الرئيسية / خبر رئيسي / المفارقة واللغة الصوفية… روايات يحيى القيسي نماذجاً

المفارقة واللغة الصوفية… روايات يحيى القيسي نماذجاً

خاص- ثقافات

* ليث سعيد هاشم الرواجفة

إنَّ المعجمَ الصوفي أكثر معاجم العربية تعقيداً ودقة؛ لأنَّ “الصوفي لا يثبت حرفاً زائداً في عبارته، ولا ينقص حرفاً منها إلا لمعنى عنده، فإذا حذفت ما حسبته زائداً أو زدتَ على ما رأيته ناقصاً تغير المعنى المقصود”(1)، وبهذا التغير اختلَّ المعنى واندثرتِ المقصدية الصوفية، بالإضافة إلى أنَّ “اللغة لدى الصوفية لغةٌ رمزيةٌ أكثر منها معجمية، فهم يؤثرون الإشارة على العبارة، ويعمدون إلى التلميحِ دون التَّصريح”(2)؛ فهي بعيدةٌ عن المباشرةِ والسَّطحيةِ وبحاجةٍ إلى ثقافةٍ عاليةٍ وتحديداً في الفلسفةِ الدينيةِ والعلومِ الروحانية؛ لذلك “من يقرأ الصوفية عليه أولاً أنْ يلمَّ بمقاصد ألفاظهم، واصطلاحيتها، وهيَ دقيقةٌ جداً”(3).

واللغةُ الصوفية هي “تلكَ اللغة الَّتي تعتمدُ الإيحاءَ والرمزَ وسيلتين للتبليغِ حيثُ لا تتمّ قراءة هذهِ اللغة قراءةً سطحيةً بقدر ما تستدعي هذهِ اللغة خلفياتٍ ثقافيةً خاصة تمكّن المتلقي من فهمِ رسالتها المتضمنة داخل الخطاب”(4)، ذلكَ يعني أنَّ “الكلمة أو الشيء عندهم، لا يمثلانِ الدَّال والمدلول… بلْ هما يستمدانِ معناهما من خلالِ التمثيل الثقافي”(5) الَّذي يحتاج إلى جهدٍ عالٍ في فهمهِ وإدراكِهِ لسبرِ أغوارها.

ومن سماتِ اللغة الصوفية أنَّها لغة “بالغة السعة، بالغةُ العمق، وهيَ لهذا العمق ولتلكَ السعة قدْ تستعصي على أفهامنا جميعاً”(6)؛ فهي لغةٌ تخطَّتِ الحرف وثارتْ عليه “اخرج من بين الحروفِ تنج من السحر”(7)، وتدعو إلى التَّحرر من عبوديته “اجعل الحرف وراءَك”(8)، وترى أنَّ “العلمَ [لا يكون إلا] من وراءِ الحروف”(9).

فالمعجم الصوفي متفردٌ بألفاظه وتراكيبه “فإذا كانتِ اللغة عند دي سوسير (F.de Sanssure) نظاماً من الإشاراتِ الَّتي تعبِّر عن الأفكار، فإنَّ المتصوفةَ استخدموا في تعبيرهم أو لغتهم إشاراتٍ ودلالاتٍ واستعاراتٍ تختلف عن استعاراتِ ودلالاتِ الفلسفة مثلاً أو السياسة أو الاجتماع، حيثُ تكون هذهِ المفرداتُ والاستعاراتُ دلالاتٍ لغويةً ولفظيةً خاصّةً بالعارف”(10)، فلغتهم كانت مشفرة لا يعلمها إلا من كانَ منهم “فإذا كانت اللغة وسيلةً للتواصل عند علماءِ النفس واللسانيات فإنَّها في التَّصوف الإسلامي تجربة روحية ومعاناة لا تختلفُ عن سائر التجارب الحسيةِ أو الباطنية الَّتي يعانيها أهل العرفان”(11)، ممَّا دفعَ أحدهم للقول: “ما بالكم أيّها المتصوفة اشتققتم ألفاظاً أغربتم بها على السامعين وخرجتم عن اللسان المعتاد، هل هذا إلا طلبٌ للتمويهِ أو سترٌ لعوار المذهب”(12)، وهكذا تساؤلات تنمُّ عن جهلٍ بالأسباب الَّتي دفعتِ الصوفية إلى انتهاجِ أسلوب التعقيد والرمز، ومنها :

1- صون أسرارهم ودرر حقائقهم من أن تتفشى في غير أهلها.

2- عجز اللغة عن احتواءِ عظمة الحقائق الَّتي يصلُ إليها العارف عن طريقِ الذوق من لدن ربه.

3- تقريبُ الفهمِ والمعنى فيما بينهم (الصوفية، العارفون)”(13).

من هنا ارتبطتِ اللغة الصوفية بالمفارقةِ تحديداً حينَ وظّفت في الأعمال السردية “لاحتواء ألفاظهم على معنيين لفظيٍ لغويٍ ظاهري، والآخر ذوقي باطني يتطلب التمعن والتأمل، بلْ وتذوق التصوف”(14)، وغالباً ما كانَ المعنيان متناقضين، مثل “قولِ أبي يزيد البسطامي: (لأنْ تراني مرةً خيرٌ لكَ من أنْ ترى ربكَ ألفَ مرة)، وقوله مخاطبًا الله: (طاعتك لي يا ربِ أعظم من طاعتي لك)(15)، فلو حكمنا على العبارتين وأمثالهما بحكم الظاهر السطحي لاتّهم قائلهما بالكفر، ولكنَّ أذواق الصوفي ومواجيده تتناقض معَ ذلكَ، فهو بقوله –من وجهة نظره- هذهِ العبارات (الشطحات) قدْ نطق بأسرارٍ ما كانَ يجب عليه البوح بها.

وتجلَّت المفارقة في اللغةِ الصوفيةِ من خلال الانزياحِ أو العدولِ اللغوي فـــ”المعلوم والمتداول في كتب التَّصوف أنَّها وضعت على شاكلةٍ مخالفةٍ للمألوفِ فالتبستْ معانيها وتباينت شروحها”(16)، وأكثر أشكال الانزياحِ كانَ في (الشطحات)(17) الَّتي قالَ عنها أدونيس:” إنَّ الشطحَ هوَ صفةُ البكارة اللغوية يلبسها النطق. إنَّه غيبوبة عن اللغة – الاصطلاح، إنَّه باطن اللغة الموازي لباطن الألوهة – كما أن باطن الألوهة لانهائي فإن باطن اللغة، أو الشطح، يوحي بأبعادٍ لا نهائية، إنَّه اللغةَ فيما وراء اللغة”(18)، وذلكَ لأنَّ باطن اللغة الصوفية يتناقض معَ ظاهرِ الشرع وتقاليدِه ممَّا يولّد مفارقةً بينهما (الظاهر/الباطن)؛ “فالمفارقةُ تحدثُ بين الظاهر المستشنع، والباطن الصحيح المستقيم. ومن هذهِ الوجهة يمكن أن نعدّ الشَّطح بمثابةِ إفراغٍ لما ينطوي عليه الوجدان من التوترات، وهوَ إفراغٌ يأخذ شكل الدلالة اللغوية المزدوجة، وازدواج الدلالة في الشطح ليسَ سوى تأكيد لطابع المفارقة..”(19).

13516630_1173340172710891_1690363710822196178_n

واللغةُ الصوفية ارتبطتْ بالشعريةِ مثل ارتباطها بالمفارقة، فـــ”يمكن القول بأن الصوفي مورد أساسي لتوليدِ الشعري في الكتابة الروائية الجديدة، فاللجوء إلى التجربةِ الصوفية، كممارسةٍ إبداعيةٍ أو فلسفيةٍ لرؤيةِ الكون، مظهرٌ من مظاهر حداثة الرِّواية العربية الجديدة عامة، فالصوفيُّ يعد وسيلة لتشكيل شعرية (Poetic) الرِّواية الجديدة، ويظهر البعد الصوفي في اللغةِ الروائيةِ من خلال المظهرِ اللفظي للنص، أي ما يتجسد عبر البنى اللسانية: تركيباً ومعجماً وصوتاً”(20)، وهذا ما وظَّفه يحيى القيسي في رواياتِهِ، بلْ يعد سمةً أسلوبيةً تميزه عمَّن سواه من الرّوائيين الأردنيين، فلم تخل أعمالُه الإبداعية من الحديثِ عن الصوفيين وتجاربهم وأخبارهم، يقولُ الرَّاوي في رواية (أبناء السماء)(21): “أشعر أنَّ لبلدكم (الأردن) خصوصية روحية يا بني وباركه الله”(22)، فالأردنُّ مكان مفارق لسواه، لهُ خصوصية روحية، يبعثُ النّورانية في نفسِ كل مجدٍّ مريدٍ يسعى للتَّصوف.

6061_1

خاضت رواية (أبناء السماء) في الصوفيةِ وبعض قصصها، ومن بينها ما رواه الرَّاوي: “قال لي (أحد المريدين) الرجل مجدَّداً: ما رأيته قطرة من بحر كراماتِ سيدي الشيخ نور الدين الَّذي أخذ الطريقةَ كابراً عن كابر… رأيته مرَّة أدخلَ سيفه في بطنِ أحد المريدين وأخرجهُ من ظهرهِ ثمَّ مسحَ مكانَ الطعنة، وقام المريد وكأنَّه لمْ يحصل لهُ أي شيء…!”(23)، فحدثُ (الطعنِ) مفارقٌ لنتيجتهِ المتوقعة، والموقفُ (العبادة في المسجد) لا يستدعي القيامَ بأفعال كهذه، “كنت لا أفهمُ كيف جرى ذلكَ فهو ضد كل ما درست من العلومِ والقوانين الفيزيائية”(24)، ولكنَّ الصوفيةَ وخصوصيتها تبيح ذلكَ لإظهارِ الكرامات والقدرات الخارقة لقوانين الطبيعة والفيزياء، ويقدِّم الرَّاوي تعليلاً لذلكَ فيقول: “وإنَّ خرق العوائد والقوانين ليستْ بقدرات البشر بلْ بإذنٍ خاصٍ من العالم الَّذي لا يراه الناس”(25).

ويوضّح الرَّاوي جانباً من الفلسفةِ الصوفية قائلاً: “نحن لسنا وحدَنا في هذا الكون، فثمةَ مخلوقات نورانية وأرواح عالية، وهنالكَ أرواحٌ أخرى ظلمانية سفلية نعوذ بالله منها”(26)، إنَّ المفارقةَ اللفظية ساعدت في توضيح هذهِ الفلسفة القائمة على التناقض: (نورانية/ظلمانية) (أرواح عالية/أرواح سفلية)، وهذا التّناقض لا يكونُ بالألفاظِ وحدها وإنَّما بالعوالمِ الداخلية (الباطنية) وكيفية الوصول إليها، ولتوضيحِ ذلكَ انظر الحوار الآتي:

 “قلت: والخوارق؟ كيف تُعطى للمؤمنين وللكافرين على السواء؟

قالت: المعرفةُ قدْ تكون نورانية أو ظلمانية، وهناك حرية الاختيار عند الإنسان ليحصل عليها من الصالحين فتكون كرامات، أو منَ الشياطين فتكون سحراً، وشتَّان بين طريق النورِ وطريق الظلمة!”(27) هذا الحوار قام على التقابلِ الَّذي نقلَ المتلقي من الضدِّ إلى ضدِّه، وإنَّ “التّقابل في النصوص هوَ انعكاسٌ لنقائض الذات وخلاصة جدلها بالواقع والزمن في تحديدِ علاقتها بتشخيص الحياة”(28)؛ فهذه الذاتُ الَّتي تسعى إلى الخوارقِ أمامها طريقان، الأول: أنْ يحصل عليها من الصالحين فتكون (كرامات)، والثاني: أنْ يحصل عليها من الشياطين فتكون (سحراً)، والطّريق الأوّل هوَ طريقُ النور، والطّريق الثاني هوَ طريقُ الظلام.

فالمصدرُ الأوّل مناقضٌ للمصدر الثاني، والصفةُ الأولى مناقضة للثانية، وطريقُ الأول مناقضٌ لطريق الثاني، والمفارقةُ الكبرى الَّتي فجّرت النّص الروائي بأكمله، كانت بانزياح توظيفِ اللغة الصوفية، وذلك أنَّ بطل الرِّواية “حتّى أمدٍ قريب كانَ الإيمان بالله والعوالم اللامنظورة شيئاً من الخرافات بالنسبة لي”(29)، فكما هوَ معلومٌ أنَّ “الحب الإلهي هوَ أكبر هموم الصوفية”(30)، ولكنَّ بطل الرِّواية كانَ ملحداً ومتأثِّراً بالماركسية الاشتراكية، والسياق الصوفي طيلة الرِّواية لمْ يرد من باب الحب الإلهي، بلْ من باب البحثِ عن الإله والبحث عن تفسيرات مقنعة للخوارق والظواهر الخارجة عن الطبيعة، وكانت الصوفية أحدَ المنافذ الَّتي ولجها البطل في بحثه.

4709_1

وذلكَ ينطبق على(قيس حوران) بطل رواية (باب الحيرة) الَّذي كانَ يعاني من حالة إلحادٍ وعدمِ اقتناع بالنصوص الدينية، وما يؤكد ذلكَ قوله: “كانت سنوات إلحادي قدْ جعلتني فارغاً، مثل ورقةٍ بيضاء تنتظر من يسطر فوقها خطوطاً وكلماتٍ جديدة”(31)، وقوله: “مرةً حدثتها عن قلقي الوجودي أو تبدلاتي العاصفة بين الإلحادِ والإيمان”(32)، والطريق الوحيد الَّذي سلكه هوَ الصوفية وعوالمها الروحانية “يا رب أدخلني في التجربةِ واحرسني من الشرير، ودعني أرى ما لا يُرى، سئمت من تسلسل الزمان، ومحدوديةِ المكان خيل لي أن جسدي يحبس روحي في أسواره الطينية، وهيَ تريدُ أن تفرَّ منه إلى الفضاء المطلق”(33)، بعد ذلكَ بدأت قصة (قيس حوران) حينَ “عثرت (هاديا) لي على ذلكَ المخطوط وجاءتني بهِ مغبّراً من بين الأرفف، وأنا أشعر بفيضٍ من الحيرة تجتاح كياني… كانَ شيئاً ماحقاً لمْ أقرأ مثله من قبل قط، يموج بشتى المعارفِ، والحكم، والنصائح، والفنون… وكأنَّه حوى علوم الأولين والآخرين من الإنس والجان…!”(34)، فعمليةُ الانتقال من حالة الإلحادِ وهيَ (أقصى درجات الكفر)، إلى التَّصوف وهوَ (أقصى درجات التعبد)، تعدُّ مفارقةً (موقف) دفعت البطل من النقيض إلى النقيض.

وللوصولِ إلى المفارقة النّاجمة عن اللغة الصوفية وفلسفتها الباطنية، لا بد من ضرورة التّعامل معَ النّصوص بدقةٍ وحرص، فكما أسلفَ البحثُ أنَّ اللغة الصوفية لغة مشفرة، وتُحدثُ المفارقة حينَ يوظف الأديبُ هذهِ اللغةَ في غير موضعها الأصلي، ليسَ جهلاً منه بلْ تحدياً لهذه اللغة وفلسفتها، ومثال ذلكَ قول الرَّاوي:

“قدْ أشرقَ قلبي بالخواء…! استغربت هاديا وصفي ذلكَ بالإشراق، وحرتُ كيف أشرحُ لامرأةٍ تقية مثلها تلك الحالة الَّتي استيقظتْ عليها بالضبط، وقد تخلَّصت من عبءٍ عظيم، فلا عقابَ ولا حسابَ بعد اليوم، ولا جنَّةً اطمعُ بها ولا ناراً أرتعد من خشيتها، ولا الثعبان الأقرع الَّذي يطل عليّ في القبر ساعة الموت…”(35)، فالانزياحُ الدلاليُّ لمصطلحِ (الإشراق) الَّذي وظّفته الشخصية شكّل مفارقةً سياقية –أي توظيف اللفظة في غير موضعها-، ولم يكن جهلاً من الشخصية بدلالتها عند الصوفية، بلْ كانَ تحدياً، وسخريةً من هذهِ اللغة وهرطقاتها.

وكذلكَ حينَ عاتبته (هاديا) قائلة: “ألمْ أحدِّثكَ عن ذلكَ من قبل، لمْ يمض وقتٌ طويلٌ لتنسى، أمْ أنَّ ما يحل بك من المعارفِ يمسحُ ما سبقه، فتصبح صفحةً بيضاء كلّما امتلأتْ طُمستْ من جديد… أمرك عجيب!”(36)، فاستخدامُ مصطلح (المعارف) لتوصيفِ شخصٍ ملحدٍ، انزياحٌ دلاليٌ واضحٌ خلق حالةَ دهشةٍ لدى المتلقي، فكما هوَ معلومٌ أنَّ الصوفي التقي صاحب المراتب العليا يلقب بــــ(العرفاني) الَّذي يعرفُ ما لا يعرفه سواه، وصاحب اتصالٍ مباشر معَ الذات الإلهية، فكيف يكون انساناً ملحداً عارفاً ويكتسبُ معارف بإلحاده!

إنَّ “الصوفي يرقى بالإشراقِ الرباني، إلى التَّأملِ في الصفاتِ الإلهية، وهنا نقول أنَّ هناك نوعين من التّأمل: أسبقهما ما كانَ نتيجةَ الإيمان الصادق، والأخير نتيجة الحب… ففي الحب يصلُ الإنسانُ إلى مرتبةٍ يصير فيها وجوده كلّه مستغرقاً في محبوبه فلا يرى شيئاً غيره”(37)، ولكنَّ هذا مناقضً لحالةِ البطل الَّذي يدَّعي أنَّه يعيشُ حالةً روحانيةً متصوفة؛ فهو غير مؤمن، وحبه لمْ يكن للذات الإلهية، يقول الرَّاوي: “توقفتُ فجأةً عن الكلام، وضمتني بحنو هائل… وكأنَّه قدْ كُشفَ الحجابُ عني لرؤية مفاتنها لأوّل مرة، فقلتُ لها أنَّه لا رغبةَ عندي في هذهِ اللحظةِ غير وصالها…”(38) فالحجابُ انكشفَ عن المفاتن، والرغبة لمْ تكن إلا في وصالها، وهذا مفارقً (مناقضً) للغةِ الصوفية الَّتي وظفت هذهِ المصطلحات في سياق (الحب الإلهي)، فالصوفي ينكشفُ لهُ الحجابُ ليتصلَ بالذات الإلهية، ولا يرغب بأي اتصال إلا معَ الله، فهنا مفارقةٌ لفظيةٌ قائمةٌ على التّناقضِ بين السياقين (الأصلي/الجديد).

وحالةُ التناقضِ الَّتي يعيشها (قيس حوران) جعلتْ (هاديا) تتعجب منه، “قالت لي ذات يوم، أحياناً أحسبك شيطاناً رجيماً من شدةِ هذياناتك، ومرَّة تبدو لي قديساً طهوراً ممَّا تكتب… دنيويٌ وسماويٌّ معاً، واقعيٌ وحالم، ثوريٌ ومهادن، مسكونٌ بالحاضرِ والتَّاريخ، كأنَّك تجمع في أعماقكَ كلَّ المتناقضات”(39)، إنَّ (المفارقة اللفظية) القائمة على مبدأ (التضاد المتنافر)، وضَّحت حالةَ البطل المتناقضة، الَّتي وصلَ إليها نتيجةَ تضاربِ العالم الصوفي الروحاني معَ الإلحاد، فهو كانَ (شيطاناً/قديساً)، (دنيوياً/سماوياً)، (واقعياً/حالماً)، (ثورياً/مهادناً)، (الحاضر/التاريخ).

ونجمَ عن ذلكَ كتابته –قيس حوران- لعديدٍ من الأقوال الَّتي اختلطتْ بين بنات أفكارِه (الإلحادية) وما قرأ في المخطوط (الصوفي)، تقول الأنا الساردة: “أريدُ أنْ أقرأ شيئاً ممَّا كتبتُ في هذهِ الأيام، فأعطيتها [بضعةَ](40) أوراقٍ متفرقة، وقلتُ لها إنَّني أرغبُ بسماعِ صوتها وهيَ تقرأ، ورحتُ أُصغي لشيءٍ أعوذُ بربي أنْ أكونَ كتبته منْ قبل نفسي أو نقلته من ذلكَ المخطوطِ اللعين..”(41) فالذي قرأته (هاديا) تضمَّنَ بعضَ الشطحاتِ الَّتي توحي بالكفر والعياذ بالله:

 “اعلموا أيّها النَّاس أنَّكم تأتونَ بما ينافر العقول، مثل رمي الحجارة على الهواء، والطواف حول بيتٍ لا يسمعُ ولا يبصر، والعدوُ بين حجرينِ لا ينفعانِ ولا يضران، وهذا كلّه ممَّا لا يقتضيه عقل…تخيلوا ما في الجنة: أنهارٌ من لبنٍ لمْ يتغير طعمه أي الحليب، ولا يكادُ يشتهيه إلا الجائع، أمَّا العسلُ فلا يُطلب صرفاً، أمَّا الزنجبيل فليس من لذيذِ الأشربة، أمَّا السندسُ فهو يفرش ولا يُلبس… أيها الغافلون عن ملذاتي أنا أمنحكم ما تشتهي أنفسكم لو…”(42) وهذه الشَّطحات توافقتْ معَ هوى (قيس حوران) وأفكاره المخزونة داخل العقل الباطن، فالتقى الكفرُ الظَّاهر (الإلحاد) معَ الإيمانِ الباطن (التصوف).

الهوامش

* هذا البحث جزء من رسالة ماجستير للباحث ليث سعيد هاشم الرواجفة، تحت عنوان المفارقة في الرواية الأردنية من: (2000-2016)، أجيزت في الجامعة الهاشمية بتاريخ 3/11/2016، بإشراف الدكتور ناصر شبانة. ص218-228

([1]) عزيز، عارف، مقابسات في الفلسفة الصوفية، مجلة المورد- العراق، مج17، ع3، 1988م، ص67

(2) الكبيسي، طراد، مقدمة في الشعر الصوفي، مجلة المورد- العراق، مج1، ع1-2، 1971م، ص13

(3) المرجع السابق، ص21

(4) كعوان، محمد، اللغة الصوفية بين الدلالة المعجمية والدلالة السياقية: قراءة في الخطاب الشعري الجزائري المعاصر، مجلة منتدى الأستاذ- المدرسة العليا للأساتذة في الآداب والعلوم الإنسانية بقسنطينة- الجزائر، ع2، 2006م، ص167

(5) زكريا، ميشال، الألسنية علم اللغة الحديث، د.ط، 1983م، المؤسسة الجامعية للدراسات، بيروت، ص 180

(6) عزيز، عارف، مقابسات في الفلسفة الصوفية، مرجع سابق، ص68

(7) النفري، محمد بن عبد الجبار، كتاب المخاطبات، تحقيق آرثر آربري، ط1، 1996م، ص167

(8) المصدر السابق، ص90

(9) النفري، محمد بن عبد الجبار، كتاب المواقف، تحقيق آرثر آربري، ط1، 1996م، ص118

(10) حاجي، مباركة، رمزية اللغة في الخطاب الصوفي، مجلة الباحث- المدرسة العليا للأساتذة بوزريعة- الجزائر، ع7، 2013م، ص171

(1[1]) حاجي، مباركة، رمزية اللغة في الخطاب الصوفي، مرجع سابق، ص169

(12) الكلاباذي، أبو بكر محمد، التعرّف لمذهب أهل التصوف، د.ط، 1980م، دار الكتب العلمية- بيروت، ص88

(13) حاجي، مباركة، رمزية اللغة في الخطاب الصوفي، مرجع سابق، ص173

(14) المرجع السابق، ص 173

(15) عبد الرحمن بدوي، شطحات الصوفية: الجزء الأول: أبو يزيد البسطامي، د.ط، وكالة المطبوعات- الكويت، ص 30.

(16) سويسي، صابر، اللغة الصوفية في القراءات الاستشرافية، مجلة آداب القيروان- كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان- تونس، ع9-10، 2013م، ص352

(17) حدد الدكتور عبد الرحمن بدوي عناصر ضرورية لوجود ظاهرة الشطح هي: (أولاً) شدة الوجد؛ و(ثانيًا) أن تكون التجربة تجربة اتحاد؛ و(ثالثًا) أن يكون الصوفي في حالة سكر؛ و(رابعًا) أن يسمع في داخل نفسه هاتفًا إلهيًا يدعوه إلى الاتحاد، فيستبدل دوره بدوره؛ و(خامسًا) أن يتم هذا كله والصوفي في حالة من عدم الشعور، فينطق مترجمًا عما طاف به متخذًا صيغة المتكلم، وكأنه الحق هو الذي ينطق بلسانه. أما الشطحة نفسها فتمتاز بعدة خصائص منها: أنها بصيغة ضمير المتكلم، وإن كان هذا الشرط غير متحقق باستمرار؛ وأنها تبدو غريبة في ظاهرها، لكنها صحيحة في باطنها، أو على حد تعبير السراج “ظاهرها مستشنع” وباطنها صحيح مستقيم. انظر: عبد الرحمن بدوي، شطحات الصوفية، مرجع سابق، ص 11

(18) أدونيس، الثابت والمتحول 2: تأصيل الأصول، ط1، 1977م، دار العودة- بيروت، ص 96

(19) نصر، عاطف جودة، شعر عمر بن الفارض: دراسة في فن الشعر الصوفي، ط1، 1994م، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، ص 135.

(20) حمو، حورية، شعرية اللغة الروائية: الروائي السوري إبراهيم الخليل أنموذجاً، مرجع سابق، ص94

(21) القيسي، يحيى، رواية أبناء السماء، مصدر سابق.

(22) المصدر السابق، ص146

(23) المصدر السابق، ص 154

(24) المصدر السابق، ص 154

(25) المصدر السابق، ص 155

(26) القيسي، يحيى، رواية أبناء السماء، مصدر سابق، ص155

(27) المصدر السابق، ص171-172

(28) فيدوح، عبد القادر، دلائلية النص الأدبي: دراسة سيميائية للشعر الجزائري، ط1، 1993م، ديوان المطبوعات الجامعية- الجزائر، ص90

(29) المصدر السابق، ص157

(30) الكبيسي، طراد، مقدمة في الشعر الصوفي، مرجع سابق، ص17

(31) القيسي، يحيى، رواية باب الحيرة، مصدر سابق، ص80

(32) المصدر السابق، ص71

(33) المصدر السابق، ص81

(34) المصدر السابق، ص18

(35) القيسي، يحيى، رواية باب الحيرة، مصدر سابق، ص73

(36) المصدر السابق، ص79

(37) الكبيسي، طراد، مقدمة في الشعر الصوفي، مرجع سابق، ص16

(38) القيسي، يحيى، رواية باب الحيرة، مصدر سابق، ص28

(39) المصدر السابق، ص19

(40) الصواب: بضع

(41) القيسي، يحيى، رواية باب الحيرة، مصدر سابق، ص28

(42) المصدر السابق، ص31

 

شاهد أيضاً

كتاب عن حياة فنانة القرن العشرين التي أهملها المؤرخون

*عمار المأمون في كتابه “فتحية أحمد- مطربة القطرين” يسعى الشاعر والصحافي المصري محبّ جميل إلى …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *