الرئيسية / خبر رئيسي / أدب “الحبايب” وتطبيعه

أدب “الحبايب” وتطبيعه

*شادي لويس

“زعموا أنه قد روى لهم فجأة ودون سياق واضح، عن حلم زاره أو رؤيا حسب تعبير المحاضر الرسمية، منذ خمسة عشر عاماً وما زال يذكره، رأى فيه كأن الرسول محمد يزوره غلام أشقر، وقال النبي إن ذلك الغلام الكردي سيظهر، وينتقم من العالم أجمع، يهوداً ونصارى ومسلمين، فقط لأنهم لم يحاولوا منع الهجوم التركي على الأكراد”.

يبدو الحلم الذي يسرده محمد عبد النبي، في روايته “في غرفة العنكبوت”(*)، أكثر مقاطع الرواية خيالاً وضراوة. لكن حلم “وكالة الله، رب الجنود”، الجماعة السرية ذات الطقوس الجنسية المثلية، والدعوة لعقيدتها: “ديننا دين قوم لوط، ونبينا ومرشدنا أبو نواس”، ليست من قريحة خيال المؤلف، بل الحلم وما تعلق به من إتهامات هي في معظمها اقتباس شبه حرفي من تقرير لمنظمة هيومان رايتس واتش عن قضية “الكوين بوت” الشهيرة (2001)، والذي اعتمد على محاضر القضية الرسمية ولقاءات مع المتهمين.

باستثناء تلك الإقتباسات الموجزة عن القضية، تحاشت الرواية الإنغماس في التوثيق، مكتفية باستلهام الكوين بوت كخلفية للأحداث، لا محورها أو هدفها، أو كما ينوه عبد النبي في خاتمة الرواية: “فمع اعتماد أحداث الرواية على بعض الوقائع الحقيقية والثابتة، فهي في صياغتها النهائية ليست مبنية عى تلك الوقائع، إلا بقدر ما تشيد أحلام النوم على مفردات اليقظة”. لكن السؤال الذي  تثيره “في غرفة العنكبوت” هو كيف يمكن بناء أحلام روائية تستطيع منافسة مادتها الخام، أي مفردات اليقظة، والواقع شديد الفانتازية والعبثية؟ أي كيف لمحمد عبد النبي أن يتعامل مع كل هذا الخيال الذي أطلقت عنانه أجهزة الأمن المصرية في الواقع، وهي تربط خيوط حبكة شديدة الفانتازية عن جماعة “المثليين” السرية، وطقوسها الدينية، ومعتقداتها وممارساتها الغرائبية مع  تضمين كل هذا في أتهامات بقلب نظام الحكام وممارسة الفجور وازدراء الأديان.

تتعامل الرواية مع المخيال الجمعي عن المثلية الجنسية، و”تحبيشة” تابوهات الدين والجنس والسياسة التي تضمنتها القضية، وقريحة فانتازيا تصورات الأجهزة الرسمية عن المثليين، بعزم على تحطيم ذلك النوع من الخيال، أو على الأقل ترويضه. هكذا فإن عبد النبي، الذي يحلو له التلاعب بالإساليب السردية، والتجريب مع البنى الروائية في اعماله السابقة، يختار طوعاً، وربما عن عمد، بنية لروايته الأخيرة شديدة التقليدية والمباشرة، وسردية تعتمد على الحد الأدنى من الأدوات. وكذلك فمقارنة بلغة “رجوع الشيخ” (للكاتب نفسه)، المعقدة والبديعة، فإن لغة “غرفة العنكبوت” تبدو كما يصفها الكاتب والمترجم أحمد شافعي، في مدونته، “مجرد أداة توصيل… لغة التدوال اليومية وقد كسيت قشرة رقيقة لم تقترب بها من الفصاحة بقدر ما نأت بها عن سلاسة العامية وعذوبتها”. أما شخصية الرئيسة، وهو نفسه الراوي، “هاني محفوظ”، فيبدو في معظم الوقت، وكأنه بلا أبعاد على الأطلاق، وإن وجدت فتختزل في بُعد واحد، للسأم غير المبرر.

لكن ذلك التقشف السردي واللغوي، والاقتصاد في رسم الشخصيات وتعقيدها، والذي يصل إلى حد التنميط، مع أنه كان مخيباً للآمال للوهلة الأولى، إلا أنه كان أداة عبد النبي الرئيسة والأكثر نجاحاً في تحدي كل تلك التصورات والخيالات الغرائبية عن المثليين، عبر فرض سردية سلسة وطيعة، تبدو في النهاية حميمة في عاديتها من دون أن تفقد حسها الروائي والتخيلي. تدين الرواية في بعض سلاساتها وتلك الألفة التي تفرضها، لقدرة الكاتب على تفادي حبائل التوثيق الحقوقي للقضية، والانفعال الأخلاقي دفاعاً عن ضحاياها، أو التوظيف السياسي لأحداثها، وهي كلها أشياء ممكنة وواردة وأحيانا واجبة ومحببه أيضا. إلا أن عبد النبي، الذي صرح في حوار مع جريدة “العربي الجديد” بأن هدفه من الرواية: “ليس مناطحة السلطة والقيم الأبوية والتقاليد البالية… فرسالة الفن هي الجمال. أما القيم والأخلاق والمباديء فلها مسالكها الأخرى وتجارها وزبائنها المعروفون”، ينتهي عبر حياده القيمي والأخلاقي الواعي، بتطبيع سردية “المثلية”، بوصفها مادة “لحكاية جميلة وممتعة” كما يقول، ليست موضوعاً للصراع القيمي أو ساحة لأعلان المواقف السياسية.

ومع ما تحتمله “في غرفة العنكبوت” من إمكانية النقد على المستوى الجمالي والأخلاقي أيضاً، فإنها على الأغلب ستحتفظ في المستقبل كما الآن، باستحقاق الإشارة إلى أنها من أوائل النصوص العربية التي تعتمد المثلية كموضوعها الرئيس والأوحد. ويعكس النص تحولات واضحة في الخطاب الثقافي، سمحت للمثلية بأن تكون جديرة كموضوع حصري للعمل الروائي العربي، لا مجرد خيط من ضمن خطوط عدة لحبكتها.

يأتي اختيار “في غرفة العنكبوت” للائحة القصيرة لجائزة البوكر العربية هذا العام، لتؤكد تلك التحولات في الدوائر الأدبية العربية ومؤسساتها، وقبولها لتطبيع السردية المثلية.

لكن سواء فازت الرواية بالجائزة أما لا، فإن “في غرفة العنكبوت” التي استخدمت وصكّت لفظة “الحبايب” للإشارة إلى جماعة بطل الرواية، مستكملة رحلة  الارتحال عن ألفاظ “الشواذ” و”اللوطيين” وغيرها من الصفات ذات الأحكام الأخلاقية السلبية، إلى مصطلح “المثليين” المحايد والجاف، فتصل بنا إلى تطبيع للغة المتعلقة بموضوع المثلية، لتستحق جدارة السبق في “أدب الحبايب” وتطبيعه.

(*) صدرت عن دار العين، 2016

______
*المدن

شاهد أيضاً

طريق الحكمة، طريق السلام: كيف يفكّر “الدالاي لاما”؟ (8)

*ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي       يُعدّ الدالاي لاما إحدى أكثر الشخصيات أهمية في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *