الرئيسية / مقالات / حين يُختصر العالم في شاشة!

حين يُختصر العالم في شاشة!

خاص- ثقافات

*د. رضوى زكي

في صباح يوم جمعة من أيام الشتاء الثقيل .. ظهرت الشمس أخيرًا تداعب وجهي، بداية مبشرة ليوم جديد أتطلع فيه لإنجاز مهامي وواجباتي. أبحث عن شريكي ورفيق دربي؛ جهاز حاسوبي المتنقل صديقي الصامت في هذه الحياة. أتفقد جهازي كالمعتاد في كل يوم، فأضغط على زر تشغيله الذي يعيد إليه الحياة بلمسة من أصابعي… فأجده هذا الصباح مضربًا عن العمل، راقد بلا حراك! هذه ليست المرة الأولى، وبالطبع لن تكون الأخيرة، التي تحدث فيها مشكلة ويتوقف حاسوبي عن العمل فجأة، ليست هنا الإشكالية، فكل مشكلة تقنية ولها مهندس يعكف على حلها .. غياب الحياة عن تلك الشاشة أثار حفيظتي، وقلب مزاجي الرائق، وذهب بكل خطّط اليوم في لحظة.

ليت الأمر منحصرًا في انجاز بعض الأعمال والمهام؛ بل كانت المعضلة شعوري الجارف بالغربة والوحشة، ولما كان الصمت والسكون يُلف المنزل الهادئ في الصباح، فيما خلا من زقزقة الطيور النشيطة على عاداتها، التي تستيقظ مبكرًا مثلي لتقابل العالم بأمل جديد، علا صوتها كأنها قررت أن تؤنسني. وجدت نفسي مدفوعة إلى التفكير مليًا؛ كيف لهذه الشاشة أن يكون لها على شخصي هذه السطوة المرعبة، وعلى حياتي ومزاجي بالتبعية؟

توالت الأسئلة في رأسي سؤالاً يجر أخيه بلا رحمة؛ متى تجسد في هذه الشاشة عالمًا حالم بنيته ورسمت طريقه وتصورت فردوسه؟ كيف سُرقت دون أن أشعر وتحولت أداة أمتلكها.. إلى غاية امتلكتني؟ هل هذا واقع الحياة الرقمية التي نعيشها.. أم أنا التي توحدت مع عالم صنعته بيدي بكل ما يحمله من رتوش وتفاصيل وعنفوان وأحلام؟ .. ففيه أقرأ وأكتب، وأتابع وأرصد، وأسمع للألحان وأطرب، أطالع ذكرياتي وصوري فيحدوني الأمل في غدًا أجمل.

أخشى يومًا أستغني فيه عمن حولي، واكتفي بعالمي وشاشتي الرفيقة … ماضية أنا في الطريق دون إرادة، تظهر الأعراض الواحدة تلو الأخرى دون هوادة، يغلفني الصمت الذي أصبح في يومًا وليلة ويستهويني… متى اختفي صخبي المعتاد .. ليسكن بدلاً منه أفكار وخواطر تضرب رأسي وتقودني إرادة؟ محلقة أنا في فضاءات عوالمي، ونوافذ أحلامي، فهل سأرضي يومًا استبدال عالم شاشتي بعالم آخر متزن؟ وأحيا حياة عادية … دون أن ألتصق بحاسوبي حد الإدمان ؟!

الأمر الجميل أنني حين استغنيت عن شاشتي لساعات قليلة رغم أنفي .. علا صوت أفكاري؛ فخرجت دون أن أشعر حروفًا على أوراق بخط يدي، وليست كلمات خلفتها لوحة مفاتيح جهازي في صفحة Word.

أصغيت لصوت الطبيعة ولامس عيناي نور الصباح، بدلاً من الموسيقي الصباحية المعتادة وإضاءة الشاشة التي تناسب مستوى بطارية الحاسوب.

حقًا هذه الشاشة هي نافذتي إلى العالم، حيث كل ما فيها من صنيعة عقلي وإرادتي … لا يمنع ذلك وجود عالم آخر ينبض بالحياة في نظري بعيدًا عن وقوعي تحت تأثير شاشتي السحرية. إذن؛ لم يكن الأمر بمثل هذا السوء يوم تعطل حاسوبي عن العمل .. فقد فتشت في جنبات روحي، وخطيت بقلمي حروفًا، وتنسمت هواء الصباح ممزوجًا برحيق الأمل وأصوات الطبيعة…. والأجمل من ذلك أنني أهديتك عزيزي القارئ الكريم هذا المقال وأقحمتك في أفكاري… وأكاد أراك مبتسمًا الآن وأنت تحاول أن تكّون صورة عني من وقع حروفي وكلماتي تلك… من خلف شاشتي وعالمي الافتراضي أتمنى لك أن تجد عالمك الذي تحلم به.
___
*- باحثة وكاتبة مصرية

شاهد أيضاً

خمسون عاما على السحر

*أمير تاج السر بداية شهر يونيو/حزيران هذا، مرت خمسون عاما على نشر رواية «مئة عام …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *