الرئيسية / مقالات / طعام.. شَغَف.. كِتابة

طعام.. شَغَف.. كِتابة

*لانا المجالي

(1)
أن يكون أشهر طهاة العالم من الرجال، لا ينفي حقيقة أن الطعام المنزليّ الذي تعدّه النساء أكثر حميميّة والتصاقاً بالذاكرة.
أن يكون أشهر الكتّاب من الرجال، لا ينفي حقيقة أن الكاتبات أكثر قدرة على تحويل الطعام وطقوس طهيه وتناوله إلى بطلٍ روائي.

(2)
“تيتا” بطلة رواية “كالماء للشوكولاتة” للكاتبة المكسيكية لاورا إسكيبيل، تحرم من الزواج بسبب تقليد يجبر الابنة الصغرى في العائلة على رعاية والدتها حتى وفاتها، ويتعاظم شعورها بالغضب عندما يتزوج حبيبها “بيدرو” من أختها الكبرى تحت سطوة أمها المتسلطة، فتلجأ إلى المطبخ؛ العالم الوحيد الذي تعرفه.

الرواية التي تسردها حفيدة أخت البطلة، تعتمد بالكامل على وصفات الطعام المكسيكيّة الموزّعة على اثني عشر شهراً/ فصلاً، بحيث تتماهى “تيتا” مع مطبخها معبّرة عن رغباتها التي تصفها بـقطع الزلابيّة عند إلقائها في الزيت المغلي، أو إحساسها بالوحدة مثل حبّة فلفل محشوّة بالجوز ومنسيّة في صحن بعد وليمة فاخرة.
أما وصفاتها فتحدث تأثيرات سحريّة وهزليّة أحياناً؛ فعندما تختلط دموعها بمزيج حلوى “تشابيلا” التي تحضّرها لحفل الزفاف، يخلّف طعمها الحنين في نفوس الحاضرين، ما يدفعهم إلى البكاء بشكل جماعي. وتسقط قطرات من دمها داخل الجرن وهي تعدّ وصفة أخرى، فيكتسب الطعام القدرة على إيقاظ شهواتهم الجنسيّة.
هذا التعبير عن المشاعر عبر الطعام، يبدو جلياً بفقدان شهيتها وامتناعها عن الطهي عند موت وليد ابن أختها من حبيبها، أما عند موت “بيدرو” نفسه، تلجأ “تيتا” إلى التهام أعواد الثقاب واحداً واحداً، وكلما مضغت عوداً كانت تغمض عينيها بقوة وتحاول إعادة إنتاج أشد الذكريات بينهما (أول لقاء، أول لمسة، أول قبلة،…) وكلما لمس عود الثقاب الذي تمضغه الصورة التي استحضرتها كان يشتعل. احترقت المزرعة كلها، ولم يتبق منها إلا كتاب الطبخ الذي تروي وصفاته قصة الحبّ المستحيلة.

(3)
ندرك – نحن النساء المهووسات برشاقتنا- أن اكتساب 11 كيلوغراماً في أربعة شهور أقرب ما يكون للكارثة، لكن إليزابيث جيلبرت دفعت هذا الثمن عن طيب خاطر في سبيل اختبار اللذة الخالصة.
في رواية “طعام..، صلاة..، حُبّ”؛ سيرتها الذاتيّة التي تصف فيها رحلة شفائها من الاكتئاب بعد تجربة طلاقها من زوجها، ثم انفصالها عن عشيقها، وشعورها بالخواء وانعدام الجدوى، تكرّس نفسها في الفصل الأول الذي عنونته بـ “إيطاليا أو.. قلها كما تأكلها” لتناول الطعام اللذيذ وتحدّث الإيطاليّة بأجمل شكل ممكن، ممتنعة عن زيارة المتاحف – باستثناء المتحف الوطني للمعكرونة- والمسارح والمعالم التاريخيّة في روما، مكتفية بسياحة تذوقيّة داخل صحون البيتزا، والآيس كريم، والحساء، والسباغيتي، والفطائر بالقشدة، حتى أنها تتساءل وهي تقرأ مقالا عن البدانة: هل ستلاحقني الشرطة بعد عدة شهور من الأكل على هذا الشكل؟
اللذة الخالصة .. كانت مجرد محطة أولى في رحلة إليزابيث نحو الشفاء، لكنها استطاعت أن تسرّب للقارئ باستخدام الكلمات فقط؛ اللون، والطعم، والرائحة، والإحساس الشهي بالعالم.

(4)
رحلة دون خريطة عبر مناطق الذاكرة الحسيّة، حيث الحدود بين الحبّ والشهيّة واهنة إلى حدّ إنها كانت تضيع مني؛ هكذا تصف إيزابيل ألليندي كتابها “أفروديت”، مؤكّدة أنها غير قادرة على تبرير مجموعة إضافيّة من وصفات الطعام أو التعليمات الإيروسيّة، لأنها لا تعرف من يطبخ أو يمارس الحبّ بواسطة كتاب تعليمي!.
ورغم هذه الإشارة الساخرة، إلا أن الكتاب عبارة عن توليفة إبداعيّة موسوعيّة حول الحبّ الحسيّ، جمعت الكاتبة التشيليّة فيه بين فن السرد والسيرة الذاتيّة، وفن البحث الذي تناول الأيروسية منذ الحضارة المصريّة القديمة مروراً بالثقافات الهنديّة واليابانيّة واليونانيّة والرومانيّة حتى عصرنا الحالي، وفن الطعام عبر تقديم مجموعة كبيرة من الوصفات التي تحرِّض على الشبق.
التوابل والأعشاب واللحوم والخضار والفواكه والمشروبات، كلها وغيرها،عناصر أوليّة قابلة إلى أن تتحول إلى أفروديتيات، حيث تعرّف الأفروديتي بأنه أيّ خلاصة أو نشاط يثير الحبّ، بعضها يملك ركيزة علمية، لكن معظمها يعمل بفعل الخيال، لكنها تعود لتؤكِّد، أن الشيء الأفروديتي الوحيد هو الحبّ “ما من شيء يستطيع أن يوقف العاطفة المتأجّجة لشخصين عاشقين، في هذه الحالة لا تهمّ: صروف الدهر، حنق السنين، بطء الجسد، أو فقر الفرص؛ فالمحبّان يتدبّران أمرهما كي يتحابّا”.

(5)
أين تبدأ الكتابة وأين ينتهي الشغف؟ الفكرة التي باغتتني بينما أعدّ طعام الغداء في مطبخ بيتي، فأخذتني إلى الورقة، ولا أعلم إن كانت الفكرة نفسها، قد باغتت الشاعرة الأمريكية آن ساكستون في منتصف الورقة، لتعيدها إلى المطبخ، كي تعدّ العشاء:
عثرتُ في الغابات على كهوف دافئة
ملأتها بما لا يحصى من أوانٍ ونقوش ورفوف وخزائن وأقمشة،
للديدان والعفاريت أعددت العشاء،
ثم ولولتُ بينما أعيد ترتيب الفوضى.
_________
*العدد 51 من مجلة الإمارات الثقافيّة.

شاهد أيضاً

مهرجان فاس للسينما و الفلسفة..دلوز و السينما

خاص – ثقافات *د.عزيز الحدادي بهذا العنوان نكون قد اكتشفنا قارة أخرى بواسطة مهرجان الأغورا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *