الرئيسية / خبر رئيسي / التنقيب عن وطن الحب

التنقيب عن وطن الحب

خاص- ثقافات

محمد امين بوالعواتك*

أقوى العلائق وأمتنها على الدوام تلك التي تنبع وتؤسس على الحب، فهي التي تدوم وتخلد ويصبح رسوخها وثباتها  والوفاء لها وبها مصدرا للخلود على مر الأزمنة  ،وكذلك تصبح وحيا متجددا لدفق الإبداع، و قيمة حيّة وممارسة يومية مهما اختلفت ظروف العاشقين نعيما أو هجرانا.

قالوا قديما: حبّك الشئ يعمي ويصم، لأن المحب لا يرى في محبوبه إلا الكمال، لذا قالوا أيضا:

   عين الصبّ عن كلّ عيب كليلة

   لكن عين السخط تبدي المساويا

 فالتأسيس الأتم  لقيم الولاء الحق والمدخل لسوح العطاء غير المشروط والاقتراب من بلاط القداسة حساً ومعنى في كل شيء لا يكون إلا بالحب.

فالحب هو طاقة الأكوان الكبرى، والانتباه لهذه الطاقة واستيعابها واعتناقها هو المدخل لجنان اليقين وأسرار النجاح وسوح النجاة من الآفات، لذا كان التوجيه من الأنبياء عليهم السلام  وتصويبهم للمسار نحو المجتمع الفاضل الذي درته الإيمان بالرسالات السماوية في قمتها وقدوتها وهم الأنبياء عليهم السلام، فلا يكتمل هذا الإيمان بل لا يكون الاّ بالحب (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ…)، ولعل الكثير من العنت وضياع الطريق إلى مقاصد الهدى في الأخلاق ما كان إلا بسبب مجافاتنا لهذا المشرب وهذه الطاقة العظيمة الكبرى واستبعاد تنزلاتها على كل المناهج.

طوال هذه العقود نحتفل بذكرى الاستقلال المجيدة ونمجّد بتقدير رواده وأدبياته ولا خلاف في ذلك، ونتغني كذلك بمجاهداتهم  وتراثنا الوجداني الذي أنتج في تلك الأيام الخالدة والذي كان يبشر بأيام قادمات ملؤها الحب والبناء، طال انتظارها و لم تأت حتى اليوم فلم نغادر محطة التغني باليوم نرفع راية استقلالنا وأحلام الضروريات عدا القليل المنقطع.

أتوقف كثيراً للتدبر وأتساءل الا نحتاج الى فتح المسار الى عمق جديد لهذه الطاقة الكبرى بعد كلّ هذه العقود والسنوات التي لا نزال نرواح فيها مكاننا بل والمحزن تغادرنا وتتسرب من بين أيدينا جغرافيا بحثت هي الأخرى عن إعادة تعريف جديد لكلمة استقلال  فورط بها المسار وهي بعضا من دواخلنا ووجداننا حتى اليوم، واني لأعجب من حديث مسؤول في الأيام الماضية يصنف ذلك إنجازا كبيراً  ويعيش هو كذلك في جغرافيا تختبر أوضاعا بالغة الدقة!!

أحد الأصدقاء والذي أعلم تماما مزاجيته الموغلة في (السوداناوية) والتي لا يوجد لها غيريه ، لا أزال أذكر صدى كلماته عندما جاءني زائرا ومودعا ( الوطن حال نفسية..وطني قلبي ) وهو اليوم رب الأسرة الكبيرة في تلك البلاد التي تموت حيتانها من البرد، ليست الجغرافيا هي فقط من يتسرب من بين أيدينا بل أعزّ ما نملك وهو الإنسان الذي هو ما يميز ويعرف هذه الأرض.

نحن بحاجه إلى إعادة إنتاج و تقديم للعديد من المعاني والمسميات بطاقة الحب حتى يتم الوصال مع طاقة الحب الكبرى التي تصنع التحولات العظيمة في الأفعال  التي ستشكل الوازع الأخلاقي وتحدث الفرز المطلوب بين مجرد يوم آخر للإجازة والاحتفال الميري لحدث الاستقلال، وبين الاحتفال بيوم للوطن الذي نستحقه ويستحقنا بذلك الرباط الوجداني المقدس للوطن والوطنية الحقة.

فالوطن هو المكان الذي ينعم فيه الإنسان بكرامته وخصوصيته وحريته بلا إكراه أو وصاية  و يعمّ فيه العدل والمساواة ويتقدم فيه من يستحق تطوعا لا مهنة او غصبا، نريده وطنا صحوا حنينا بابنائه حفيا بهم لا ينازعهم انسانا في محبته ويبادلونه حبا ووفاءا بلا مقابل..نريده يوما وطنيا حقيقا نحتفل فيه بالوطن الذي نستحق ويستحقنا، ليس ان نحبس الوطن في ذلك التاريخ او مسميات محددة  تفتقد لروح الحب اليومي والرباط العاطفي المستمر لأجيال اليوم والمستقبل والذي هو الوطنية الحقة بلامساومات أو شروط.

نعم كانت هناك محطات مشرقة متقطعه هنا وهناك ولكنا نريد أن نرتقي بالحب إلى مرتبة أعظم مبتدأها إطلاق سراح الوطن من قيد الاستقلال التاريخي الي الوطن الحلم الذي فيه استحقاق الحرية والحقوق الدستورية وتقديسها…. نريده يوما وطنيا…. وليس احتفالا تاريخيا ..نريد إعادة الميلاد الجديدة للوطن علي هدي الحب والحقوق … فلقد ظللنا ننتظر استحقاق (فعل الاستقلال) في اعتناق وطن الحب والحقوق الدستورية والعدل والمساواة….ونطلق الصيحة مع محمد المكي ابراهيم:

صباحك يفجأنا الان بين الاناشيد و الزينة الحاشدة..

 

و عبر الثريات و النخوة الـسـيده..

 

و عبر الاماديح يسأل اشواقنا الراقده..

 

لماذا تظلون في السفح..

 

و القمم البكر تدعو اليها الخطي الصاعده..

 

و نبض الفدادين يزحم سمع المدى..

 

و قلب السماء مشاعية للصواريخ و الاجنح الرائده لماذا ؟

 

وليس لدينا سوي الصمت و العار و الطأطأه..

 

لدينا المعاذير يا يومنا  المفتدي..

_____

*كاتب وإعلامي من السودان

شاهد أيضاً

هاجس روائي

*محمد المطرود ربّما هكذا نستطيعُ أن نفتتح روايةً، حديثٌ مجانيٌّ عنِ الحياةِ اليومية، طقوس الليلِ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *