الرئيسية / إضاءات / فوزي سعد الله :الكثير من القادرين على العطاء لا يحبون الاجتهاد بدون تمويل حكومي
فوزي سعدالله

فوزي سعد الله :الكثير من القادرين على العطاء لا يحبون الاجتهاد بدون تمويل حكومي

* حاورته/ نــوّارة لحــرش

 

في هذا الحوار، يتحدث الكاتب والباحث فوزي سعد الله عن كتابه الجديد “الشتات الأندلسي في الجزائر والعالم”، الذي تناول فيه ما بعد سقوط غرناطة آخر معاقل المسلمين في الأندلس سنة 1492م. كما يتحدث عن دوافعه في تناول هذه الفترة الحساسة. سعد الله يسرد في معرض حديثه أيضا كيف اقتفى آثار الأندلسيين، وكيف وجدهم، وكيف وجد أحوالهم ونظرتهم إلى تاريخهم وارثهم المفقود.

للكاتب والباحث فوزي سعد الله، مجموعة من الكتب، منها: “يهود الجزائر، هؤلاء المجهولون”، “يهود الجزائر،، موعد مع الرحيل”، “يهود الجزائر،، مجالس الغناء والطرب”، “صفحات مجهولة من تاريخ الغناء الأندلسي”.

 

  كم نحن أندلسيون في الجزائر ثقافة وعادات وديمغرافية

 

في كتابك الجديد “الشتات الأندلسي في الجزائر والعالمتناولت ما بعد سقوط غرناطة آخر معاقل المسلمين في الأندلس سنة 1492م. ما الذي دفعك إلى تناول هذه الفترة الحساسة؟، وهل الدافع الأكبر هو شغف البحث أو شغف الحنين إلى الفردوس المفقود؟

فوزي سعد الله: لأن العادة جرت أن نتعرض للأندلس منذ فتحها عام 711م إلى سقوطها عام 1492م. ثم نصمت عما جرى بعدها حتى ضاعت آثار معاناة أبناء وأحفاد أهل الأندلس تحت الحُكم المسيحي الكاثوليكي ابتداء من يناير 1492م إلى غاية القرن 20م. وأنا أردتُ أن أنفض الغبار عن هذه المعاناة وهذه الحقبة من تاريخنا المشترَك مع إسبانيا الكاثوليكية المهووسة حينذاك بـ:”النقاء” العرقي والديني.

وفاة الجنرال الدكتاتور فرانكو في منتصف السبعينيات الماضية وتبني الديمقراطية في إسبانيا كشفتْ المكبوت، وظهرت عائلات كثيرة هناك كانت تُخفي على مدى أجيال انتماءها الإسلامي القديم الذي ما بقي منه سوى عادات وتقاليد فلكلورية لم يعد أحفاد الأندلسيين المعاصرين يفهمون كُنْهَهَا. وليس صدفة إن كان العديد منهم قد عاد إلى الإسلام منذ بداية ثمانينيات القرن 20م وحتى قبل هذا التاريخ بقليل، مثل عائلة الفنان الموسيقي عبد الصمد رُومان رُومِيرُو (Roman Romero)، ومن بين أفراد أسرته المعروفين ابنتُه الباحثة في جامعة غرناطة والمتعاونة مع جامعات مصرية وخليجية أدِيبة روميرو التي تتحدث اليوم اللغة العربية بطلاقة مثيرةً للإعجاب وتعتز بجذورها الأندلسية الإسلامية وبأصول أجدادها الشَّامية.

لم يكن الدافع إلى البحث في هذا الموضوع حنينا أو شوقا، وإن كانت الأندلس عزيزة علينا جميعا، بل عزيزة اليوم حتى على الإسبان المسيحيين أنفسهم الذين يقومون منذ أكثر من 30 عاما بإنجاز مصالحة تاريخية جريئة وشجاعة مع ماضيهم الإسلامي. الدافع الفعلي هو حُبّ المعرفة أولاً، وحُب البحث في ما لم يُبحَث فيه، ثانيًا، من أجل فتح آفاق معرفية جديدة لنفسي ولمَن يقرأ كتابي. وقد جئت إلى هذا الموضوع تدريجيا وبالصدفة عن طريق البحث منذ بداية تسعينيات القرن الماضي في الموسيقى الأندلسية في الجزائر وتاريخ الطائفة اليهودية الجزائرية، وقصبة الجزائر التي كبرتُ مع قصصها وتاريخها منذ الطفولة بقراءاتي للشيخ عبد الرحمن الجيلالي والمحاضِر الجامعي عبد القادر حليمي.

الكتاب الجديد، استعرض معاناة الأندلسيين المُهَجَّرين قسرا من بلاد الأندلس إلى بلدان أخرى. هل يمكن أن توضح للقارئ كيف كانت معاناة الأندلسيين المهجّرين، وكيف تم التعبير عنها؟

 

فوزي سعد الله: بَدَأتْ هذه المعاناة تدريجيا بعد أقل من 10 سنوات من توقيع معاهدة تسليم غرناطة للملكة إيزابيلا وزوجها فِرْنَانْدُو مقابل احترام أهلها المسلمين ومعتقداتهم وعاداتهم وأعرافهم وحرياتهم وممتلكاتهم. بَدَأَتْ تقريبا مثلما نرى اليوم في بلدان غربية بمنع أزياء مُعيَّنة بذريعة أنّها “إسلامية” أو “أصولية” ثم منع عادات معيَّنة، كالخِتان والأعراس على الطريقة العربية/الإسلامية والغناء العربي/الأندلسي والزُّرْنة أو الغَيْطة ومنع الذهاب إلى الحَمَّام، وبعدها منع كلّ الأزياء غير الإسبانية المحسوبة على الثقافة الإسلامية وحظْر الحديث والكتابة والمؤلفات باللغة العربية، وقد أُحْرِقَتْ عشرات آلاف الكُتب العربية أو مئات الآلاف حسب مصادر عديدة في باب الرَّمْلَة (La Rambla) في غرناطة، وتَمّ منع حيازة المصاحف ومنع الصلاة والصوم والإجبار على أكل لحم الخنزير وشرب المشروبات الكحولية على قارعة الطريق من طرف مفتشي محاكم التفتيش…إلخ، والويل لِمن يُخالف الأوامر الرسمية وتعليمات رُهبان وقساوسة مَحاكم التفتيش، إذ قد تصل العقوبات إلى التعذيب والتجديف في السفن الإسبانية مدى الحياة والاستعباد ببيع المُدان في سوق النّخاسة والنفي والسجن وحتى إلى الإعدام حرقًا في الساحات العامة…إلخ.

وَقَعَتْ مآسي للمسلمين، وضاعت آلاف العائلات حينها، وخُرِّبت قرى وبلدات، واندثرت العديد من التجمعات السكنية المنحدرة من أصل إسلامي، وضاعت عادات وتراكمات معرفية وثقافة استغرق إنتاجها جهودا بشرية إسلامية على مدى قرون خلال تلك الفترة العصيبة التي حاول فيها أهل الأندلس وأبناؤهم وأحفادهم إدارة الأزمة والتحايل قدر الإمكان للاحتفاظ بما يمكن الاحتفاظ به من تراثهم، رغم القيود القاسية بل الشرسة والهمجية باعتراف الباحثين الإسبان اليوم المتخصصين في علم المُورِيسْكُولُوجْيَا والأندلسِيات.

وآلتْ المعاناة والقمع الرسمي والكنَسي إلى تمردات وثورات مسلَّحة عديدة في كامل تراب مملكة غرناطة الإسلامية سابقًا، قام بها أحفاد وأبناء الأندلسيين الذين أصبحوا يُسمون ابتداء من سنتيْ 1500م/1501م من طرف الإسبان احتقارًا لهم: “الموريسكيون”.

غير أنّ كلّ محاولات التخلص من الاضطهاد واسترجاع الحرية باءت بالفشل. وقُمع مسلمو إسبانيا حينها قمعا شديدا وقُتِلوا فرديا وجماعيا واضطُهدوا بشكل ما زال يصدُم الباحثين إلى اليوم رغم ما عاشوه وما عشناه من همجية خلال حروب القرن 20م وبدايات القرن21م. وانتهى النظام الإمبراطوري الإسباني في عهد فليبي الثالث بعد نحو 120 عاما من التنكيل والاضطهاد المتواصل إلى “الحل النهائي” بطردٍ جماعيٍ لبقايا مسلمي الأندلس بين سنة 1609م وسنة 1614م في تطهير عرقي طال مئات آلاف المسلمين ما زالت ملابساته مجهولة اليوم لدى الرأي العام الإسلامي ولدى الرأي العام العالمي بشكل عام. وهكذا، انتهى المطاف بالجزء الأكبر من بقايا مسلمي الأندلس/إسبانيا بالاستقرار في منطقة المغرب العربي، لاسيما في الجزائر والمغرب وتونس، وبصفة أقل في ليبيا وموريتانيا والصحراء الغربية ومالي والنيجر حتى غانا والسينغال…

بعد انجازك لهذا الكتاب البحثي المهم، ما هي أهم الأسئلة التي خرجت بها أو التي أوجعتك كباحث ومنقب في التاريخ الإسلامي وفي صفحاته ومكنونات ومكونات حضارته؟

فوزي سعد الله: بعد اكتشافي كم نحن أندلسيون في الجزائر ثقافةً وعادات وديمغرافيةً، لاسيما منذ بدء تدفق اللاجئين من “الفردوس المفقود” على البلاد، استغربتُ كيف يكون كلّ هذا قد حدث لنا في الجزائر ونحن اليوم لا نعلم منه شيئًا تقريبا. استغربتُ كلّ هذا الجهل واللاوعي بالذاكرة الذي يجعلنا نتحدث اليوم عن الأندلس وأهلها وكأنّهم “الآخر” وليس نحن، وكأنّهم خرافة وليسوا حقيقة تاريخية، وكأنّهم اندثروا وبادوا مثلما حدث لأقوام في العصور القديمة كعاد وثمود ولوط وغيرهم. بينما الأندلسيون، حسبما تعلمتُه من بحوثي، هم في الحقيقة نحن أيضا في الجزائر وآخرون في بقية البلدان المغاربية والإفريقية الساحلية والعربية المشرقية والخليجية وحتى في تركيا وفرنسا وإيطاليا وقبرص وكْريت والبوسنة والهرسك، فضلا عن الذين بقوا في إسبانيا والبرتغال وما زالت ذريتهم موجودة هناك إلى اليوم، وأحيانا بألقاب عربية واضحة لا لبس حولها.

وأكرر ما قلتُه في السابق لوسائل إعلام جزائرية وأجنبية: إن ملايين الجزائريين في مختلف جهات البلاد، مهما بدتْ اليوم أعراقهم وانتماءاتهم القبلية أو الجهوية متباينة، ينحدرون من أجداد أندلسيين، والكثير منهم لا يعلم بذلك.

غلاف

تناول الكِتاب في الجزء الأكبر منه اللاجئين والمهاجرين الذين دخلوا الجزائر بإرادتهم، وأغلبهم يجهلون أن أصولَهم أندلسية. كيف هي ردة فعل الذين عرفوا في ما بعد أن أصولهم أندلسية؟

فوزي سعد الله: المفاجأة كانت كبيرة لديهم. وبشكل عام، اعتزوا بهذا الاكتشاف وتغيَّرتْ نظرتهم لأنفسهم ولجذورهم بل إلى الجزائر برمتها، ولم يعودوا يصدقون الإزدواجيات الإيديولوجية المُفبْرَكة الكاذبة الصِّدامية والمُتخلِّفة كالإزدواجية الرائجة حاليا: “عربي/أمازيغي” الموظَّفة في إطار صراعات النفوذ والصراع على السلطة، بما في ذلك داخل مختلف أجهزة النظام. المجتمع الجزائري أكثر ثراء ديمغرافيا وعرقيا وثقافيا مما يقوله هؤلاء، وألقاب العائلات الجزائرية تنضح بذلك، اللهم إلا إذا أردنا عدم رؤيتها عمدًا. لديَّ أصدقاء، توصلتُ بالصدفة إلى اكتشاف أن أصولهم أندلسية. عندما أبلغتهم بذلك، وجدوا صعوبة في تصديقي، لكنّني نجحتُ على الأقل في تحفيزهم على البحث والاستقصاء في وسطهم العائلي، وتمكنوا تدريجيا من التأكُّد أن ما قلتُه لهم لم يكن أوهاما ولا خيالا. وتصلني اليوم عشرات، بل مئات، الرسائل على صفحتي في “فيسبوك” يَطلُب مني أصحابُها المساعدة في البحث عن أصولهم… وهذا شيء عظيم أن تنجح في تحريك الهِمم وشحذ الوعي بالذاكرة والجذور، شيء صحِّيٌّ جدا للدولة وللمجتمع.

تناولت أيضا في “الشتات الأندلسي في الجزائر” موضوعا لا يزال غير معروف في الجزائر أو غير مطروق. لماذا برأيك هذا التغاضي عن هذا الموضوع الحساس، وهل يمكن القول أنّه من الموضوعات المسكوت عنها؟

ازدواجية «عربي/ أمازيغي» إيديولوجية مفبركة وكاذبة وصدامية ومتخلفة، موظفة في إطار صراعات النفوذ والصراع على السلطة

فوزي سعد الله: لا أعتقد أنّه موضوع مسكوت عنه أو من الممنوعات التي فرضها النظام السياسي أو غيره من الجهات، بشكل مباشر أو غير مباشر، مثلما يتعلق الأمر بملفات الخونة خلال الثورة التحريرية والاغتيالات السياسية والمفقودين والتعذيب خلال الحرب الأهلية التراجيدية في التسعينيات الماضية. أنا مقتنع بأن السبب هو الجهل واللامبالاة وعدم الجدية، بما في ذلك في أوساط البحث العلمي وأيضا في وسائل الإعلام التي غرقتْ في السطحية وتغطية الأمور اليومية السَّهلة بدون نظرة فلسفية للأشياء وبدون عمق تفكير وبدون التفاتة جدِّية إلى الوراء، إلى الماضي القريب، والبعيد لِفهم مَا يجري اليوم ولماذا ولِمَ نحن هكذا ومَن نحن ومِن أين أتينا وإلى أين سنذهب.

على الأقل على مستواي، لم يمنعني أحد من البحث في هذا الموضوع ونَشْر ما تعلمتُ من البحث فيه في كتابي “الشتات الأندلسي في الجزائر والعالم”، مثلما لم يمنعني أحد من البحث في موضوع الموسيقى العربية/الأندلسية في الجزائر ولا بشأن الماضي العثماني لمدينة الجزائر ولا حتى في موضوع يهود الجزائر.

من بين مصائبنا الثقافية اليوم كوْنُ الكثير من القادرين على العطاء في بلادنا لا يريدون العمل بلا مقابل، ولا يحبون الاجتهاد والتضحية والتأليف بدون تمويل حكومي وبدون عوائد وريوع أخرى كتلقي الدعوات للمشاركة في الملتقيات والندوات الأشبه، مع الأسف، بالزردات والأعراس، ولا يريدون العمل بدون مقابل إعلامي يُظهِرهم على شاشات التلفزيون وفي الصحف… أيْ أن منطق الدولة والوطن وبناء هذا البلد اختفى من الكثير من الأذهان “النيِّرة”، والكَسْب أصبح سيِّد المحفِّزات حتى أن الكثير من هؤلاء يموتون ويموت معهم علمهم ولا يشعرون بالخزي.

شخصيا، لم أهتم أبدا بالمقابل المادي ولا بحثتُ عنه ولا طلبتُه ولا انتظرتُ ولا أنتظر شيئا من أحد. أولاً أنا أستمتع بالبحث والتأليف، وأنا راضٍ بالعيش من عملي البسيط كصحفي مثلما كنت في الجزائر قبل أكثر من 17 عاما، ومع ذلك أنتجتُ بجهدي الفردي وبمالي الخاص، وأنا سعيد بذلك، ما لم تنتجه مراكز دراسات متخصصة في الجزائر. كتابي “الشتات الأندلسي في الجزائر والعالم” يُفترَض أن لا يصدُر عن صحفي مثلي بل من المفروض أن يَصدُر عن “مركز الدراسات الأندلسية” في تلمسان الذي تُخصِّص، أو خَصَّصَتْ، له الدولة ميزانيات ضخمة منذ تأسيسه عام 2011م.

أيضا لماذا برأيك الباحث والمؤرخ الجزائري غير مهتم بموضوع “الأندلسيين وعلاقتهم مع الجزائر”، إذ الأبحاث والدراسات في هذا الموضوع تكاد تكون منعدمة، أو هي منعدمة فعلا؟

فوزي سعد الله: كما سبق أن قلتُ، هناك جهل شبه تام بالموضوع في أوساط النخب كما في أوساط عامة الناس. والعديد من القائمين على البحث العلمي في الجامعات والمعاهد المختصة لا يبذلون ما يكفي من الجهود لتنويع مجالات البحث، ويسقطون في الاجترار أو في طَرْق المواضيع السهلة والمواضيع التي تثير رضا السلطات وتضمن الترقيات والمنافع الشخصية أو تنسجم مع الميولات الذاتية الإيديولوجية والسياسية. وأحيانا هم ذاتُهم يفتقدون إلى الكفاءة التي تسمح لهم بالتفكير في ذلك، وفاقد الشيء لا يُعطيه. مَثَلاً، لا يُعقَل أن يكون الباحث في الأندلسيات باللغة العربية يجهل اللغة الإسبانية والعثمانية، أيْ التركية القديمة، والفرنسية والبرتغالية. لا يُعقَل للباحث في الحركة الوطنية أن يجهل اللغة الفرنسية واللغة الإنجليزية على الأقل. ولا يُعقَل أن يتخصص الباحث في الشؤون الإفريقية دون معرفة بعدد من لغات هذه البلدان القديمة زيادة عن لغاتها المعاصرة كالفرنسية والإنجليزية…إلخ.

وسائل الإعلام غرقت في السطحية وتغطية الأمور اليومية السهلة

لقد اقتفيت آثار الأندلسيين حيثما حلُّوا، كيف وجدتهم، وكيف هي أحوالهم ونظرتهم إلى تاريخهم وارثهم المفقود، وفي أي الدول والمناطق انتشروا وتمركزوا أكثر؟

فوزي سعد الله: إنّهم منتشرون في كامل حوض البحر الأبيض المتوسط على ضفتيْه الشمالية والجنوبية، في البلاد العربية/الإسلامية وفي البلدان الجنوب الأوروبية وتركيا. الذين استقروا منهم في الضفة الشمالية للبحر المتوسط، اندمجوا وأصبحوا من أهل البلاد ويعتنقون ثقافات وديانات هذه المنطقة. والذين اختاروا الضفة الجنوبية للمتوسط فهُم اليوم مسلمون مثلنا وربما هم أنتِ وأنا والصديق والجار والزميل في العمل ورفيق المدرسة. ولا ننس أن نسبة هامة منهم موجودة اليوم في أمريكا الجنوبية وأمريكا الوسطى منذ عهد كريستوف كولومبس وحتى قبله، وما زال بعضهم يحمل هناك ألقابا عربية كعائلة بن يغش الغرناطية، الأمازيغية الأصل، في الشيلي والأرجنتين والتي تُدعى حاليا بالإسبانية “بِينِيغَاسْ” (Venegas)، وكذلك عائلة المُدوَّر، نسبة إلى حصن المُدوَّر في الأندلس، والتي يُقال لها بالإسبانية آلْمودوفارْ (Almodovar) مثلما هو لقب المخرج السينمائي الإسباني العالمي بيدرو آلمُودوفار، فضلا عن أندلسيي وموريسكيِّي أمريكا الشمالية، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية التي تقول بعض دراساتها العلمية الحديثة إن العديد من شخصياتها المعروفة بالأمس واليوم فيها شيء من الدماء والجينات الأندلسية على غرار الرئيس الأمريكي آبراهام لينكولن ونجم غناء الرُّوكْ آلْفِيسْ بْرِيسْلِي…إلخ.

وفي بريطانيا، يؤكد خبراء تاريخ العائلة الملكية، بأن شرايين الملكة إليزابيث الثانية فيها شيء من دماء وجينات الأندلس الإسلامية عن طريق امرأة من نساء قصر المعتمد بن عبّاد.

استغرق منك تأليف الكتاب “الشتات الأندلسي” أكثر من عقد من الزمن. ما هي أكثر العراقيل والصعوبات التي واجهتها أثناء انجازك لهذا العمل البحثي الضخم؟

فوزي سعد الله: بدأت البحث في الموضوع عام 2002م/2003م ليصدر الكتاب عام 2016م بجهد ذاتي مائة بالمائة خارج أوقات عملي. أما مُجمل العقبات فتكمن، بغض النظر عن المصادر شبه الغائبة فيما يتعلق بالجزائر، في عدم تعاون نسبة كبيرة من “المثقفين” وأهل الاختصاص الجزائريين عندما أطلب استشارتهم أو إجراء حوارات معهم، بمن فيهم مؤرخون كبار معروفون وعدد من “نجوم” شاشات التلفزيون الذين يُقدَّمون للجمهور كجهابذة في مجالاتهم. لكنّني تجاوزتُهم بتغيير إستراتيجية البحث والتكيُّف مع الظروف والقيود، فيما لا أجد مثل هذه الظاهرة مع غير الجزائريين، لأنّني تحادثت، على سبيل المثال، مع مؤرخين وباحثين كبار من المملكة المغربية وتونس وفرنسا وتعاونوا معي وسمعوا مني وسمعتُ منهم مثلما وقع مع المرحوم ابن عزوز الحكيم في تِطوان المغربية الذي قال لي إن بعض ما ذكرتُه له من معلومات واستنتاجات توصلتُ إليها لا يعرفها هو شخصيا وشجعني وقال لي إن “بابي وهاتفي مفتوح لك في أيّ لحظة” وهو الباحث الكبير المتخصص في الأندلسيات والمنحدر هو ذاته من أصل أندلسي وقد توفي قبل نحو عامين أو ثلاثة عن 91 عاما على ما أعتقد.

سأقول لكِ شيئا لتقارنيه بما يجري لنا مع الجزائريين: أنا صحفي، وعندما أطلب على الهاتف البروفيسور وِلْيَمْ كْوَانْتْ (William Quandt) مستشار الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون يردّ فورا من أوّل رَنَّة ونحكي مع بعض ما شاء الله من الوقت في المواضيع المطلوبة ويشكرني على تواصلي معه، وتَحادثتُ مع رِيتْشَارْدْ مُورْفِي (Richard Murphy) مستشار الرئيس الأمريكي في سنوات 1980م رونالد ريغان بنفس البساطة والسهولة عن ليبيا والقذافي، ومع المستشرق الفرنسي بْرُونُو إيتْيَانْ (Bruno Etienne) مستشار وزراء الداخلية الفرنسيِّين على مدى أكثر من 15 عاما بروح تعاون عالية وتواضع بل وصداقة وحميمية أحيانا لأكثر من ساعة على الهاتف، فضلا عن اللقاءات المباشِرة، ومع الدبلوماسي الروسي الكبير فاتْشْسْلاَفْ ماتُوزُوفْ كذلك، ومع الكثير من الشخصيات عالية المستوى الثقافي.. كلّهم متواضعون ومتعاونون ومحترِمون لِمن يطلب خدمتَهم. الأمر مختلف في الجزائر، ولي حكاية وقعتْ لي مع وزير من وزرائنا المثقفين الجامعيين مُخجِلة لا تختلف عن مواقف سابقيه المذكورين أعلاه، لكنّني أحتفظ بها لنفسي، على الأقل في الظرف الحالي.

منطق الدولة وبناء هذا البلد اختفى من الكثير من الأذهان «النيرة» والكسب أصبح سيد المحفزات

قمتَ بجمع الكثير من الشهادات الميدانية الحية لأحفاد الأندلسيين في الجزائر، وشهادات أخرى للأسبان والإيطاليين والفرنسيين والأتراك والمصريين والشاميين وغيرهم من العالمين العربي والإسلامي. هل حصلت عليها بيسر وسهولة، وما هي أكثر الشهادات التي استوقفتك أو التي صدمتك؟

فوزي سعد الله: بالنسبة للجزائريين، كان التعاون أسهل مع عامة الناس والعائلات منه مع “المثقفين” والشخصيات. بالنسبة لغيرهم، بدوا أقل تحفظا وأكثر تعاونًا، بل تطورت الأمور إلى دعوتي إلى ملتقيات في لبنان وفي قطر على سبيل المثل، لكنّني لم أشارك فيها لارتباطاتي المهنية في فرنسا والشخصية في الجزائر.

وفاجأتني شهادة جزائري يُحَضِّر شهادة الدكتوراه في فرنسا، وهو من المولودين في هذا البلد، يملك معلومات ثرية ودقيقة عن أصوله الأندلسية حيث ينحدر من آل بن يَغَّشْ (Venegas) الغرناطيين، وهم من أعيان مملكة بني النصر، المتفرعين اليوم على إسبانيا وأمريكا الجنوبية والجزائر، وربّما حتى المغرب، وهو من منطقة وهران. ذاكرة الأجداد عنده ما زالت متوهِّجة بشكل لم أتوقَّعه وهو شديد الاعتزاز بها. وتفاجأتُ أيضا بحالة مماثلة لدبلوماسي جزائري من غرب البلاد أيضا ذهب إلى حد إجراء بحوث هامة، بما في ذلك تحليل حامضه النووي خارج البلاد، وتوصل إلى استنتاجات مهمة حيث عثر على فرع أبناء عمومته الذين فروا من محاكم التفتيش في بداية القرن 16م إلى فرنسا واندمجوا هناك وأصبحوا فرنسيين قلبًا وقالبا، وتواصَل معهم في إطار بحوثه الشخصية عن أصل الأجداد.

بعد أبحاثك التي تطرقت فيها إلى موضوعات حساسة ومتنوعة، صرّحت بأنك تنوي التفرغ لكتابة الرواية. لماذا الرواية، وهل ستوظف بعض موضوعات وأفكار أبحاثك في الرواية؟

فوزي سعد الله: في الحقيقة، يتعلق الأمر بروايتيْن كتبتُهما في ذهني، إحداهما منذ أكثر من 20 عاما، ولم يَسمح لي الوقت بوضعهما على الورق. قد أتوقف عن العمل لسنة أو أكثر لأتفرغ لهما. وبطبيعة الحال، ستَجْرِي وقائعُهما في عَوالِمي الذاتية والتاريخية: في أزقة غرناطة وفنادق قرطبة وبساتين إشبيلية وفي قصور قصبة الجزائر وحوْمات الطفولة والمراهَقة والشباب في شوارع هذه المدينة العتيقة والأحياء الأوروبية المجاورة لها المعروفة اليوم بالجزائر الوسطى أو سواحل البحر في باب الوادي وفْرانكو ومنتجع موريتي المَسروق من الشعب عنوة ودون حق بمبررات واهية… إن شاء الله يُسعفني الوقت والعمر لأنجز هذا الحُلم.

————————

المصدر/ جريدة النصر الجزائرية

 

 

شاهد أيضاً

12278956_1138527649510434_3756420391345557967_n-1-1-1-1-1-1-1-1-1-1-1-1-1-1

حالة

خاص- ثقافات *محمود شقير         تدخل صالة الفندق وهو يتبعها مثل كلب أليف، يجلسان في …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *