الرئيسية / خبر رئيسي / في الحاجة إلى الغير .. قراءة فلسفية في فيلم Cast Away

في الحاجة إلى الغير .. قراءة فلسفية في فيلم Cast Away

خاص- ثقافات

*أحمد العطار

كلاكـيت أول: السينما و الفلسفة

        تأخد علاقة السينما و الفلسفة في تصور الفيلسوف الفرنسي « جيل دولوز» بعدا تناظريا ، فإذا كانت الفلسفة في نظره هي “فن صناعة المفاهيم”، ففي خضم هذه العلاقة يتحول  المفهوم  إلى “كتل من الحركات الدائمة والمتلائمة داخل تشكل الأمكنة و الأزمنة”،  وإذا كانت “الصورة هي الوحدة الأساس للفيلم  وكان المنتوج الأساس للفلسفة هو المفهوم،  فلقاء الفلسفة بالسينما هو لقاء المفهوم بالصورة، في أفق استجلاء تحولات صورة الفكر داخل الصورة السينمائية.”(1)

 تعمل السينما إذن على تطوير ما يمكن تسميته بالفكر المصور، مقابل الفكر الإستدلالي الذي يعتمد عليه الخطاب الفلسفي. بينما تبرز قيمة الصورة في الأفكار المتولدة عنها، أي في تلك النقلة من الصورة إلى الفكرة، من العلامة و الرمز الى الفهم و الدلالة.

Cast Away من هذا المنطلق التوليدي للفهم تسعى هذه المحاولة إلى تقديم قراءة فلسفية لفيلم معتمدين مقولات الوجود/ العلاقة مع الغير ،  و العلاقة بين الطبيعة / المجتمع.

الحاجة إلى الغير: الطبيعة – المجتمع

      في الفيلم الأمريكي الشهير كاست اواي   Cast Away ( عرض عام 2000 من إخراج  روبرت زيميكيز   Robert Zemeckis و الذي قام ببطولته الممثل الكبير

توم هانكس Tom Hanks  _حصل على جائزة “أحسن ممثل” لأوسكار 2001_ رفقة الممثلة القديرة هيلين هانت Helen Hunt التي تلعب دور الزوجة كيلي Kelly  ).

نجد تيمة الغير/ المجتمع، حاضرة بقوة من خلال الأحداث و العلامات و الصور الممتدة على طول زمن الفيلم.

      فإذا كانت الظروف رحيمة بالبطل/ تشاك نولاند Chuck Noland الذي يعمل في شركة  فيديكسFedEx  للإرساليات والذي نجى في إحدى الرحلات من حادث تحطم الطائرة فوجد نفسه وحيداً على “جزيرة مهجورة”. فإن افتقاده للذوات المتشابهة و المتماثلة جعله يعيش جحيما فردانيا قاده في النهاية إلى العودة إلى إعتياش نوع من حالة الطبيعة، مفتقدا للغة غارقا في الصمت، مستطعما النيئ، شاربا من ماء المطر، ساكنا للكهف، مرتديا من خشاش الأرض ما يستر به عورته. لقد انتفت مشاعره البرانية و انعدمت علاقاته الإنسانية. فما هو الحل ؟

castaway_primary

    إذا كان الإنسان بتعريف الفلسفة اليونانية (أفلاطون و أرسطو) حيوان مدني بطبعه، أي إجتماعي و سياسي. فإن تلك الحاجة الملحة للغير وضرورته تبرز في الفيلم من خلال استحضار هلوسي وهوسي للآخر/ الشيء، الذي تجلى في “كرة يد” لفضها البحر مع الحطام. سيرسم عليها البطل بدمه ملامح إنسانية أطلق عليه لقب Wilson . هذا الأخير سيصبح ذاك الصديق / الشريك الذي من المفترض فيه أن يعيد الحياة إلى طبيعتها الإجتماعية، فالحاجة لـِ وَ الرغبة فِي الآخر – هنا – نقص وحرمان يحتاج إلى إشباع وتعويض، و إن كان فقط بشكل استيهامي و وهمي.

و باعتبار “الإنسان كائن لغوي” كما يقول الفلاسفة، فاللغة تبقى ظاهرة إجتماعية لا يمكن أن توجد بمعزل عن مجتمع بشري. و بعد أن تكون قد مضت مشاهد كثيرة في الفيلم مطبقة بالصمت على الجزيرة، إذ يتم الإعتماد على الحركة و العلامة و التعبير الجسدي دون الحاجة للتعبير الشفهي، سيستعيد البطل اللغة ويدخل في حوار أحادي/ ناقص مع صديقه الجديد ويلسون.

    عند هذا الحد سيشكل العيش وفق متطلبات الغريزة و الحفاظ على البقاء البيولوجي للذات الهدف الأول لصاحبنا، بينما مبتغاه الثاني إضافة مسحة ثقافية (حسب التوصيف الأنثربولوجي) على رتابة حياة الطبيعة، مستعينا ما أمكن برصيده من التنشئة الاجتماعية السابقة. هنا يأتي مشهد الصيد التقليدي بالشباك، و إعادة اختراع النار وفق طقوس بدائية وما صاحبها من فرح و نشوة عارمة بالانتصار. : “لقد نجحت …أنظروا لما فعلت، لقد صنعت نارا”. و إذا ما استعرنا لغة “كلود ليفي ستراوس” سنقول: إنه مشهد الإنتقال: “من النيئ إلى المطبوخ”، من “العسل إلى الرماد”.

لكن إلى متى سيصمد هذا الوضع؟

كل هذه المقومات المعيشية  تهدف إلى التكيف مع الوضع السائد ، وهو وضع متوحد ووحداني لا شريك فيه إلا من كرة لا تقدم ولا تؤخر ، لا تحس و لا تتواصل، مادام هذا اللاتواصل يسير في إتجاه واحد تعوزه ميكانيزمات التواصل الإنساني.

و يسلون إذن لا يمكن أن يملأ فراغا إجتماعيا، فوضعه افتراضي و قسري. إنه أنا آخر/ شيئي، يفتقر للنـزوعات الإجتماعية من كلام و تبادل و مشاعر و اعتراف، و وضعيات مركبة هي من صميم العلاقة مع الغير/ الإنساني . ويلسون مجرد وهم، و بطلنا يعي هذا ، لكنه كذلك وهم يجعل من الممكن للحياة أن تستمر، ولو إلى حين.

في واقع الأحداث، ليس ويلسون وحده من يؤنس تشاك في عزلته، فهو صديق المغامرة و المعاناة و الترتيب و التخطيط للحلول بلا شك، لكن هناك مؤشرات عديدة في الفيلم  تمثل دافعا معنوياً و حافزاً سيكولوجيا للاستمرار و التأقلم، أو بالأحرى هي عنوان الأمل في العودة إلى الديار:

فإضافة إلى الوجوه الآدمية الكثيرة التي رسمها تشاك على جدران الكهف وهي بمثابة  تعويض عن غياب أفراد المجتمع، هناك إرسالية رمى بها البحر كان من المفروض أن تصل لعنوانها في الموعد المحدد، سيحتفظ بها البطل دوناً عن مخلفات أخرى اضطر لاستخدامها كأدوات مساعدة، ممنياً نفسه بحظ يسمح له بتوصيلها في يوم ما. أكثر من هذا كان احتفاظه بساعة تحمل صورة زوجته و التي أهدتها له بمناسبة أعياد الميلاد في آخر لقاء لهما من أقوى هذه الحوافز.

 علاقته بزوجته وعشقه الكبير لها كما يصوره الحوار في بداية الفيلم و نهايته، هو من ذاك النوع الذي يبقي المرء يتنفس _ بتعبير البطل _ إنها معينه الدائم في وجه الصعاب. ” إني ممتن لها، لأنها كانت معي على الجزيرة ” يقول تشاك.

large_w515BrZvczKIxbHurG6HIiYYrba

الإنسان كائن إجتماعي الخلاص :

قد يؤدي الوضع الحالي ببطل الفيلم  إلى الهلاك و في أحسن تقدير إلى الجنون. لكنه في لحظة يأس فضل تجريب الإنتحار الذي فشل فيه.

فكان الحل الذي و إن تأخر لبعض الوقت إلى أنه السبيل الوحيد للخلاص من هذه الحياة البئيسة: ركوب البحر.

“حسنا أيها المهمل، _ تشاك مخاطبا ويلسون_ أنا أفضل أن أجرب حظي هناك في المحيط، على البقاء هنا حتى الموت على هذه الجزيرة اللعينة، و أقضي بقية حياتي في الحديث مع كرة معتوهة.”

هناك إمكانيتين لا ثالث لهما:

 _ الموت غرقا في المحيط ، وهنا تكون النهاية التراجيدية نوعا من الخلاص لحالة التفرد _الطبيعة.

_ أو الوصول إلى البر، إلى الطرف الآخر حيث يوجد المثيل و النظير، يوجد الغير ، توجد العلاقات البينذاتية.

ستكون الظروف هذه المرة كذلك رحيمة بصاحبنا إذ سيتمكن بعدما أهداه “مد البحر” قطعة كبيرة من حطام الطائرة، كان في حاجة إليها ليصنع منها شراعا لمركبه البسيط، فاعتلى الأمواج العاتية و استطاع الوصول إلى بر الأمان بعدما انتشلته سفينة كانت تمخر بالصدفة عباب المحيط .

 أما خليله و يلسون _ و يا للأقدار _فقد استعصى على الإنقاذ فابتلعته الأمواج، و كأن الفيلم يصور لنا لحظة انسحاب الكائن / الشيئي  لإفساح المجال لحضور الكائن/ الإنساني.

    بعد حفلة باذخة بعودتة، يخاطب أحد الأصدقاء تشاك :  ” سنعيدك إلى الحياة أيها الرجل”، وهي العبارة التي تحمل دلالة مهمة فاصلة بين الماقبل و المابعد. بين حياة الطبيعة و حياة المجتمع.

و في لقطة أخرى معبرة يداعب ولاعة موضوعة على طاولة مأكولات، يشعلها و يطفئها مرات،

و يتملى جيداً في سمك “سلطعون” مطبوخ على النار. و كأنه يتذكر و يذكرنا معه عبر

“فلاش باك / Flashback”  قسوة الطبيعة ومعاناته هناك.

    تعود حياة تشاك إلى حالتها الإجتماعية، لكن ليس بتلك الصورة التي كانت عليها قبل واقعة الجزيرة، فهناك أشياء كثيرة قد تغيرت على مستوى علاقاته الأسرية و العملية. و اللقطات التي تصور عودتة المفاجئة إلى المجتمع  تبين بوضوح تلك الصدمة النفسية التي عاشها البطل، خصوصا بعد أن تزوجت زوجته، و فقد عمله، فهو في اعتقادهم اعتبر في عداد الأموات. ” عندما تحطمت الطائرة، كل شيء توقف ” تقول زوجته.

غير أنه كيفما كان الحال فقد أضحت العودة إلى حضن المجتمع واقعاً كان إلى عهد قريب مجرد حلم أو أمل صعب المنال.

   بعدما أعاد تشاك الساعة / الصورة لزوجته باعتبارها إرثا عائليا يخصها، و أوصل الطرد المتأخر لأصحابه كاتبا عليه: “هذا الطرد أنقذ حياتي، شكراً”.  يأتي المشهد الأخير في الفيلم  أمام “مفترق طرق Rond-point” و هو مشهد البداية كذلك، معبراً عن اختيارات متعددة تؤدي إلى كل مكان و إلى اللامكان.

غير أنه مهما كان الإختيار هذه المرة فلن تكون هناك حاجة إلى إعادة إشعال ميكانيكي للنار أو حتى خلع ضرس بحذاء للتزحلق على الجليد، فلقد تكفلت الثقافة و مجتمع  الأغيار بذلك منذ زمن بعيد.

كلاكـيت أخيـر

      يمكن أن يخرج المشاهد للفيلم بأفكار كثيرة، غير أن مقولة “الكينونة الإجتماعية للشخص الإنساني” تبقى أقواها، يقول أرسطو في كتاب السياسة: ” إن الإنسان الذي لا يقوى أن يكون عضوا في مجتمع أو الذي لا يجد الحاجة إلى ذلك مطلقا، لأنه يكفي ذاته بذاته، فإنه لا يعد جزءا من المدينة بأي شيء من الأشياء، و هو في النتيجة إما بهيمة أو إله”.

وجود المجتمع يبقى سابقا على وجود الفرد، فبعد صرخة الولادة  تدخل الذات مباشرة في علاقات غيرية / متذاوتة، هذه العلاقة تكتسي _كما يظهر في الفيلم _طابع الضرورة،  و تأخد كما نعرف أبعادا متعددة منها ماهو إيجابي (الصداقة، المحبة، التعايش، التسامح…)، ومنها ما هو سلبي (الغرابة، الإقصاء، الصراع، العنف…) .

     و إذا كان البطل افتقد في تجربة اضطرارية علاقاته بمجتمع الأغيار، فإن المشاهد التي تصور صموده وكفاحه في هذه الظروف العصيبة بدافع البقاء، و طموحه الكبير في استعادة حياته و روابطه الإجتماعية بسلبياتها و إيجابياتها، لتمثل تلك الفكرة الفلسفية العميقة “حول الحق الطبيعي في الحياة”، وهو الحق الذي لا يمكن التنازل عنه لأي كان أو التخلي عنه تحت أي ظرف.فليس هناك معنى للحياة و للأنا إلا إذا كان هناك أنا آخر .

يمكننا تشبيه حياة الإنسان بمقطوعة موسيقية ، هادئة أحيانا و صاخبة أحيانا أخرى:” فأينما كنت، ومهما كانت الظروف، مهما كان مقدار المعاناة، فإن موسيقى حياتك لم تذهب بعد -إنها داخلك – إذا استمعت إليها يمكنك عزفها دائما” على حد تعبير “نيدو كيبانNido Qubein”.

و لربما هذا ما نجح في فعله تشاك ، الإنصات لموسيقى الروح و عزف لحن الحياة: ” عندما غمرني شعور مثل بطانية دافئة، علمت، بطريقة ما، أني يجب أن أبقى. بطريقة ما، يجب ألا أتوقف عن التنفس … وهذا ما فعلت”.

صحيح  أن الحياة مكتظة بالصعوبات و المشاق ، بالسعادة و الشقاء ، بالخير و  الشر، بالصراع  و الوفاق، بالنجاح والفشل. و مجموع هذه الأضداد هو ما يجعل من الإنسان ذاك الكائن الذي يحمل دوما قلقه إزاء نفسه و إزاء الآخرين. هذا القلق الوجودي هو ما نلمسه بعمق في فيلم سينمائي كما في نص فلسفي، أو بيت شعري أو لوحة تشكيلية أو أي إبداع إنساني أصيل.

    فيلم ” المنبوذ” أو بعنوان نسخته الفرنسية “وحيد في العالم” Seul au monde

تجسيد لصيرورة حياة الإنسان بتجاربها الصعبة و مواقفها المتقلبة، و هي الحياة التي تستحق فعلاً أن تعاش. و مادام المرء يتنفس فلن يغادره الأمل بحياة مشتركة أفضل.
” غدا ستشرق الشمس، من يدري بماذا يمكن أن يأتيك به المد”: يقول تشاك.

ــــــ

  • _ المقال التالي يتناول بتفصيل علاقة السينما و الفلسفة عند ” دولوز”

شاهد أيضاً

طريق الحكمة، طريق السلام: كيف يفكّر “الدالاي لاما”؟ (8)

*ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي       يُعدّ الدالاي لاما إحدى أكثر الشخصيات أهمية في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *