الرئيسية / خبر رئيسي / «البطل المتكتم».. رواية تخلو من نكهات يوسا

«البطل المتكتم».. رواية تخلو من نكهات يوسا

*سلمان عز الدين

احتفى قراء ماريو فارغاس يوسا بصدور روايته الأخيرة «البطل المتكتم». وقد قيلت عبارات المديح المعتادة التي يوصف بها الكاتب البيروفي في كل مناسبة: «أستاذ تقنيات السّرد.. وطارح الأسئلة الاستثنائية.. والمتهكّم الذكي..»، ولكن استدراكاً ينطوي على حكم سلبي تكرّر في أكثر من مكان: «لا ترقى هذه الرواية إلى مستوى رواياته العظيمة التي أوصلته إلى استحقاق نوبل للأدب». وليس من الصعب معرفة المصدر الذي يأتي منه هذا الاستدراك، ففي «البطل المتكتم» لا نقف أمام الحدث الملحمي الذي صاغته رواية يوسا الأشهر «حفلة التيس»، ولا أمام المغامرة العظيمة التي كانت موضوعاً لرواية «حلم السلتي».

ولا نعثر هنا على ذلك التهكّم الذكي الذي يقارب أسئلةّ وشواغل إيديولوجية كبيرة كما في «قصة مايتا»، أو في «بنتاليون والزائرات»، ولا على المناخات الغرائبية، والطقوس الصادمة التي ظلّلت «ليتوما في جبال الأنديز».. لا مكان هنا لبطل استثنائي: فنان عبقري مثل غوغان، أو حالم بتغيير العالم مثل جدّته فلورا «رواية الفردوس على الناصية الأخرى».

الأبطال المتكتمون أناس عاديون، ليسوا مناضلين منخرطين في حرب عصابات يائسة تحت ظلال أوهام عظيمة، يحلمون بالثورة التي سوف تطهر البلاد، وتقيم ميزان الحق والعدل. بل إنهم، ببساطة، موظفون، وأصحاب شركات، ورجال أعمال عصاميون، لا يعيشون بين «الهنود» في جبال الأنديز، وإنما في العاصمة ليما، وفي مدينة بيورا.. في البيرو الحديثة حيث الرأسمالية الصاعدة، وحياة البزنس والأعمال التجارية المزدهرة، وحيث أحلام التغيير تقتصر على الشأن الاقتصادي.

ينتمي بطل يوسا الجديد إلى أبطال الشؤون اليومية العادية، والمسارات المدينية الموسومة بتواضع الأحلام، أو بعبارة أخرى: بانقشاع الأوهام الكبيرة. وهكذا تأخذ البطولة شكلاً مختلفاً، إذ تتمحور حول الخيارات الفردية والأخلاق الشخصية، من نزاهة، واستقامة في العمل، وعصامية، ومحاربة الفساد، وعدم الخضوع للابتزاز.. بطولة تعلي من أخلاق الواجب في مواجهة الآفات التي تجلبها الحداثة، والنمو الاقتصادي.
قال يوسا إثر طرح «البطل المتكتم» في مكتبات مدريد سنة 2013: «إننا نعيش في عالم يؤدي فيه الطموح عادة إلى انهيار المبادئ والقيم»، مؤكداً أن روايته تشيد «بهؤلاء الأبطال المجهولين الذين يكونون بمثابة حماة الأخلاق في المجتمع»، في مواجهة الفساد الذي هو «سرطان حقيقي للتنمية».
من هنا تأتي هذه «الخيبة الصغيرة» لدى بعض القراء ممن افتقدوا الألق والزخم اللذين وسما أعمالاً سابقة ليوسا، فصراع الورثة، وابتزاز المافيا لرجال الأعمال، وإهدار الأبناء للثروات التي بناها الآباء العصاميون، وحرق المستندات، ودهاليز المحاكم.. ليست من الأشياء التي تستهوي شرائح واسعة من القراء، ولا سيماء أولئك القراء العرب الذين أحبوا أدب أمريكا اللاتينية لما لمسوا فيه من تشابه في الواقع القاتم، وشراكة في الهموم السياسية والاجتماعية، وفي الأسئلة والشواغل المصيرية.

ربما لا يكون هذا مشكلة في الرواية، بقدر ما هو مشكلة في أفق توقع القارئ، وفي وقوعه أسيراً لمقارنة غير حصيفة. لكن يبقى من المشروع، مع ذلك، الإشارة إلى أن «البطل المتكتم» افتقدت إلى مزايا عدة في روايات يوسا، خاصة الجرعة الوفيرة من الدهشة، وغرابة الأجواء، وزوايا الرؤية الجديدة والمبتكرة.. ولكنها أشياء لا يُلحظ غيابها إلا بعد وقت من إنهاء القراءة، ذلك أن حرفية يوسا العالية، وإتقانه التشويق، ونصبه للشراك الذكية، ولعبته المفضلة في إعداد المفاجآت، تنجح في الإمساك بتلابيب القارئ، وحبس أنفاسه وإجباره على تعليق ملاحظاته إلى ما بعد النهاية.
تسير الرواية على خطين أساسيين، أولهما في مدينة ليما حيث اسماعيل كاريرا، صاحب شركة التأمين الكبيرة، يعاني حظه السيئ، إذ أنجب إلى العالم مصيبتين على هيئة ابنين، ولفرط تحلل هذين الشابين من كل الأخلاق، والأعراف الاجتماعية، فقد أسماهما أهالي ليما بالضبعين، وهذا قبل وقت من إثباتهما الاستحقاق التام لهذا الاسم، عندما ربضا في المستشفى يستعجلان وفاة والدهما كي يرثا أمواله، وشركته. ينجو كاريرا من الموت، ويخرج ليجابه طمع ولديه عبر خطة متقنة يستخدم فيها ذكاءه التجاري، وفهمه لبيئة العمل في ظل العولمة.. قصة يستعرض يوسا من خلالها أوضاع الطبقة الرأسمالية والمستجدات الاجتماعية، والآثار الجانبية للنمو الاقتصادي في البيرو.
الخط الرئيسي الآخر في مدينة بيورا، وفيه نتعرف إلى قصة صعود طبقي لافت لشاب خلاسي يتيم جاء من بيئة ريفية معدمة. لقد كدح فيليثيتو ياناكيه سنوات طويلة، وعمل في مهن شاقة حتى استطاع أن يؤسس شركة نقل ناجحة في بيورا، وما إن وصل إلى الحالة التي يستطيع فيها أن ينعم بثمار جهده حتى وقع في حبائل مؤامرة حاكتها عشيقته وابنه (المشكوك في نسبه)، وكادت تطيح كل ما أنجزه. وإذا كانت الابتزازات وأعمال التضييق على ياناكيه قد ثبت أنها لا تمت إلى المافيا بصلة، إلا أن الحكاية تلقي بالضوء على تكاثر المظاهر المافياوية والمخاطر الأمنية التي تتهدد بيئة الأعمال في البلاد.
يرفض ياناكيه الانصياع للابتزاز، ويثبت صلابة أخلاقية، وتشبثاً بالقانون، ما يجعله واحداً من «هؤلاء الأبطال المجهولين الذين يكونون بمثابة حماة الأخلاق في المجتمع».
إضافة إلى هذين الخطين هناك ضيوف من روايات سابقة ليوسا: ليتوما العائد من جبال الأنديز ليعمل شرطياً في بيورا، ودون ريغوبيرتو وزوجته الجميلة لوكريثيا، وابنه فونتشيتو القادمون من «امتداح الخالة»، و«دفاتر الدون ريغوبيرتو». لكن هؤلاء الثلاثة لا يظهرون هنا على طبيعتهم التي عهدناها في تينك الروايتين. إنهم أقل مرحاً وصخباً، لقد كانوا ضيوفاً خجولين، وحسب.

_______
*الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *