الرئيسية / إضاءات / أي كتب يجب أن نقرأ؟

أي كتب يجب أن نقرأ؟

*محمد حجيري

حظيت القراءة بمئات الأقوال التمجيدية والتبجيلية والوعظية، وبقي السؤال: أي الكتب يجب أن نقرأ؟ هل علينا نكثر من القراءة أم نقلل منها؟ هل نتبع نصائح الأديان ووصايا الرسل، أم حكم الفلاسفة ومقولات الأدباء؟ أنظمة الطغيان كانت تفرض كتبها، وتمارس الاكراه في القراءة، وسرعان ما تنهار. “الكتاب الأخضر” للقذافي، طبع بالأطنان وحظي بمئات المقالات التبجيلية باعتبار ان صاحبه “دفّيع”، الكتاب الأحمر الذي أصدره “الرفيق ماو”، انتشر بملايين النسخ مع ان صاحبه دمّر النسيج الصيني بـ”الثورة الثقافية”، فهل يستحق الكتاب الأحمر القراءة؟ الأديان تفرضها كتابها الأوحد، وربما تستمر لأن مشكلة الغيب لم تحل.

في القراءة “العادية” الأمور لها شكل آخر. غاليليو رأى القراءة كطريقة لامتلاك قُوى الإنسان الخارق. ويعتبر كارل ساغان الكتب “برهاناً على أن البشر قادرين على صنع السحر”؛ شوبنهاور قال: “أن تقرأ يعني أن تفكر بعقل شخص آخر”. الياباني هاروكي موراكامي يستنتج: “إذا كنت تقرأ فقط الكتب التي يقرأها الجميع؛ فستفكر فقط كما يفكّر الجميع”… هذا ينطبق على الأيديولوجيات والفاشيات التي كانت تقرأ “الكتاب الأحمر” لماو و”كفاحي” لهتلر. قارئ موراكامي سيقفُ على أمرٍ لافِت، أن معظمُ شخصيّات رواياته، مولعة بالكتب والمكتبات، وسيتملّكه الفُضول لقراءة جورج أورويل وجيمس جويس وياسوناري كاواباتا وهنري ميللر وكافكا وغيرهم…

كافكا، كان يعتبر الكتب “الفأس الذي يكسر البحر المتجمد بداخلنا”، ويقول “أظن أنه علينا فقط أن نقرأ الكتب التي تؤلمنا أو تطعننا. إن لم يوقظنا الكتاب بضربةٍ على الرأس، لماذا نضيع وقتنا في قراءته؟”. لكن كيف نصل إلى هذه الكتب؟ هل بسهولة نكتشفها؟ هل ما يؤلم هذا القارئ، يؤلم غيره ويطعنه؟ هل مَن يقرأ أحلام مستغانمي، هو نفسه مَن يقرأ كافكا؟ مَن يتأمل ردود الأفعال على رواية “المسخ” لكافكا، يلاحظ أن القراءة مزاج قبل كل شيء، ولا يمكن الوعظ في القراءة، كل قارئ ربما يقدم وعظاً لنفسه. يقول ألبيرتو مانغويل إن القراءة من حيث هي عملية متابعة، تتطور هي الأخرى تبعاً للحصيلة المعرفية والذهنية لمن يقرأ. وأعطى مؤلف “تاريخ القراءة” مثالاً على ذلك، بأن رصد ردود الأفعال المختلفة لقراءة رواية كافكا “المسخ”. قال إن ابنته المراهقة وجدت فيها شيئاً مسلياً، ورأى فيها أحد الكتّاب حكايات دينية وأخلاقية، أما المسرحي برتولت بريخت فرأى فيها عمل الكاتب البلشفي الحقيقي الأوحد، فيما سماها المجري جورج لوكاش “الإنتاج النموذجي للبرجوازي المنحط”، وفهمها بورخيس على أنها تتمة لتناقضات زينون الرواقي، أما إحدى الناقدات الفرنسيات فقد امتدحت فيها فصاحة اللغة الألمانية، وبدت لكاتب روسي مجازاً للخوف أثناء المراهقة. وكتب جوزيف إپستين “ادّعى إدموند ويلسن أن هناك كاتبًا وحيدًا لا يستطيع القراءة له صباحًا خلال تناوله لوجبة الإفطار، هذا الكاتب هو المركيز دو ساد. لكني أخالفه الرأي، لقد واجهت صعوبة بالغة في قراءة كافكا وأنا أتناول كوب الشاي مع قطعة خبز كل صباح. قصص كافكا مليئة بالعذاب، بوصف الجروح، بالارتباك، بالسادية والمازوخية، والقسوة غير المبررة، وتظهر في قصصه القوارض والخنافس، وحتى النسور، وكائنات بشعة أخرى. وتقف وراء هذا كله، خلفية من اليأس المطلق. هذه ليست طريقة أريد أن أبدأ بها يومي. وكافكا أيضًا لن يوفر لك القراءة المريحة التي تحلم بها قبل النوم”.

كاتب غير معروف يقول: “لتصبح ذكيًا، تحتاج لقراءة عشر كتب فقط؛ لكن للعثور على تلك الكتب العشرة، فأنت بحاجة لقراءة آلاف الكتب”. هي القراءة الأشبه بضرب الرمل، ما نقرأه في العشرين لن يكون هو نفسه في الثلاثين، وما نقرأه لحظة الولاء السياسي لن يكون نفسه حين نستيقظ من الحمى الثورية، تتراكم القراءات ويتغير المزاج وتتحول بعض الكتب نوعاً من اجترار وتكرار. الروائي الأميركي وليام فوكنر كان يوصي “اقرأ، اقرأ، اقرأ. اقرأ كل شيء، القمامة والكلاسيكيّات، الجيدة والسيئة، وراقب كيف تفعل ذلك، تمامًا مثل النّجار الذي يعمل كمتدرب حتى يتدرج ليصبح الرئيس، إقرأ ثم عليك أن تستوعب ثم تقرر إذا كان ما تقرأه جيّدًا، عليك معرفة ذلك. وإذا لم يكن كذلك، فإرمِه من النّافذة”. وفلوبير الذي احب قراءة دون كيشوت وفيكتور هوغو، أبدى في رسالة كتبها لعشيقته، الملاحظة التالية: “كم نزداد علماً إذا اقتصرنا على المعرفة الجيدة والدقيقة لخمسة أو ستة من الكتب”. الروائي الفرنسي أمين معلوف يزيد من عدد الكتب، ويعتبر أنه “إذا قرأت قراءة فعلية، أربعين كتاباً حقيقيّاً خلال عشرين عامًا، فبوسعك مواجهة العالم”. هكذا تختلف الأمزجة والمواعظ والاستنتاجات. ماركيز الذي عشق “ألف ليلة وليلة” ورواية “نور في آب” لوليم فوكنر، و”الجميلات النائمات” لكواباتا، و”المسخ” لكافكا، حكمته تقول: “يجب أن نقرأ فقط الكتب التي تجبرنا على أن نعيد قراءتها”…

بورخيس

الشاعر الارجنتيني بورخيس، كان المثال الأبرز على القراءة بين الأدباء في العالم. أبصر العالم مكتبة، وتخيّل الفردوس كذلك، وهو الذي ينصح: “لا تقرأوا أي كتاب لأنه مشهور أو حديث أو قديم، إذا كان الكتاب الذي تقرأونه مملاً فاتركوه، حتى ولو كان الفردوس المفقود أو دون كيخوته.. إذا شعرتم بالملل من أي كتاب فاتركوه.. فهذا الكتاب لم يؤلف من أجلكم. يجب أن تكون القراءة أحد أشكال السعادة الخالصة، ولذا فإني ألقي بوصيتي الأخيرة إلى جميع قرائي الحاليين والمستقبليين، بأن يقرأوا كثيراً، ولا يغتروا بسمعة كاتب ما.. اقرأوا من أجل متعتكم، ولأجل أن تسعدوا فهذه هي الطريقة الوحيدة”. يقول الكاتب أندريه موروا: “مصادر بورخيس لا تعد ولا تحصى كما أنها غير متوقعة، فقد قرأ بورخيس كل شيء، وخاصة ما لم يعد يقرأه أحد: القبالانيين، الإغريق السكندرين، فلاسفة القرون الوسطى. واطلاعه ليس عميقًا – فهو لا يطلب منه سوى ومضات برق خاطفة وأفكار – لكنه هائل الاتساع”. ويضيف موروا: “كان كافكا سلفاً مباشراً لبورخيس. وكان يمكن أن تكون “القلعة” لبورخيس، لكنه كان سيضغطها في عشر صفحات. أما أسلاف كافكا، فمن دواعي سرور اطلاع بورخيس الواسع أن يجدهم يتمثلون في زينون الأيلي، وكيركغارد، وروبرت براونغ”. كان بورخيس قارئاً موسوعياً. مَن يقرأ محاضراته، يشعر أن في كل محاضرة مكتبة من الأسماء والعناوين، وكذا الأمر في قصصه. لكن هل يمكن لقارئ عادي أن يكون مثل بورخيس؟ فكل نص نقرأه لبورخيس يجب ان نقرأ بموازاته مكتبة من الهوامش والحواشي والاستدراكات.

كانت علاقة الروائي الايطالي، أمبرتو إيكو، بالكتب والقراءة، علاقة مثمرة ومثالية. إذ يملك مكتبة شخصية من 50 ألف كتاب، وكان يميز بين زوار مكتبته نوعين من الناس: أولئك الذين يفاجأون بمكتبته متسائلين: “هل قرأت كل هذه الكتب سيد إيكو؟”، وهم الغالبية. أما الفئة الثانية فيعتبرها أقلية صغيرة جداً، وهم الذين يعرفون أن المكتبة الخاصة ليست أداة لتضخيم الذات وإنما هي أداة بحث. يعتقد إيكو أن الكتب التي قرأناها هي دائماً أقل قيمة من تلك التي لم نقرأها بعد. لهذا يجب على مكتبتك الشخصية أن تحتوي الكثير من الكتب التي لم تقرأها ولم تعرف عنها شيئاً بعد، تماماً كما يجب أن تكون مصادرك ومدخراتك المالية متعددة. فمع تقدمك في السنّ تزداد معارفك وتزداد كتبك ويزداد كذلك عدد الكتب غير المقروءة على رفوف مكتبتك. فكلما عرفت أكثر، كلما زادت صفوف الكتب غير المقروءة لديك!

قبل الموت

أي كتاب نقرأ؟ سؤال أشبه بمتاهة، وهو يتضمن عشرات الأجوبة على عالم غامض وساحر وممل وجدير بالاهتمام… كتّاب وصحف ومواقع الكترونية، ينصحون بكتب قبل الموت. نشرت جريدة “إندبندنت” البريطانية قائمة بــ25 كتاباً يجب قراءتها قبل الوفاة، وقدمتها بالعبارة التالية: “الكتاب الأفضل هو الذي يلتصق بذهنك لفترة طويلة بعد الانتهاء من قراءته، بعض الكتب يمكنها أن تغير نظرتك للحياة”، ومنها “1984” لجورج أورويل، و”فرانكشتاين” لماري شيلي، و”المحاكمة” لفرانز كافكا… الفائز بجائزة نوبل في الآداب ماريو بارغاس يوسا، القارئ النهم، ينصح بقراءة تسعة كتب ضرورية قبل أن تموت: “السيدة دالوواي” لفرجينيا وولف، “لوليتا” فلاديمير نابوكوف، “قلب الظلمات” جوزيف كونراد، “مدار السرطان” هنري ميلر، “سيارة العقيدة” إلياس كانيتي، “غاتسبي العظيم” سكوت فيزتجيرالد، “الدكتور زيفاكو” بوريس باستيرناك، “غاتوباردو” جوزيبي توماسي لامبيدوزا، “آراء مهرج” هينريش بول…
_____
*المدن

شاهد أيضاً

الفلاسفة والحب: الحب من سقراط إلى سيمون دي بوفوار

خاص- ثقافات *فرح بيبورش ماري لومونييه Marie Lemonnier وأود لانسولان Aude Lancelin، صحفيتان تخصصتا في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *