خروج

*محمود شقير

       يخرج في الصباح النديّ إلى الشارع الذي لا يعرف الهدوء. يستيقظ العالم من نومه قبل ذلك بوقت قصير. يشرب الملايين من الرجال والنساء قهوتهم اللذيذة في الشرفات، وثمة رجل يسعل في شرفة شقته في الطابق العشرين، يطفىء سيجارته ويقول: ابتداء من صباح الغد سأتوقف عن التدخين، تضحك المرأة التي اصطبغت سيجارتها بأحمر الشفاه، ترفع ساقيها فوق درابزين الشرفة في الطابق العشرين، والرجل اللبيب يفهم قصدها دون كلام.

       يخرج في الصباح الندي بعد أن استحم بالماء الساخن والصابون. يستحم الملايين من الرجال في اللحظة نفسها وهم يغنون، والنساء يقلين البطاطا في المطابخ، ويسكبن الشاي في الكؤوُس، وثمة امرأة تبكي بحرقة في بيتها، لأنها اكتشفت أن عشيقها اللئيم يعشق امرأة أخرى متزوجة ولديها ثلاثة أطفال.

       يخرج في الصباح الندي إلى الشارع الذي تملأه المظاهرات، يمضي الملايين من الرجال والنساء في اللحظة نفسها إلى أعمالهم الكثيفة، يقرأ ضباط حلف الأطلسي تقارير سرّية أُعدّت لهم على عجل، ويستعرض الحاكم المستبد في القارة المجاورة آخر المعلومات عن نشاط الأحزاب الهدامة، وثمة امرأة ترفع سماعة الهاتف لتستعين بصديقتها العانس في التغلب على لغز الكلمات المتقاطعة في جريدة الصباح.

       يخرج في الصباح النديّ بعد أن طبعت أمه على جبينه قبلة، يلمح على نحو خاطف: البيوت والأشجار والناس وشعر البنات المنسدل على الأكتاف، يشعر بالدهشة، فكأنه يرى كلّ شيء في هذه الحياة للوهلة الأولى، ثم يقترب من موقع المجابهة، حيث الجنود الطغاة، يخرج في الصباح النديّ ذلك الولد الفلسطيني الذي لا يعرفه أحد في هذا العالم، يخرج ولا يعود.
_________

*روائي وقاص فلسطيني.
من مجموعته “صمت النوافذ”/قصص قصيرة جداً/ منشورات الأهالي/ دمشق/ 1991

 

شاهد أيضاً

استراحة طه حسين ملهمة «دعاء الكروان» تتحول إلى متحف

*داليا عاصم  في مكان يعود عمره إلى عام 350 قبل الميلاد، اختار عميد الأدب العربي …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *