الرئيسية / خبر رئيسي / اِرجعْ لا يزال المدّ والجزر سنّة الاحياء

اِرجعْ لا يزال المدّ والجزر سنّة الاحياء

خاص- ثقافات

*نورة عبيد

قراءة في رواية “هرب” لمحمّد الخليفي (جائزة ألفة رامبورغ العالميّة للفنّ والثّقافة 2016)  

كلّ الذين هربوا عادوا انصافا. والذين لم يهربوا خسروا نصفا.

وانت بين وليد الهمّامي وسلمى شعبان وناصر، كن ما شئت ناقلا للأحداث ام شاهدا عليها. كن فأرا أو جبلا سيّان ففي القصّ ما يقطع صلتك بالآخرين لأنك الذّات التي لم تكن صمدا. 

قسمة ضيزى ان تطلب من روائيّ شاب (22سنة) ألاّ يهرب. ربّما شاقه ازيز الطّائرّات وربّما يسبقه البحر للنّهايات.

الرّواية هي الجنس الادبيّ الذي اختاره الخليفي وبه نال الجائزة. قصّ يحتمل تعدّد الأصوات ويحتمل أكثر كشف الصّوت المكتوم في الأعماق. فلا تبحث كثيرا عن تقنّيات ما سبق وما لحق. فقط عليك ان تكون تونسيّا محتفلا بالإمكان. تتبّع العبارة تقودك للإذعان. ولأنك تونسيّ رُفِعْت في غفلة إلى عالميّة تُدار بإمكانات، تزيدهم ترفا وتزيدك عبثا.

لم يكن الخليفي إلاّ الكلّ؛ سلمى وناصر ووليد. ولم يكن المنار برباه وكلّياته ومقاهيه إلاّ سيدي بوزيد قيل البوعزيزي. هناك في سيدي بوزيد العريّ طبيعة وهنا في عالم الرّواية المنار ومنه تونس العاصمة العريّ تفكيك وتأويل.

 أنْصتْ إذن بترتيب إن كنت تروم التّحليل؛ من 04 سبتمبر 2010 إلى 14 جانفي 2011. في صندوق مفتاحه عند سلمى واهبة الحياة وغاسقة الاحتمالات تسْطيع إعادة التّدوين بما شئت من تفاصيل كنت تخاف أن تعنيك.

تقدّم لك سلمى وليد الهمّامي وناصر وصفيّة والكليّة وسكرة والمنار في أمان وهي لا تدّعي معرفة ولا كمالا. هي الدّنيا. من جسدي يبدأ العالم وبجسدي يركلني العالم.

لا تَرْكُلِ الوَلَدَ: لا تَضْرِبْهُ بِرِجْلِكَ، لاَ تَرْفَسْهُ

رفس الخليفي الكلّ بالكلّ وحتّى أنت إن هربت سيرفسك.

لا تهربْ. طلب الكفّ عن القيام بالفعل بدليل وبرهان. فإن لم تلنزم كان الهذيان. قفْ وأنصت لمرافعة أجراها المحامي المنتظر. صوتان يتناوبان في هذه المرافعة. صوت الظاهر وصوت الباطن.

مرافعة واقعيّة في رواية واقعيّة بامتياز أفلح “ربّها” في وصل الهوامل والشّوامل وتسريب الشّوارد وتعديل التّحليل. المتهمّون كثر شأن système. القضاة عرّاة والمرافع لا يبرّئ أحدا.

موضوع الرّواية إن شئت لا يُقْتَلُ ولا يَبِيدُ، يتجدّد مع كلّ جيل ويتبرعم مع كلّ ربيع ويتجاهرُ به كلّ أصيل أقام في الكلمات قبل فوات الأوان. أنفر عادة من اختزال المحنة الأولى للعربي المسلم المتخلّف في الثّالوث المحرّم؛ الدّين والسّياسة والجنس. الحدود الدّينيّة العقديّة الغيبيّة والحدود البشريّة والحدود الذّاتيّة. سلاسل القيود والقعود. مناهل الشّذوذ والبرود.

المحامي المنتظر لا يزلّ لسانه. فلا مكان لصوت الانا الأعلى إلاّ ليكافح الانا والهو بنفس القدرة على القصع. فما حكّ جلدك مثل ظفرك. المتهّمون كثر ونوّابهم اختارهم الرّاوي مثنى مثنى ولا شفع ولا وتر يعقب الفسحة التي تسبق إصدار الحكم.

اللّه المانع الجامع وإبليس الجاري الاحد، الذّكر والأنثى وكمياء الحبّ والرّغبة، الوطن والأمّ وسطوة الوليد على الوالد إذ همي ونما وسعى ورجا وشفّ الرّجوع عَوْدٌ أبديّ لا يحتمل الهروب. اِرجع طبيبا وكُفَّ أن تكون رقيبا. اِرجع إلى سيدي بوزيد عليما بليلها ونهارها بعد ان تمكّنت من خريطة طوبوغرافيّة محدثّة تدلّك إلى العربة التي بنت العربة. اِرجع إليها ولا تعتب على صفيّة حين فالت لوليد “طحّان” فذاك وليدها ولا تتساهل ان تطلق عليه نفس ما أطلقت قد تنقلب الألقاب وذاك المُنقلب في “هرب”.

 لست منفصما أنت مرفوس مذ كنت. مذ كان جدّك الاوّل العربي الحالم بالرّكوب.  وإن لم تكن راكبا لن يصدّقك المركوب. الكلّ ركب على الكلّ ناصر وبوناصر وجدّو وجدّ جدّو التّجمّعي ابن بورقيبة الاعرج بن علي عاريا في خطب مرقّعة ازدحم بها الرّاكبون وتلظّى منها الغارقون في السّديم. جرى الدّمّ وعليك ان تتثّبت فيمن هرب؟ الحبيب أم المحبّ، اللّه السّميع ام إبليس القيّوم؟ العميد الطّالب النّاشر النّادل المهندس المحامي المصلّي الزّاني البوليس الكاتب أم المكتوب عنه؟

كتابة لا تستر ولا تحجب. حمّالة للموجود آلتها الفنّ نثرا وشعرا وغناء ورقصا على عزف منشّز. قد لا تقيم في السّاعة الإلكترونيّة، تستهويك العقارب المجمّدة وبقدرة قادر تخالها تدور.. وليد وسلمى وناصر ميقات جديد الكترونيّ رقميّ “بريس لبلاد هرب الرّيس وخلّى البلاد “. في شقّة بالمنار يسدل السّتار على أغرودة احتفاليّة خاليّة من الشّبق يقودها عشق آليّ إن رضيت به لا تكابد الزّمن الجميل.

نفس الكاتب أمّارة بالاحتمال والإمكان. شتْلَةٌ جديدة في النّغمات والآهات بشتْلة جديدة في الاختلاط والإحباط.

لم يرقص الجماعة لأنّه رقص ذئاب الكلّ بالكلّ مرتاب من “حاميها إلى حراميها” فلا تكثر الحساب.

كتابة شابّة تفوح بقراءات حمّالة فنون من الفكر والقيم والتّثاقف والتّسابق لرسم صورة يليق بها “التّأريخ”.

رواية من مدوّنة الرّاهن.. لا زهور بها أو عطور أو ياسمين. تلغي الحدود لأنها الموجود. سؤال شفيف لشفيف ثقافة ودينا و أصول دون قانون و إن كانت بأمر طالب قانون.

___
*شاعرة و كاتبة تونسيّة

 

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *