الرئيسية / إضاءات / سلافوي جيجك: أكتب بتلقائية مع أنني لا أحب الكتابة
_99448_aa3

سلافوي جيجك: أكتب بتلقائية مع أنني لا أحب الكتابة

*سعيد خطيبي

  • سلافوي جيجك، وُلد وكبر ودرس في العاصمة ليوبليانا. هذه المدينة المعروفة بصخبها الهادئ، المُحاطة بأنهار وبحيرات وبتاريخ طويل من السّلم، قضى فيها حياته. مع ذلك، هو لا يحبّ هذه المدينة، بل يمقتها!.. «أنا شخص غير اجتماعي. انطوائي. مثلاً، لم يسبق لي أن زرت القلعة التّاريخية في وسط ليوبليانا. لا أعرف أحياءها كما يجب. ببساطة، لا أحبّ هذه المدينة. أحمل أغوروفوبيا مزمنة. لا أخرج إلى الشّارع إلاّ نادراً. أقضي وقتي في البيت، في القراءة أو في مشاهدة الأخبار أو في تصفّح الإنترنت، ومطالعة الصّحف. الهاتف الجوّال أيضاً يُضايقني. لا أستخدمه سوى في الضرورة». أسأله «لكنك موظّف في قسم الفلسفة، في الجامعة؟». يجيبني «صحيح، ولكنّي أعمل بصفة باحث ولست مُدرّساً. تخيّل أني لم أضع قدمي في جامعة ليوبليانا منذ ستّ سنوات!».

     

    هكذا إذن، يعيش جيجك، ملهم كثير من الحركات الاحتجاجية في العالم، في عزلة اختيارية، ناصباً جداراً بينه وبين الأوساط الفكرية في بلده، وفي أوربا إجمالا، لا يستقبل أحداً في بيته سوى عائلته الصّغيرة وبعض الرّفاق اليساريين القدامى. ويُضيف ساخراً «دانتي لم يكتب عن الجحيم سوى لمّا زار مغارات بوستونيا في سلوفينيا!». هذه العزلة لا تقطعها سوى سفرياته العلمية إلى الولايات المتحدة الأميركية عادة، وبعض السّفريات السّياحية، إلى دبي أو سنغافورا أو كوبا.

    لكن، في الوقت الحالي، هذه السّفريات صارت لا تغريه كثيراً، يقول عن ذلك «في السّابق، كنت أحبّ السّفر مع ابني -هو أيضاً دارس جيّد لجاك لاكان مثلي أنا- لأكتشف مدناً، وأهمّ ما أقوم به هو أن أشتري قرصا مضغوطا لموسيقى البلد الذي أزوره، أو أدخل قاعة سينما لمشاهدة فيلم محلي. الآن الموسيقى والأفلام صارت متوافرة على الإنترنت، نيويورك نفسها صارت لا تغريني، العالم بات متشابها ومملاً».

    لحظتان حاسمتان صنعتا حياة سلافوي جيجك: اختياره دراسة الفلسفة، وهو مُراهق في السّابعة عشرة، ثم تجربته الفاشلة في السّياسة، التي جعلته يُراجع مسلمات قديمة، ويُفكّر في نقد جديد لليسار التّقليدي. بدأ من تأثّره بالفلسفة الفرنسية، ومن قراءاته للمحلّل النفساني جاك لاكان(1901-1981).

    لينضم في أواسط العشرينات من عمره إلى الحزب الشّيوعي السّلوفيني، ثم يتعرّف، في أوائل الثمانينات من القرن العشرين، في باريس على جان آلان مييار (صهر جان لاكان، والمختصّ في فرويد)، ويتمّ دكتوراه ثانية في السّوربون (1986)، ويعود إلى سلوفينيا، برغبة في بعث نقاشات فلسفية جديدة، لكن البلد كان يعيش وقتها تحوّلاً جذرياً، فقد استقل عن يوغسلافيا (1991)، وعرف أول انتخابات رئاسية، ترشّح لها سلافوي جيجك، وهو في الثّانية والأربعين من العمر، متحمساً وغير مكتمل النّضج السّياسي، انتهت بفشله –طبعاً- وقراره الرّاديكالي بعدم ممارسة السّياسة مجدداً، ومقاطعة السّياسة والسّياسيين في بلد الأمّ.

    العزاء الوحيد له، في تلك الفترة، كان صدور التّرجمة الإنكليزية لكتابه الأوّل «العنصر الأسمى في الأيديولوجيا»، الذي جعل منه اسما محترماً في الدّوائر الفلسفية الأوروبية، والأميركية، ومرادفاً للجدل. «الجدل» و«إثارة الإشكاليات» هما خاصيتان في سيرة جيجك الفلسفية. يقول لنا «البعض يعتبرني مجنوناً. ربما أنا كذلك. لكني أعتقد أنني شخص ساذج. أنا أكتب وأتكلّم مثلما أفكّر. أحياناً أُصادف زملاء لي، من مفكّرين أوروبيين، خصوصاً من اليسار، يتّفقون معي في آرائي في الخفاء، لكنهم يحاولون تحذيري من الحديث عنها في العلن!».

    يكتب جيجك في موضوعات راهنة كثيرة، يشعر بأنه معنيّ بالخوض فيها: عن العنف والتّسامح، عن نقد الماركسية ومواجهة الرّأسمالية، عن الهويات وما بعد الحداثة، التّطرف والأديان، عن النّساء والحركات النّسوية. كان صديقه المقرب الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز «1925-1995»، والآن يفضّل مصاحبة آلان باديو (1937-).

    سلافوي جيجك الفيلسوف والمحلل النّفساني، هو «سينيفيل» بامتياز. يُتابع ما يصدر في دور السّينما، والسّينما العربية أيضاً. أخبرني عن خيبته مما وصلت إليه السّينما المصرية من أفلام تجارية بلا معنى، ثم علّق مبتسماً «لحسن الحظّ توجد أم كلثوم التي تُعيدنا إلى مصر».. شغّل أغنية «الأطلال»، على الكومبيوتر، من قرص مضغوط اشتراه من رام الله، استمعنا -فقط- إلى مقطع من بدايتها، ثمّ شرعنا في هذا الحوار..

    الجديد: في العادة، أنت غزير الكتابة، والإصدارات سنوياً. يحصل أن تصدر ثلاثة كتب في سنة واحدة. هذا العام، اكتفيت بكتاب واحد، صغير الحجم: «صراع الطّبقات الجديد»..

    * سلافوي جيجك: أنا لا أحبّ الكتابة. رغم ذلك، أجد نفسي أكتب تلقائيا. أكتب في أيّ مكان: في قطار، في فندق، في قاعة محاضرات.. إلخ. في البيت، أجلس هنا في الصّالون (يُشير بإصبعه إلى ركن قصيّ لا توجد فيه سوى طاولة صغيرة، كرسي ولابتوب)، ومنذ بضع سنوات، صرت أكتب مباشرة على الكمبيوتر، دون ورق أو حبر. في الفترة الأخيرة، صارت تواجهني بعض المتاعب الصّحية: السّكري وتسارع نبضات القلب. بدأت أشعر بتعب، يحتّم عليّ التقليل من بعض العادات القديمة.

    العالم بعد ترامب

    الجديد: قدت في الأشهر الماضية حملة ضد الرّئيس الأميركي المُنتخب –حديثاً- دونالد ترامب! وصفته ﺒ«الانتهازي البذيء» وﺒ«الرّجل الببغاء»، وتأسّفت، في الوقت نفسه، من خيار الطّبقات الشّعبية، التي وجدت في ترامب ناطقاً باسمها. في الأخير، دونالد ترامب صار رئيسا لأميركا، وتحذيراتك لم تجد صدى لها..

    * سلافوي جيجك: في البداية، كنت مفزوعاً من فكرة أن يصير دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأميركية، واليوم يزداد فزعي من هذا الأمر، أكثر فأكثر. لكن بالمقابل، أنا متفائل من أشياء ثانوية أخرى، لكنها مهمّة. لقد فكّرت بيني وبين نفسي، وآمنت بأنه من المهمّ أن يفوز ترامب ويصير رئيساً، لأن هذا الأمر من شأنه أن يشكّل سبباً لإعادة التّفكير في اليسار الليبرالي. رأيي حول ترامب، والذي لم يتغيّر، لم يكن رأيي وحدي، بل كثيرون يُقاسمونني وجهة النّظر ذاتها. لا أريد أن أذكر أسماءهم -الآن- على التّحديد، ولكن العشرات من الأسماء المهمّة من اليسار، قالوا لي في الخفاء «سلافوي، نحن متّفقون معك، ولكن لا يجب أن نقول هذا الكلام في العلن». هذا أمر غريب، لكنه حدث فعلاً.

    من وجهة نظري، دونالد ترامب لا يمثّل سوى «أعراض مرض» هيلاري كلينتون. ترامب هو صورة عن الأعراض المرضية والقناعات الخاطئة التي يتمسّك بها اليسار الليبرالي. عادة، أنا لست رجلا لبقاً، أسمّي الأشياء بمسمياتها، مهما كان رأي مخالفاً للغالبية، لهذا كنت صريحاً في آرائي الرّافضة لترامب.

    فوز ترامب ليس سوى كشف للأعراض المرضية ولضعف ومحدودية اليسار الليبرالي الرّسمي الوسطي. أحبذ -دائماً- أن أستعيد مقولة الفيلسوف الألماني والتر بنيامين «خلف كلّ فاشية، هناك ثورة أجهضت». هذا هو التّناقض الكبير الحاصل اليوم في الغرب بأجمعه. في أميركا، النّاس لا يؤمنون بتغيير قريب، يفضّلون الاستقرار مهما كان، ويفكّرون بأن ترامب يمثّل حالة التّوافق المطلوبة.

    الجديد: صحوة اليمين في أميركا، وتراجع اليسار، قد يكون لهما انعكاس على أوروبا، بالدّرجة الأولى. في الوقت الحالي، تبدو فرنسا مهيّأة لتصير برئيس يميني، الرّبيع القادم!

    * سلافوي جيجك: بالتّأكيد. الآن، المشهد واضح في فرنسا. من المنطقي أن يدور الدّور الثاني من انتخابات الرئاسيات القادمة -ربيع العام 2017- بين مارين لوبان، زعيمة اليمين المتطرّف وفرنسوا فيون، الذي يمثّل -ظاهرياً- وسط اليمين. برأيي أن فرنسوا فيون أسوأ من مارين لوبان بكثير. هو كاثوليكي مُحافظ، يُدافع عن قناعات نيوليبرالية على الصّعيد الاقتصادي. هذه الحالة، تذكرني برواية خوسيه ساراموغو «بصيرة»: حيث يصوّت النّاس في مدينة بلا اسم بورقة بيضاء في انتخابات، بسبب عدم رضاهم عن البدائل.

    الجديد: برأيك أن هذا اليمين التّقليدي، المُحافظ والمعادي للأجانب، الذي استفاد العام الماضي من سوء تسيير ملف اللاجئين في أوروبا، لن يقدّم جديداً؟

    * سلافوي جيجك: قطعاً. لن يقدّم شيئاً ملموساً. ما حصل أن اليمين لم يطوّر أدواته ولا خططه في العقود الماضية. بل اعتمد طوال الوقت على استفزاز اليسار. زعماء اليمين المتطرّف يُحاولون كسب أصوات انتخابية بإخافة النّاس من موضوعات كالفاشية والعنصرية.. إلخ. ما يُمكن أن أؤكّد عليه فقط أن هذه الوضعية مثيرة فعلاً للحزن، ومخيفة في آن.

    في ظلّ توسّع نفوذ الرّأسمالية الشّمولية، التي تلتهم كلّ ما تمرّ عليه، توجّب أولاً حماية الدّولة، وتوفير استقلالية وسلطة كاملتين لها، لتستطيع الالتزام بدورها وتقديم الخدمات الأساسية للمواطن، مثل الصّحة والتّعليم.. إلخ. هذا الأمر الذي كان متّفقا عليه في السّابق، بات غير ممكن تماماً، لأن الرأسمالية صارت «عالمية»، وكل بلد يفكّر في عزل نفسه عنها سيسبب لنفسه مشاكل وأزمات.

    أمام هذا الوضع المعقّد، أنا لست أدعو إلى أن ننطوي على أنفسنا، بل يجب أن نفكّر في خلق نسخ مُقابلة للقوانين الرّأسمالية، للحدّ قليلاً من سطوتها. هناك دول قامت بالشّيء ذاته، قاومت -إلى حدّ ما- تغوّل الرأسمالية، مثل ماليزيا أو الصّين. لكن هذا الحلّ سيظلّ ظرفياً، والواجب هو التفكير بجدية في «أُممية جديدة». أممية جديدة من شأنها أن تنقذنا. أممية من يسار وسطي. ولا يجب أن تتبنّى الموضوع دولة واحدة لوحدها. كما كان سيحصل ربما في اليونان، وهو خيار كان سيقودها للخروج من الاتّحاد الأوروبي، وبالتالي إلى مزيد من الخسارات الدّاخلية والخارجية. كانت ستدخل اليونان كارثة إنسانية، فهي بلد فقير، يستورد 70 بالمئة من غذائه من الخارج.

    الجديد: أنت تقترح «أمميّة» تصحّح أخطاء الأممية العمالية اليسارية، أم في قطيعة معها، أم تقترح بديلاً آخر للعولمة، تحت مسمّى «الأمميّة»؟

    * سلافوي جيجك: ما أقصده من كلامي هو تأسيس «أمميّة» مضادّة للرّأسمالية الشمولية. أن نتّفق حول قانون اقتصادي دولي جديد، يضع في أهدافه الحدّ من قوانين الرأسمالية.

    الجديد: في ظلّ تواصل تغوّل الرأسمالية، وفشل اليسار في الحدّ –قليلاً- من سطوتها، ما هي التّطوّرات التي تتوقّعها في المستقبل القريب؟

    * سلافوي جيجك: الشّيء الحاصل الآن، والأكيد، والذي يمكن التنبؤ به من قراءة متأنية لتطوّرات الأحداث هو أننا نقترب فعلا من كارثة جديدة، قد تكون حربا جديدة أو أزمة أخرى، لكنها ستكون هذه المرّة أكثر تعقيداً. سنجد أنفسنا في مواجهة أزمة شاملة. ما يتراءى في الأفق هو أزمة شديدة، سنتورّط فيها، ستكون أكثر شراسة، وبتبعات أكثر من صراع الطبقات الذي كان في الماضي. نحن نقول مثلاً إننا في أزمة -في الوقت الحالي- لكن لا أحد مستعدّ لتقبل التّعامل مع الوضع.. العالم يسير ويفكر -تقريباً- بطريقة فوكايامية: بالاتكال على التّقشف وإجراءات لحظية لحلّ الأزمة. هذه الطّريقة لن تحمل حلاّ، هي أشبه بالمهدئات، لأن المرض مستمر.

    الإسلام وجها لوجه أمام الحداثة

    الجديد: في كتابك، الصّادر العام الماضي، عقب الاعتداء الإرهابي على صحيفة «شارلي إيبدو»، الذي حمل عنوان: «الإسلام والحداثة»، كتبت، لأوّل مرّة، بشكل موسّع عن الإسلام. على ماذا تبني قراءاتك للإسلام؟ من مجرد متابعة الرّاهن أم من قراءات للنّصوص الأساسية في الإسلام؟

    *سلافوي جيجك: بطبيعة الحال، أنا أتابع جيداً ما يحدث في العالم الإسلامي. لي أصدقاء في دولة مسلمة، أتناقش معهم، من حين إلى آخر، وأستمع لآرائهم فيما يتعلّق بالإسلام وبراهن الدّول الإسلامية. وأيضاً، أقرأ كلّ ما يتعلّق بالإسلام، مما كتبه مسلمون أو غير مسلمين. ربما ستتفاجأ لو قلت لك إنّ واحداً من الكتب التي قرأتها باهتمام -في الفترة الأخيرة- هو كتاب لسيد قطب. قرأت له كتاب «معالم في الطّريق». كما قرأت القرآن بالطّبع. ومهتمّ بقراءة نصوص تحليلية عن الإسلام، مثلاً ما يكتب الفيلسوف التّونسي فتحي بن سلامة.

    بالعودة إلى كتابي «الإسلام والحداثة»، يهمّني أن أوضّح بعض الأشياء. أنا لا أستسيغ هذه المواجهة المفتوحة بين الشّرق والغرب. هناك تعارض رهيب بين الشّرق والغرب. وما هو واجب علينا هو ابتكار تواصل بينهما. لا أريد أن أكرّر الكلام الذي يقوله الجميع بأن الإسلام كان جدّ متسامح!.. في القرن الثّامن عشر مثلاً، كان الأوروبيون مندهشين من التّسامح الذي وجدوه عند المسلمين في تركيا وفي المنطقة العربية. كان الجميع هناك يعيش في سلم: يهود ومسيحيون ومسلمون وغيرهم. هل تعلم أن دوتي بوكمان، الذي قاد ثورة الزنوج في هايتي عام 1791، لتأسيس أول دولة زنوج حرّة في العالم، كان يقرأ القرآن؟! كان القرآن كتابه المفضّل.

    ما يُعجبني في الإسلام، وأقرّ به: هو أنّه ليس دينا عائليا، ليس دينا تراتبيا، بل هو دين للمحرومين. محمد نفسه عاش يتيماً. هناك من يعتقد أن مفهوم «الأمّة» في الإسلام يطرح فكرة شمولية. كلا، فكرة «الأمة» هي فكرة جدّ مهمّة، تعني أن نشكّل فضاءً اجتماعياً، دون مرجعية عائلية واحدة، بعيداً عن التّقاليد الملكية القديمة التراتبية.

    شخصياً، واحد من مرجعياتي النظرية المهمّة هو مالكوم إكس، الذي اعتنق الإسلام، بعدما أعاد اكتشاف فكرة الأمّة. هو لم يضيّع وقتاً في البحث في تاريخ أصوله وأصول أقرانه الأفريقية، فهم أن البيض قد قطعوهم عن ماضيهم، لذلك، وجد عزاءً له في فكرة الأمة، باعتبارها مفهوماً جامعاً.

    أتّفق أحياناً مع جان كلود ميلنار -الذي له قناعات مُعادية للإسلام- حين يقول إنه يجب على الليبراليين ألاّ يُعاملوا العرب والمسلمين واللاجئين خصوصاً كضحايا سلبيين! حتى داعش، وما تقوم به، هي ليست سوى ردّة فعل. لا بدّ ألاّ ننسى أنه إلى غاية السّبعينات من القرن الماضي، كان يوجد يسار عربي جدّ قوي، لائكي ومسلم. الشّيء المحزن اليوم في البلدين اللذين هما بصدد التغيير أو الاختفاء: العراق وسوريا، أنهما كانتا من أهمّ الدّول اللائكية. طارق عزيز وزير خارجية صدام حسين كان مسيحياً، وكان يوجد تسامح مع الاختلاف. هذه هي المفارقة السّياسية التراجيدية، التّدخل الأميركي في العراق حطّم أشياء كثيرة مهمّة.

    الجديد: هذا الإسلام «المُتسامح» إلى غاية أزمنة حديثة، تغيّر كثيراً، صار عنيفاً، ويرّوج للجهادية، ليس فقط الجهادية في أرض الإسلام، بل أيضا في أميركا وأوروبا..

    * سلافوي جيجك: الإسلام دين سياسي بامتياز. لم يكن، في تاريخه، دينا شبيها بالديّانات الأخرى، لم يعزل السّياسة في إطار خاص. أعتقد أن الشّيء المهم في الحديث عن الجهادية، هو ما يذهب إليه آلان باديو، وأتّفق معه في وجهة النّظر: الجهادية ليست ظاهرة قديمة من التّقليد الإسلامي ولا علاقة لها بالماضي، هي ظاهرة عصرية، ردّة فعل عن العولمة الرأسمالية. لنأخذ مثالا من الدّولة الإسلامية في العراق والشّام، أو ما يُصطلح على تسميتها ﺒ«داعش»، هي نموذج عن ردّة فعل. المضمون الدّيني في الداخل ليس سوى قناع. قناع يحجب رؤية سياسية رعناء مابعد حداثية. وهي ما يمثّل جانب «البيزنس» في الدّولة الإسلامية. مهما اتّفقت دول غربية على محاربة داعش، لا بدّ أن نستوعب أنها ليست من التّقاليد الإسلامية، هي ردّة فعل ضدّ العولمة الغربيّة. ثم لنتّفق أيضاً على أن الإرهاب والأصولية ظاهرتان عالميتان. في الولايات المتحدة الأميركية، مكتب التّحقيقات الفيدرالي «أف. بي. أي» يُراقب حوالي 2 مليون شخص باعتبارهم يشكّلون خطراً على الحياة العامة، 2 مليون أصولي مسيحي.

    بالنّظر للكمّ الهائل من التّنظيرات الجديدة حول الإسلام في الغرب، أتحسّس أن هناك توجّها نحو إعادة قراءة الثقافتين الإسلامية والعربية، وإعادة تحليل النّصوص الأساسية لفهم أسباب العنف. هذا خطأ. سنجد العنف نفسه في أديان أخرى، لا يوجد دين صافٍ، بما في ذلك البوذية، التي يروّج البعض لها باعتبارها دين تسامح! في البوذية أيضا سلوكات عنيفة: في سريلانكا، في تايلاند، في نيبال.. إلخ.

    السّؤال الجوهري ليس عن الإسلام وعن مصادر العنف فيه، بل السؤال يتوجّه نحو فهم ماذا يوجد في الرّأسمالية الشمولية وتحليل حالاتها المرضية التي تدفع بالناس لتبني خيارات أصولية. لنأخذ حالة فرنسا، حيث كثر الحديث عن التطرّف الإسلامي. سنجد أن غالبية الشّباب الذي يتبنّى الفكر الجهادي هم من الجيلين الثاني أو الثالث من المهاجرين. من جيلين كان آباؤهم مندمجين في المجتمع الفرنسي. والأبناء وُلدوا وكبروا في فرنسا، إذن المشكلة ليست في عدم قدرتهم على الاندماج مع مجتمع أوروبي.

    آلان باديو أصدر هذا العام كتابا بعنون «الحياة الواقعية»، حيث يصف بشكل جيّد ما يحصل اليوم. نشهد أزمة للعائلة البطريركية في الغرب. لست مناصراً للبطريركية، لكن الشّيء الجديد والأسوأ، كما يعبّر عنه باديو، أن الرجل كان في الماضي يُبادر للفعل في الحياة: تعليم، خدمة عسكرية، العمل، تشكيل عائلة.. إلخ. هذه المبادرات بدأت في التّقلص. الخدمة العسكرية الإجبارية انتهت، التّعليم متذبذب.. هذه الأزمة شكّلت سوء فهم، والنّساء صرن أكثر نضجاً. تجد أن من يحمل دبلومات ويشغل مناصب عالية هنّ البنات، والمجرم أو المنحرف هو الابن. هناك نوع من التحوّل الأنثوي في السّلطة.

    الجديد: أنت تبرّئ التّاريخ الإسلامي، وما حصل فيه من فظاعات في الماضي، مما يحدث من عنف باسم الإسلام اليوم؟

    * سلافوي جيجك: برأيي، لن ينفعنا البحث عن أسباب الأصولية، في الدّول العربية، في القرآن، ولا في النّصوص التي تلته. سنجد في كلّ الأديان وفي كلّ الكتب السّماوية عنفاً مماثلا. الأزمة الحقيقة هي في الرّأسمالية الشّمولية، هذا هو حقل البحث الأساسي للتحليل النفسي.

    الجديد: تبدو كما لو أنّك تقول إنه من اللازم عدم التّخلي عن النّموذج البطريركي، والدّفاع عنه..

    *سلافوي جيجك: نعم. النّساء اليوم يشغلن مناصب عليا في المجتمع وفي السّلطة، من موظفات ساميات إلى مديرات ونجد بعضا منهن في منصب رئيس أو وزير أوّل، هذا التّحوّل ليس سوى جزء من صناعة رأسمالية خالصة. الرّأسمالية تستخدم خاصياتها الأنثوية بغرض تحقيق أهداف سياسية. كما لو أن السّلطة الرّأسمالية توزّع الخدمات والأدوار على النساء لتحقّق مكاسب لها من ورائهن.

  • غزو اللاجئين للدول الاستعمارية

    الجديد: أثرت جدلاً، هذا العام، بأحاديثك في موضوع اللاجئين في أوروبا.. ألا تعتبر أن هذا اللجوء ليس سوى نتيجة «متأخّرة» من نتائج الاستعمار الأوروبي، في العالم الثالث عموماً، والدّول العربية تحديداً؟ يبدو أن المستعمرين القدامى تبرؤوا من واجبهم أمام الوافدين من المستعمرات القديمة..

    * سلافوي جيجك: صحيح. أتّفق مع قولك. هي أيضا ظاهرة ناتجة عن تحوّل ما حصل. طبعاً، لا يوجد الآن استعمار مباشر، بل هناك استعمار اقتصادي أرعن وطائش، في العالم الثّالث. النّموذج الأمثل عن كلامي هو دولة الكونغو الديمقراطية. هي دولة ظاهرياً، لكن في الدّاخل لا توجد دولة بمعنى الكلمة. بلد يعيش في ظلّ فقر وحكم الجماعات المسلّحة. ذلك، لأن الكونغو الديمقراطية مورّطة كليّة في السّوق الاقتصادية العالمية: فهي تتوافر على إمكانات زراعية، وعلى مواد باطنية مهمّة، مثل الألماس، الذهب والنّحاس والبترول. وهذا الوضع قد نجد شبها له في أمكنة كثيرة أخرى.

    يبدو أن بعض المستعمرّات القديمة لم تتحرّر قط. خصوصاً حين نعرف أن دولا عربية أو آسيوية تشتري أراضٍ زراعية فيها، خصوصاً في أفريقيا، في الصومال مثلاً، لتوفّر زراعة غذائية لها، وتبقى تلك الدّول -بالتالي- تحت سيادة أجنبية.

    نحن نعلم أن المستعمر القديم ارتكب فظاعات. في الهند، على سبيل المثال، لم يعد خفياً على أحد المجاعات التي حصلت في الماضي. اليوم الاستعمار الاقتصادي يكرّس الفوضى التي تُضاف إلى الصّراع الجيوسياسي الحاصل. لو عُدنا إلى التّدخل العسكري في ليبيا، سندرك أن العقيد معمر القذافي كان محقاً في كلامه. في أيامه الأخيرة، كان يُحذّر أوروبا من النّتائج المحتملة من الحرب على ليبيا، وتحذيراته صارت واقعاً. ويحصل الأمر نفسه في سوريا والعراق. إنها جريمة قام بها الغرب.

    برأيي، من الخطأ أن نحصر ما يحصل في فظاعات في مسألة إنسانية. الحلّ الوحيد للخروج من الأزمات التي نحن فيها هو إعادة التّفكير في الإحداثيات الجيوسياسية العامّة. الغرب يتدخّل كثيراً، بشكل مبالغ فيه، في دول عربية، وعالمثالثية. لاحظ ما يحصل في حلب. في سوريا عموماً، هي حرب مفتوحة على كلّ القوى.

    الجديد: كسبت خصوماً جددا لك، حين طرحت مفهوم «عسكرة اللاجئين»، وهو مصطلح أثار جدلا وما يزال، تحوّل إلى سوء فهم. ماذا كنت تقصد من هذا المفهوم تحديدا؟

    *سلافوي جيجك: لم أقصد من مفهوم «عسكرة اللاجئين» أن نستخدم العسكر لحماية حدود أوروبا، كما فهم البعض. طريقة التّعامل مع ملف اللاجئين كانت كارثة. كانت الشّاشات تتناقل صورا ولقطات لمئات الآلاف من الأشخاص وهم يعبرون حدود دول أوروبية، بطريقة فوضوية. وهو ما استغله اليمين لكسب نقاط إضافية له في العمليات الانتخابية. من جهتي، كنت أدعو إلى تدخّل العسكر لتنظيم حركة اللاجئين، ووضع سبل من شأنها أن تسهّل عملية تنقلهم.

    أنا أرفض الممارسات التي تُفرض على اللاجئين، المحاورات التي يخضعون لها -باستمرار- تحت حجّة مُحاولة فهم مدى ملاءمتهم للثّقافة الأوروبية وللدّين المسيحي.. إلخ. هذه ممارسات لا تعجبني. الطّريقة الكارثية التي تعاملوا فيها مع اللاجئين ساهمت في إنعاش العنصرية المضادّة للاجئين وكره الأجانب. كان يمكن تجنّب الأمر بتنظيم العملية، بشكل أكثر عقلانية. لاحظت في كثير من المرّات التّقسيمات التي فُرضت على اللاجئين أمام إدارات أوروبية: هذا سوري يحمل شهادة جامعية، إذن له قابلية للاندماج، هذا من أفغانستان إذن يجب عزله عن البقية.. مع ما حصل، مطلع السّنة الماضية في كولونيا بألمانيا، كان من الأفضل دعوة البعض من اللاجئين للتّلفزيون مثلا للحديث إليهم ومنحهم فرصة لعرض وجهات نظرهم. المشاكل الحقيقية يجب مواجهتها، بشجاعة وواقعية.

    هناك من يعتقد أن اللاجئين في أوربا أناس غير متحضّرين. هذا الأمر ليس يخصّ اللاجئين العرب وحدهم، لقد شاهدت بنفسي حالات شاذّة من مهاجرين مكسيكيين في كندا، شاهدت عنفهم الذي لا يتصوّره عقل ضد النّساء. برأيي، أوروبا بإمكانها استقبال عدد أكبر من اللاجئين العرب، دون مشاكل، لو فكرت فقط في تنظيم العملية، بشكل مختلف.

    الجديد: اللاجئ المُسلم حين يصل إلى أوروبا، بعد رحلة شاقّة، ومميتة أحياناً، سيجد نفسه عرضة للكليشيهات، والقوالب الجاهزة، للسّخرية وللنّكت، كما لو أنه نسخة مُطابقة للمهاجر اليهودي في أوروبا بداية القرن العشرين.

    * سلافوي جيجك: هذا صحيح إلى حدّ بعيد. مع أن اليهودي كان ينظر إليه كعدوّ داخلي. شخصياً، لا أحبذ هذا المنطق التّعاطفي السّلبي مع اللاجئين، ولا أتّفق مع من يُنادون لضرورة فهمهم ودمجهم، وغيرها من المرادفات السّلبية. هذا استفزاز ليبرالي لا أكثر. بالنّسبة إليّ، التّسامح الأصلي بين الثّقافات هو أن نتقبّل الآخر دون أن نحبّه بالضّرورة. أن نتقبّل العيش معه. إذا وافقنا منطقهم هذا يعني أننا إذا لم نفهم اللاجئين يعني سنطردهم! كلا. ليس مهماً أن نفهمهم، بل يهمنا أن نتعايش معهم وفقط. التّعدّد الثقافي يعني أن نفرض فضاءً مشتركا، يمكن أن نضع فيها الحدّ الأدنى من الشّروط لا أكثر، لا يجب أن ننسى أن في أوروبا نفسها هنالك أوساط تتعامل بأصولية أكثر مع حرية المرأة مثلاً. ما ألاحظه أن هناك معاملة مُهينة للاجئين تفتح المجال للعنصريين وللمعارضين للاجئين.

    الجديد: بعض الحكومات الأوروبية تحدّت الشّروط الدّاخلية، وسارت عكس رغبة الغالبية، واجهت العنصرية، وتبّنت مواقف إيجابية في التّعامل من اللاجئين، في ألمانيا مثلاً.

    *سلافوي جيجك: أحب كثيراً أن أعود إلى مثال أنجيلا ميركل في ألمانيا. كانت صريحة، منذ البداية، ورحّبت باللاجئين. كان قرارها مضاداً لرغبة الغالبية من الشّعب الألماني. لو أنها نظمت استفتاءً في البلد، قبل أن تتّخذ قراراً باستقبال اللاجئين، فإن 60 بالمئة من الشّعب -على الأقل- كانوا سيصوّتون ﺒ«لا»، كانوا سيرفضون استقبال اللاجئين. مع ذلك، أنا في صفّ أنجيلا ميركل. هذه هي الممارسة السّياسة الحقيقية، أن نذهب عكس الدّيمقراطية في مفهومها التّقليدي، أن نقوم بفعل شيء ضدّ الرأي العامّ، والرّهان هو أن نستطيع إقناع الغالبية بقراراتنا مع الوقت.

    الجديد: العدد الأكبر من اللاجئين من أوروبا، يأتون من سوريا. بحسب إحصائيات رسمية: 30 بالمئة من مجمل اللاجئين في أوروبا هم سوريون. ففي سوريا توقّف قطار الرّبيع العربي، وصار البلد أرضا مفتوحة على كلّ الحروب..

    *سلافوي جيجك: هذا الأمر لا يُفاجئني. أن تفشل الثّورة في سوريا فذلك يرجع لعوامل عدّة. في أميركا نفسها، النّخبة من الطّبقة الوسطى بإمكانها إطلاق ثورة وتهيئة الأسباب لها، لكن لا يمكنها أن تقوم بالأمر ولا بإنجاحه لوحدها. الحال نفسه في تركيا، لقد شاهدنا، منذ سنوات قليلة، مُظاهرات كبرى في ميدان «تقسيم»، لكلّ الغالبية من الشّعب آنذاك، الغالبية الصّامتة، كانت تقف في الصّف المقابل، مع أردوغان. ما يحدث في سوريا لا يتعلّق بسوريا وحدها. هي وضعية تراجيدية. هي أرض حروب لفرسان كثر. مختلفون. أنا متشائم إزاء مستقبلها.

    الجديد: في مصر وتونس أيضاً، الرّبيع العربي لم يبلغ غاياته كاملة، مع عودة الجيش ووجوه النّظام القديم للحكم، اليمن ترزح تحت حرب، وليبيا مقسّمة..

    *سلافوي جيجك: أظن من المُبكّر الحديث -الآن- عن فشل أو نجاح الرّبيع العربي. لكن، الشّيء الأكيد أن من محصلات حرّاك الشّعوب العربية هو ظهور نوع جديد من الوعي أو الاستيقاظ المدني، الذي سيترك أثراً يستمر مع الزمن، مع صعود حركات من النساء، ومن الطلبة ومن شرائح اجتماعية أخرى. بالتّالي، هذا الأمر يجعلنا نتفاءل قليلاً.

    قد يذهب البعض نحو إعلان فشل الرّبيع العربي بالإشارة إلى حالة داعش. هذا التّنظيم من المُمكن القضاء عليه في أسابيع لا أكثر، لكنهم يتسامحون معه لأن هناك -ربما- خطراً من إيران، غير مصرّح به علناً.

  • ___
    *المصدر: العرب /ينشر الحوار بالاتفاق مع “الجديد” الشهرية الثقافية اللندنية .

شاهد أيضاً

image

الموت يغيِّب الكاتب والقاص خليل قنديل

خاص- ثقافات فقدت الأوساط الثقافيّة الأردنيّة والعربيّة، مساء الأربعاء 26/4/2017، الكاتب والقاص الأردني خليل قنديل. …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *