الرئيسية / مقالات / البيزنطي الأخير
يوسف غيشان

البيزنطي الأخير

خاص- ثقافات

*يوسف غيشان

بعد اجتماع مطوّل مع حالي، قررت أن اترك ورائي آثارا تشابه الآثار الرومانية و البيزنطية .

  كان عمري آنذاك فوق الخامسة  واقل من  العاشرة  لكني لا اذكره  تماماً.

بيتنا يجيء وسط حارة حبلى بالفسيفساء ، وكانت مريم ام خنانة لا يحلو لها سوى( تقبيع ) الفسيفساء الملونة من اللوحات مباشرة لتلعب ( الزقطة ) مع حالها ، لأن لا احد كان يرضى أن يلعب معها .

  وعلى قاعدة ما حدا أحسن من حدا ،وبثقة بالذات مبالغ فيها ( قليلاً ) قررت بسبق اصرار وترصد رسم لوحة فسيفسائية  وادفنها في التراب لتكتشفها الأجيال القادمة وتشير إلى نسلي بالبنان ( وليس بغيره ) !!

  هكذا شرعت في تفتيت ما تيسر لي من ( ديكان ) و بسرقة بعض ( ديكان) مريم تحت شعار الادعاء بأني ألاعبها، ولم يكن يهمها ذلك في الواقع إذ  كانت غالباً ما ( تغير) على أول لوحة فسيفسائية  و تعوض النقص الحاصل في ديكانها!!

للعلم كنا نسمي تلك الحجارة  المكعبة  ( ديكان )  ولا اعرف لماذا طبعاً !!

وهكذا رسمت لوحتي الخاصة مستخدماً أسلوب الفن التجريدي دون أن اسمع به .. مجرد حجارة ملونة متلاصقة .. ( عفوية الفن ،وعبقرية البساطة ) ثم دفنتها في وسط الحوش الذي كنا نربي فيه الدجاج والأرانب والحيايا .

تلهيت عن لوحتي الفسيفسائية حتى المساء ونمت احلم بالشهرة والمجد والسؤدد . وفي الصباح قمت مبكرا لأتفقد لوحتي .

كانت الدجاجات قد خرجت أبكر مني ونبشت الحوش ونثرت ( الروث ) في كل مكان ، لكن ذلك لم يمنعني من نبش التراب بحثاً عن اللوحة .

نبش هنا .. هناك ..على اليمين ..على الشمال فوق تحت ، بالطول ، بالعرض .. بحثت في كل سنتمتر في الحوش لكني لم أجد اللوحة .

هل سرقها الأعداء ، هل خشي البيزنطيون على سمعتهم فاختلسوها ، هل وجدتها مريم ام خنانة وأعادت ( تدويرها ) ؟!

لم أتوقف عن البحث منذ ذلك الزمن العتيق لكني لم أجد شيئا .

نهاية السبعينات وقد صرت شابا، قررنا أن نهدم البيت القديم ونبني بيتاً جديدا .. جاءت الجرافات ونبشت الحوش ،وكادت الجرافة أن تقتلني وأنا اتابعها لعلي اعثر على لوحتي .

لم اعثر على شيء.. وما زلت مستمرا في التنقيب ، وأنوي الاستمرار في البحث عن لوحتي الفسيفسائية حتى اتركها للأجيال القادمة!!

_________
*كاتب أردني

ghishan@gmail.com

شاهد أيضاً

27qpt998

ذاكرة الرواية العربية مرة أخرى؟

*واسيني الأعرج الكثير من المقالات نزلت مؤخراً، كرد فعل على مقالتي السابقة: «ذاكرة الرواية العربية». …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *