، ونصوص من الشعر والخطبة والخواطر أو رسائل كالتي أسماها الكاتب “نصوص فيسبوكية في العشق”.. كل هذا التفاعل لهذه الأجناس الأدبية منها والإعلامية والفنية ساهم في بناء النص الروائي لمعزوفة لرقصة حمراء.

وهذه الديمقراطية الموزعة داخل النص والمتمثلة كما أشرت آنفا في تعدد السرّاد، وزوايا النظر والإيديولوجيات، والأفكار، والثقافة، والمستويات المعرفية، وتعدد الأجناس التعبيرية وتنوع الخطابات.. كأنما يطرح الكاتب من خلالها سؤالا جوهريا مضمرا بين السياق، آلا يمكن أن تكون في مجتمعنا تعددية إيجابية وحقيقية تهدف إلى فكرة واعية وهمّ مشترك يُوحد المتفرقين ويقرب المتابعدين ويبث روح التعاون بين المختلفيين؟ وكما جاء في اعتراف نجوى لنفسها: “كم كنت ساذجة دوغمائية حين كنت أنفي صفة النضال عمّن يخالفني إيديولوجيا؟ كم كنت ضيقة ومتعجرفة؟ الإيديولوجيا المغلقة –حتى لو كانت إيديولوجيا تحرُّرية- تسقي الأنانية الفردية وتركبها في اتجاه ديكتاتورية جديدة..” (ص250). ثم ألا يمكن أن يكون حب الوطن والسعي إلى الحفاظ عليه بالتوسل إلى سُبل التغيير الإيجابية دون إقصاء ولا طغيان اتجاه على آخر، ودون تحايل على المعايير الأخلاقية التي أوجدتها القيم الإنسانية.. آلا يمكن؟

                      أعتقد أننا أمام طرح عصي تتناسل منه الأسئلة لتنصهر في النهاية فيما سيسمى بسؤال الرواية.

*كاتب مغربي

  • سعيد بوعيطة – الخطاب الروائي عند عبد الرحمان منيف مقاربة نقدية لخماسية مدن الملح- مطبعة سجلماسة مكناس – الطبعة الأولى 2016

  • مخائيل باختين – شعرية دوستويفسكي- ترجمة جميل نصيف التكريتي – دار توبقال للنشر الدار البيضاء. 1986. ص:59

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *