الرئيسية / إضاءات / القراءة العاشقة والكتابة

القراءة العاشقة والكتابة

*أحمد العمراوي

“إيصال الإنتاج الأدبي لا يكمن في كون هذا العمل أصبح قابلا للوصول إلى القارئ بواسطة القراءة، العمل الأدبي هو نفسه تواصل، هو حميمية في صراع بين لزوم القراءة ولزوم الكتابة”.

موريس بلانشو، أسئلة الكتابة، ترجمة نعيمة بنعبد العالي وعبد السلام بنعبد العالي،  دار توبقال، 2004، ط:1، ص: 51

ـ 1 ـ

في القراءة العاشقة خيط رابط بين القارئ وهو يقرأ ويبن الكاتب. كتابة أولى تعطي كتابة ثانية بقراءة تدخل بعشق للمكتوب. تحويل ونسخ للنص الأصلي الأول. بين القراءة والعشق مسافة ضوئية نورانية أساسها العين أولا، ثم اختلاجات العين الذاهبة بالمقروء نحو العين، وقد تكون الأذن، بموسيقى الكلام التي تخلفها العين. نقول قراءة، ولذا نقول العين. العين القارئة هي عين عاشقة للمقروء، تتلذذ بهذا المقروء المشتت على الحواس كلها. قراءة نقدية. قراءة تحليلية. قراءة/دراسة. قراءة تفاعلية. كلها صفات للقراءة الأولى. قراءة التأويل هي القراءة العاشقة.

في القراءة العاشقة سيتم الاتجاه إلى التفاعل بين القارئ والمقروء، بين النص الأول والنص الثاني. لا مجال للقراءة العاشقة بغير صفة التقبل الأول الذي يخلفه النص الأول على ذات القارئ.

فَكِّكْ خيوط القراءة بالتأويل هو مثار فعل الأمر الأول، فعل البدء : “اقرأ” الذي يعني: ادخل معي في القراءة كاتبا، وعاشقا للقراءة. سيقود فعل القراءة في هاته الحالة إلى التوريط في المكتوب. “اقرأ المكتوب “يقول الفعل الأول. اقرأ فقدرك أن تكون قارئا ممارسا للقراءة أي عاشقا لها، وبالتالي كاتبا جديدا لمكتوب سيتحول إلى مقروء.
هل عليك أن تختار ما ستقرؤه بما أن قراءتك هي كتابة جديدة لمكتوب سابق ؟
يقول الفعل الأول : اقرأ مؤوِّلا على هواك بانزياحك المرتبط بمقروئك كله. مقروء الحياة، ويومي الحياة بتفاصيل تدخل جسدك، وتشكل ما يسمى بالتجربة، ولا يهم مقدار التجربة في هذه الحالة، المهم هو أن تكون تجربة تدخل المكتوب بالحواس وما بعد الحواس. تفكيك يعوض الرمز برمز آخر أساسه التخييل.

تخيل ما ستقرأه شيئا آخر غير هذا المكتوب العيني ( من العين). كن عاشقا له مهما بلغت قوة هذا المكتوب. القراءة العاشقة مجالها الشعر والشعري. يصعب الدخول في الشعر بدون عشق. عشق الشعر هو عشق للخيال، للانهائي. افتح مجالا آخر غير المجال المتداول وأنت تقرأ، لأن قراءتك هي قراءة غير القارئ العادي. ما أنا بقارئ يقول لك العاشق وهو يتأمل هذا “المكتوب”. لن يقول لك ما أنا بعاشق، لأن العشق صفة ترتبط بموصوفها، بينما القراءة العادية قد تكون قراءة برانية تفكك تركيب الجمل ولا تدخل في الحرف نفسه. العشق في القراءة هو ابن الحرف، أي ابن الكتابة في أصلها.

ـ 2 ـ

ما العلاقة بين القراءة العاشقة والكتابة؟ إذا لم تكن الكتابة تنطلق من عشق فهل يمكن أن تأتي القراءة عاشقة؟
العشق مرض. هكذا صنفه الرازي وابن سينا وغيرهما من كبار العلماء الشعراء. العاشق يحتاج إلى طبيب يداوي جراح الداخل. يدخل العاشق في مرضه بمؤثر آخر. مرض ضروري، وإلا فلا عشق.
العشق حالة يولدها نص. والنص هو آخَرٌ يدخل الذات فيخلخلها ويجعل صاحبها “مسكونا” مهووسا بهذا النص، ولا شيء غيره إلى مرحلة ما، تسير في اللانهائي. إلا أن القارئ في القراءة العاشقة يصاب ببعض الانفراج وهو يفرج عن غمته بهذه القراءة العاشقة، ويبقى فعل الأمر الأول: “اقرأ” هو موجه الكلام في كل قراءة، وهو المفضي إلى الكتابة.
قراءة عاشقة وكتابة معشوقة. هذا هو ظاهر الكلام، إلا أن المقصود في فعل الأمر هو : “اقرأ” بمعنى “اكتب قراءتك ” وإذ كتبتها تحولت إلى نص يحتاج إلى عاشق أي إلى قارئ عاشق.

تحتاج القراءة العاشقة إذن إلى كتابة أخرى هي ما يحول صاحبها إلى عاشق، هذا تداخل ضروري يشبه تداخل المؤنث والمذكر، ويشبه حركات اليد وهي تقطر الكلام نقطا وحروفا على الورق أو ما يشبهه من أجل قارئ آخر بعيدا هناك في اللانهائي يقيم. هذا الكلام من المتخيل بالمتخيل الذي هو ابن الواقع بامتياز، بما أن الخيال هو حلم واقعي لا يتعارض مع الحداثة وما بعدها.

ـ 3 ـ

قراءة عاشقة وكتابة معشوقة، وكاتب قراءة قبل هذا، فهل هناك بدايات بما أنه لا نهاية للقراءة العاشقة الممتدة في اللانهائي؟

بداية نقطة، في ظلمة ظلمانية “تعيش”. في منطقة ما من الذات والكون وشجرته. بداية لا أحد يعرف  نقطتها الأولى بالضبط. داخل ظلمتها تتربع وتنتظر مثيرا أو مهيجا. الدخول للبداية، أو البحث عن البدايات، هو غاية من غايات القراءة العاشقة. قد تكون أصعب نقطة في القراءة العاشقة هي هذه البداية. من أين أبدأ؟ يقول القارئ، تشتت ذهني أمام مكتوب مدهش بشكل من الأشكال. الدهشة هي ما يثير القارئ ليدخل في هذا العشق، وقد تأتي البداية لو حدها. فحين يحصل العشق تأتي الكتابة العاشقة أعني القراءة العاشقة.

ـ 4 ـ

 هل يمكن أن أكتب عن نص إذا لم أحقق معه حدا أدنى من التواصل؟ تواصل بشكل ما هو ما قد يحقق لي الدخول في حرف من حروفه لتحقيق العشق.
بداية العشق تأتي من مقروء آخر. هذا ما نسميه بـ “الصوفية الجديدة”. صوفية لا تراتبية فيها، لدرجة قد تنقلب فيها الأدوار بين الشيخ والمريد، فيتحول الشيخ مريدا والمريد شيخا. أثناء القراءة العاشقة يتم ذلك. نماذج كثيرة حصلت في التاريخ : قراءة هايدجر لهولدرلين. قراءة كارلوس كاستانيدا لدون خوان ماتوس. قراءة المعري للمتنبي. قراءة لفيناس لمارتان بوبر وبول كلين. قراءة أدونيس للمتنبي، وقراءات رولان بارت للعشق والعشاق من خلال أفلاطون ونيتشه وغوتيه وجاك لاكان وأعمال المتصوفة بطريقته المتفردة .

قراءة ليس من الضروري أن يكون النص المقروء فيها معروفا. ليس من الضروري أن يكون صاحب النص كاتبا أو شاعرا معروفا. العشق هو مقياس القراءة لا النص ولا صاحب النص. سيموت النص ويموت صاحب النص، وقد يموت المتلقي كذلك. وفي هذه الحالة ما يتبقى هو العشق. العشق وحده من سيوجه القراءة. ولكن كيف تأتي مسألة البداية ؟ بداية العشق.

ـ 5 ـ

القراءة العاشقة اختيار. اختيار دقيق للمعشوق يتم انطلاقا من العشق ونوعيته، أي انطلاقا من مقروء سابق على النص. توجيه النص من طرف القارئ سيحدث  خلخلة في أجهزة التلقي. وإذن فأنت ستختار ما تعشقه أو ما ستعشقه، فكيف سيتم هذا الاختيار بعيدا عن أضواء النص، وكاتب النص، وأجهزة الإعلام التي تدفع بالنص وصاحبه لجهتي القبول التام أو الرفض التام؟

ـ اعتق هذا النص، هل نستطيع قول هذه الجملة ؟ اعتقني أيها الكاتب القارئ.

مشكلة القراءة العاشقة هي أنها كتابة توريط. توريط في الكتابة بشكل من الأشكال. أتلقى النص. تحدث لي خلخلة  توجهني جهة جديدة غير مألوفة، فأوجه أنا قراءتي نحو كتابة غير مألوفة في دنيا الناس أيضا. تأويل، انزياح، معنى معنى، لا معنى عاديا.

ـ 6 ـ

ما هو محل القراءة العاشقة ؟ إذا كان محل العشق هو القلب، والقلب هو عضو الرغبة “ينفتح القلب ويخون ، ومثلما هو ممسوك ومفتون في  حقل المخيلة  أمام العالم وما سيفعل الآخر برغبتي” هو ذلك الخلق الذي تتجمع فيه سائر حركات القلب و”مشاكل” القلب جميعها “. هذا ما عبر عنه رولان بارت، وهو قارئ متجانس في رأينا سواء بالبنيوية أو بدونها.

جملة أو كلمة قد تثيرني وأنا في مواجهة ورقة أو مرآة، أليست الو رقة كما الكتابة شكل من أشكال المرآة؟ أستجمع فراغي. أمارس المحو على كتابتي وأنا أقرأ بعشق. أضيف، أحول الاتجاه وأشطح مع الآخرين بالقلب، فهل للقراءة العاشقة أدوات ؟
الأذن ؟ هذا ما يتبادر للذهن. ولكن العين حاضرة بقوة، ومعها يتسلح القارئ بأدوات أخرى أهمها الذاكرة التي ترتبط بالقلب برباط وثيق هو ما يولّد العشق.

أهم أدوات القراءة العاشقة هي كل المناهج النقدية وكل الاتجاهات الفكرية معصرة في قلب القارئ العاشق وفكره، ليعيد للنص بهجته ولألأته ورقرقته وحتى قبحه. قراءة بقراءات أخرى كانت، هي ما سيضيء النص ويضفي عليه طعم اللذة والتوريط في اللذة. الرغبة في القراءة هي ما يوصل إلى الرغبة في الكتابة. كتابة على كتابة. نص على نص انطلاقا من نصوص غائبة حاضرة.
لا كتابة بلا مقروء سابق ولكن الأساسي هنا هو الرغبة في محاورة النص وكاتبه بالنص نفسه وبهوامشه.

ـ 7 ـ

هل من الضروري أن أكون في حالة عشق وتواصل عشق تام لكي أمارس عشقي مكتوبا على النص أو كاتبه ؟ ليس ضروريا، لا بد من بعض التباعد لأن الدخول للنص هو دخول ذاتي اختياري ينشأ عن رغبة، ولا قراءة ولا كتابة بلا رغبة، والرغبة هي العشق هنا.

تم الاهتمام بصاحب النص سابقا في المناهج القديمة، ثم تم التركيز على النص، ثم على متلقي النص فهل سيتم الاهتمام بالحالة ؟ أعني الحالة التي يوجد عليها القارئ وهو يواجه نصا ما دون إغفال صاحب النص ولا النص نفسه. حالة العشق هي الدافع الأول للكتابة وهي المحرك والمنتج والمتمم، ولنتذكر رولان بارت وجاك لاكان وابن عربي.

العاشق لا يهمه الآخر  بقدر ما يهمه ذاته. ذاته هي الأساس. لم يبال جميل بموقف بثينة منه. ولم يبال قيس بموقف ليلى ولا بأهل ليلى ولا بمجتمع ليلى، بحيث لو أنه نال ما طلبه لما كان عاشقا حقيقيا ولانتهى في مرحلته ولم يبق خالدا للتاريخ , ولذا فالقراءة العاشقة هي قراءة تجربة ذاتية تضفي على المعشوق بعدا ينطلق من تجربة خاصة جديدة لم يقلها النص الأول، ولا يستطيع كائن آخر غير كاتب القراءة العاشقة أن يقول ما قاله.
______
*ضفة ثالثة.

شاهد أيضاً

الوكالة الأدبية

*أمير تاج السر من الأسئلة التي أطرحها على نفسي دائما ولا أستطيع أن أجد لها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *