الرئيسية / خبر رئيسي / ألهاكم التكاثر…محاولة للفهم غير المتكاثر؟

ألهاكم التكاثر…محاولة للفهم غير المتكاثر؟

*حسن بن عثمان

 

حين نطرح الأسئلة الصحيحة نعثر على نصف الإجابة ويبقى نصفها الآخر عند أهل القرار في البلاد الذين يرتاحون لمثل هذا الوضع الملتبس حيث الدولة تتدخل في كل شيء من تعيين المبدعين إلى تعيين الثائرين والثوّار وشهداء الثورة، إلى تعيين العاطلين عن العمل من أصحاب الشهائد إلى تعيين الأئمة في المنابر إلى تعيين القراء في المقابر، دولة استبداد منتخبة

المواجهة الأخيرة بين جهة دينية وجهة مسرحية في تونس لا علاقة لها لا بالدين ولا بالفن ولا بالمسرح ولا بالقضاء والقدر ولا بفقه اللغة والاقتباس والتضمين والإحالة والتلميح وغير ذلك من أساليب البلاغة، ولكنها مواجهة سياسية مقنّعة، أولا وأخيرا، تكشف ما آلت إليه البلاد من حالة فوضى وضبابية وتخبط وانفلات ولا مسؤولية متكاثرة، وسنحاول في ما يلي رسم صورة لما حدث تضع المواجهة المتكاثرة في نصابها غير المتكاثر، ما أمكن.

سبق للمسرح الوطني أن أنتج عديد المسرحيات التي لها عناوين مثل عنوان «ألهاكم التكاثر» ومسرحية «عبس وتولّى» و مسرحية و«اعتصموا» ورواية «حدّث..» ولم يسبب ذلك أية ردود فعل من أية جهة دينية أو ثقافية أو سياسية أو أجنبية، فما الذي حدث حتّى يتدخّل طرف ديني في عنوان المعلقة الإشهارية لعمل كوريغرافي ويعتبر أن عنوان «ألهاكم التكاثر» تدنيس للقرآن الكريم واعتداء على المقدس؟ وما الذي جعل تدخله التهديدي عن طريق محضر تنبيه يمهل المسرح الوطني أربعا وعشرين ساعة لتنفيذ المطلوب و«من أنذر فقد أعذر»، حسب خاتمة التنبيه، ما الذي جعل ذلك يَلقى استجابة شبه فورية للإنذار، ورضوخا من قبل المسرح الوطني ووزارة الثقافة، بعدما أعلن المكلف بالإعلام في مؤسسة المسرح الوطني أن الجهة المسرحية لن تستجيب ولن ترضخ لما طُلب منها من تغيير العنوان، من طرف عدل منفذ مرسل من «المجلس النقابي الوطني للأئمة وإطارات المساجد» يوم الخميس 16 فيفري من سنة 2017؟

عوض تغيير عنوان «ألهاكم التكاثر» فقد التجأ صاحب العرض الفرجوي نجيب خلف الله، بعد يومين من الإنذار، إلى حجب العنوان الأصلي مع الإبقاء على العنوان الفرنسي: «Fausse couche» أي حمل كاذب، وذلك بعد مفاوضات مع الجهات الرسمية والخروج بذلك الحلّ المناور الحاجب لطبيعة الضغوط والحسابات السياسية، في انتظار حكم القضاء. ثم أصدر المسرحي الفاضل الجعايبي مدير المسرح الوطني بيانا رسميا، شبه استنفاري، في الغرض.

تبرأ الإمام فاضل عاشور كاتب عام نقابة الأئمة من تدخل نقابته في المسرح والفنون والإبداع ونسب الأمر إلى مجموعة من الأئمة المعزولين عن الإمامة مثل الشيخ الشاب رضا الجوادي، من الذين يتخذون الفن مدخلا لإحداث الفتنة.

من المعلوم أن رضا الجوادي كان الإمام الخطيب لجامع اللخمي بمدينة صفاقس طيلة زمن بداية الثورة ولجان حمايتها، وهو إمام شاب/ كهل يحظى بالاحترام والتقدير والمصداقية من قبل المصلين في جهته، ولعلّه اغترّ بتلك المنزلة فدخل في صراع مع وزير الشؤون الدينية في أواخر سنة 2015 مفتي الديار التونسية السيّد عثمان بطيخ، وانتهى الأمر بتعويض ذلك الوزير وتعيين السيد محمد خليل ثم تعيين السيد عبد الجليل بن سالم ثم تعيين السيد غازي الجريبي وزير العدل وزيرا بالإنابة لوزارة الشؤون الدينية، وذلك بعد عزل إمام جامع اللخمي رضا الجوادي وحرمانه من مباشرة الإمامة بصورة رسمية، هو جدير بها، لما يتمتّع به من قبول المصلين لخطابه الديني وتصديقه، وحقّهم في إمام يطمئنون إلى إيمانه يرشدهم ويوثّق إيمانهم بالله وكيف يأمر الله عباده بالعيش المشترك في كنف الشريعة السمحاء والالتزام بالقوانين الجاري بها العمل، ويتداول معهم في شؤون الدين والدنيا بصورة سلمية إسلامية لا تقهر ولا تكره الآخرين على إيمان لا يرتضيه القلب، ويندّد بقلوب قاسية الطباع وعلى طباع كثيرة الأطماع، حيث لا شعائر دون ذكر ولا ترانيم ولا أشعار، إلخ…

ثقافة رضا الجوادي الدينية ونوعية خطابه الإسلامي لا يختلفان عن نوعية الخطاب الديني الرسمي السائد في شيء، من حيث سلفية المدرسة التونسية والمدوّنة السنيّة المالكية الزيتونية والمحافظة على السائد الديني. ربّما يتمتّع الجوادي بحضور منبري وأداء في التبليغ واعتداد بالنفس، زائدا قليلا عن اللزوم، ولكنه ليس من الغلاة ولا من المتطرفين ولا من الدواعش، رغم ميله أحيانا لاستعراض النفوذ والتعويل على الكثرة وعلى المتعاطفين معه لخوض صراعاته مع خصومه الذين يقهرونه في مواهبه الدينية ومنزلة الإمامة المسجدية، التي مارسها بكفاءة، حسب كثرة مريديه وأنصاره. وفي المعارك كل الأسلحة مستباحة لخوض الصراع وإنهاك الخصوم، بما في ذلك التربّص بلغة الخصم حتّى وإن كانت في فنون القول وأشباح المسرح والسينما، خصوصا أن الفنون والإبداعات هي المنطقة الرخوة التي يستسهل فيها الخصوم تصفية حسابات لا علاقة لها بالفنون ولا بالثقافة حيث السياسة تمارس أفعالها الخطيرة وهي مقنّعة بقناع التقوى والدفاع عن المقدسات لصرف الأنظار عن المدنسات والبلاد التي تعاني.

كأنّ شعار رضا الجوادي في مثل هذه المسرحية التي تتم على ضواحي المسرح: «أنتم تتدخلون في ما لا يعنيكم من أمر المساجد المقدسة غير المتكاثرة، رغم أن عديدها ستة آلاف مسجد وإمام بصورة رسمية غالبة، ونحن نتدخّل في ما يعنينا من أدوار المسرح المدنسة المتكاثرة، والحرب بيننا سجال»… كأن ذلك كذلك، في مواجهة مفتوحة بين الدين والفن بسبب سوء إدارة الشأن العام في البلاد من قبل السياسيين والمشرّعين، وليس بسبب عداوة تاريخية بين الدين والفن اللذين ينهلان من النبع الروحي ذاته وتختلف طقوسهما وصلاتهما ولغة الإشارة والربّانيات، ولا يختلف عندهما توحيد المتعالي والفناء في حبّه، والسجود في القيام والقعود لإله المعاني بتوجيهات مخرج أو إمام.

المسرح يدخله الناس بمقابل مالي طوع اختيارهم وأذواقهم وثقتهم في العمل، أما المسجد فيدخله الناس مجانا بدافع الضمير والإيمان والعبادة وثقتهم في الإمام، وفي الحالتين فإن الاختيار هو جوهر الممارسة، ومن حق المصلين اختيار إمامهم وفق مدوّنة سلوك تراعي مصلحة البلاد دون أن تفرضه عليهم وزارة الشؤون الدينية والإكليروس، تقيّدا بالقانون المتفق عليه من قبل ممثلي الشعب، المنتخبين من الشعب، حسبما نحن فيه من انتخاب متكاثر، يحمي الجميع من تغوّل المتغوّلين وتخريب المخرّبين الدينيين أو الدنيويين المتكاثرين.

ذلك عن رضا الجوادي ومواهبه الدينية السلمية المقموعة، أمّا عن الفاضل الجعايبي، مع حفظ المقامات والصفات والخبرة الطويلة في المجال بينه وبين رضا الجوادي، فإن مواهب الجعايبي المسرحية الكبيرة «فتّقها» في العديد من الأعمال العلامات في المسرح التونسي، وكان صاحبها عنوانا بارزا من عناوين التمرّد والانشقاق على السلطة الثقافية السائدة من خلال سلطة خطابه المسرحي المضاد، الذي كان ولازال لا يهادن ما استقرّ من ممارسة مسرحية وجمالية سائدة تتملّق الذوق السائد والأخلاق السائدة المتكاثرة في السيادة…

بعد الثورة وقع تعيين المسرحي الفاضل الجعايبي مديرا عاما لمؤسسة المسرح الوطني الرسمية، انتقل بذلك المخرج الثائر من السلطة المنشقة إلى السلطة الحاكمة في زمن الثورة ليواصل ممارسة مقترحاته الجمالية الثائرة ذلك وضع لم يتأقلم بعدُ معه بعض المثقفين التقدميين الذين لا يثقون في السلطة ولا في مناصبها، كما أن من تعوّد على مناصب السلطة من المثقفين والصحفيين لا يثقون في شخص مثل الفاضل الجعايبي الذي تربّى خارج مناصب السلطة وغذّى مشروعه المشاغب على تقويض استقرار نماذج السلطة المسرحية المعهودة والسائدة.

مسرحي ثائر من طراز الفاضل الجعايبي على رأس المسرح الوطني لا في مسرحه الخاص، على حسابه الخاص، مسألة صعبة الهضم لدى الكثيرين، ويبدو أن الفاضل الجعايبي يدرك ذلك ويدرك أن مهمته محفوفة بسوء الفهم وسوء الضرب تحت الحزام متكاثر، من قبل أنصاره السابقين ورفاق دربه وخصومه في الميدان يتكاثرون، لذلك جاء بيانه إثر حادثة «ألهاكم التكاثر» طافح بالتذمّر والعتاب والكبرياء واستنفار الضمائر لعلّه يبعد عدوان التطرّف الديني على الممارسة الثقافية ويفكّ الطوق الخطير من حول عنق المسرح الوطني الذي هو محلّ أطماع الكثير من أهل الساحة الثقافية من الذين يسعون إلى إزاحة الفاضل الجعايبي والحلول محلّه، في سياق التنافس على المناصب في عهد الفوضى غير الخلاّقة، كما أن أعداء المسرح التونسي من العرب متكاثرون تكاثرا يضاهي انتشار اقتراحات ذلك المسرح في المسارح الشقيقة المتكاثرة.

حين نطرح الأسئلة الصحيحة نعثر على نصف الإجابة ويبقى نصفها الآخر عند أهل القرار في البلاد الذين يرتاحون لمثل هذا الوضع الملتبس حيث الدولة تتدخل في كل شيء من تعيين المبدعين إلى تعيين الثائرين والثوّار وشهداء الثورة، إلى تعيين العاطلين عن العمل من أصحاب الشهائد إلى تعيين الأئمة في المنابر إلى تعيين القراء في المقابر، دولة استبداد منتخبة «من الحبّة تبني قبّة» من فرط الفراغ المهول في إعلامها المتكاثر الفارغ، وتحتار في فصل الدعوي عن السياسي وفي فصل الدين عن الدولة وفي فصل الفساد عن الأسياد وفي فصل التمثيل البرلماني عن التمثيل المسرحي في فوضى عارمة، ووزارة الشؤون الدينية بلا وزير دون غيرها من الوزارات المتكاثرات ويزددن تكاثرا، وهي وزارة لشؤون دين بن علي زين العابدين، بعثها عهد السابع من نوفمبر لتصفية حساباته مع الإسلام السياسي في سنة 1992، وكانت في أصلها إدارة، أو مصلحة، للشعائر، أو للشؤون الدينية، ملحقة برئاسة الحكومة طيلة دولة الاستقلال.

…لا أدري لماذا لا يقع طرح أفكار ثورية أو شبه ثورية في مثل هذه الثورة المتكاثرة في غباء متكاثر حيث لا عجلة فيها تدور من مثل عودة مصلحة الشعائر الدينية لوزارة الثقافة، لأن الثقافة فيها الدين متكاثر وفيها الفن وفيها الإتباع وفيها الإبداع غير المتكاثر وفيها شؤون وشجون وتلهية تقلّ وتكثر، خصوصا أن وزارة الشؤون الدينية الحالية في مهب رياح المزايدات السياسية ويشرف عليها وزير بالإنابة «تسلفته» من وزارة العدل، نظرا لأن وزارة العدل لها فائض في وقت وزيرها لقلّة العمل غير المتكاثر في القضاء التونسي الراهن.

بلاد عاطلة عن العمل والتفكير والتدبير تتفرّج في/ على مهازلها الهزيلة وعبثية المسرح السياسي في قتل الوقت المتكاثر. «في/ على» مقصودة بما يليق بالمهازل.

(يمكن الاطلاع على بيان الفاضل الجعايبي وتصريحات رضا الجوادي على النات لمزيد التكاثر).

«ألهاني التكاثر» ولم أتحدث عن مسرحية «المجنون» لمسرح التياترو التي شاهدتها مساء الخميس المنقضي في عرضها الواحد بعد الألفين، وخجلت من جهلي حين سألت صاحبها توفيق الجبالي عن وقت إنتاجها، فأعلمني أنه يعود إلى «خمسطاش عام وشويّة» من العهد الماضي، مع أنها تبدو سابقة لوقتها وكأنها تنتسب لهذا الوقت أو ما يتعالى عليه، دون ضوضاء ولا غلواء. مسرحية صالحة للتصدير العالمي فهي مقتبسة من النبي لجبران خليل جبران، وتليق بعرض يشهده القناصل والديبلوماسيون والمخابرات المقيمة في تونس، لمعرفة ما عليه حالة البلاد الجمالية والروحية والمعنوية، متفوقة الأداء الركحي.

___
*الصحافة اليوم

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *