الرئيسية / إضاءات / الكتابة والذاكرة والنسيان

الكتابة والذاكرة والنسيان

خاص- ثقافات

*ماريا كونيكوفا/ترجمة : آماليا داود

سقراط وهمنغواي حسب مقياس زيجارنيك

في عام 1927 لاحظت عالمة الإدراك والسلوك بالما زيجارنيك شيئاً مضحكاً: حيث كان النادل في المقهى يستطيع فقط أن يتذكر الطلبات في طور التقديم، وحالما يدفع الزبون الفاتورة تمسح الطلبات بالكامل من ذاكرته، وكأي عالمة جيدة قامت بعدها زيجارنيك بتصميم دراسة عن الموضوع، وكانت نتيجة التجربة أن الأشخاص الذين قاطعتهم أثناء أداء المهمة أكثر قدرة على تذكر المهمة من أولئك الذين أنهوها.

وقد عزت زيجارنيك هذه النتائج إلى التوتر: فعقلك يريد أن يعرف من الذي يأتي لاحقاً، عقلك يريد الاستمرار في العمل، وسوف يستمر بالعمل حتى لو طلبت منه التوقف، وخلال تلك المهام الأخرى عقلك سوف يتذكر المهمة التي لم يكملها، بشكل لا واعٍ سوف يتذكر الأشياء التي لم يتسنى له إكمالها، ويسمي الدكتور آري كروجلانسكي هذه الحالة الحاجة إلى الانتهاء، رغبة دماغنا لإنهاء حالات عدم اليقين وحسم الأعمال غير المنجزة، وهذه الرغبة تحفزنا للعمل بجدية وبشكل أفضل حتى إنهاء العمل، وتضيف الحماسة للعقل ولولاها يكون الدماغ مشغولاً أو مشبعاً بالتفاصيل، بعبارة أخرى فإنه يضمن أن تبقى تلك الطلبات في عقل النادل حتى يصلك طلبك.

 

Bluma-Zeigarnik-1921

وأثبتَ تأثير زيجارنيك أكثر من مرة في العديد من السياقات، وفي  سقراط عن الذاكرة حين قال إن الكلمات المكتوبة عدو الذاكرة، في الحوار يروي سقراط حكاية الإله تحوت الذي يهب الملك تحتمس موهبة الحروف:

“هذا وقال تحوت سوف يجعل المصريين أكثر حكمة ويعطيهم ذاكرة أقوى:فهي مخصصة للذاكرة والذكاء، أجابه تحتموس :يا تحوت العبقري ، الوالد أو المخترع لفن معين ليس دائماً أفضل حكم على الفائدة أو عدم الفائدة من اختراعه بالنسبة لمستخدميه، وفي هذه الحالة أنت الذي تعتبر مخترع الحروف، ومن الحب الأبوي لأولادك قادك لتنسب إليهم جودة لا يمكن أن يملكوها، اختراعك يسبب النسيان في نفوس المتعلمين، لأنهم لن يستخدموا ذاكرتهم وسيثقون بالحروف الخارجية المكتوبة، ولن يتذكروا بأنفسهم.واختراعك مساعدة لعدم التذكر، فقط للذكرى وأنت لم تعطي لتلاميذك الحقيقة بل فقط ما يشبه الحقيقة، وسوف يستمعون إلى أشياء كثيرة لكن لن يتذكروا منها شيئاً، سوف يظهرون كالعلماء لكن في العموم لا يعرفون شيء، وسوف يكونون رفقة مملة، سوف يعرضون الحكمة لكن ليس الواقع.

عندما لا نضطر إلى التذكر، وإذا كنا على يقين أن ما نعرفه موجود في كتاب نستطيع الوصول إليه في أي وقت، فلماذا سنحتفظ بالمعلومات في عقلنا وننشغل بها ؟

وقد لاحظ ارنست همنغواي نفس الشيء، حيث قال في حوار مع جورج بلمبتون عام 1958 :”على الرغم من أن هناك جزءا من الكتابة صلب، لا تصيبه بأذى إذا تكلمت عنه، يوجد نوع آخر هش إذا تحدثت عنه انهار وأصبحت لا تملك شيئاً .لا استطيع أن أصدق أن توين قرأ مغامرات هكلبيري فين على المستمعين، إذا فعل ذلك فعلاً فلا بد أنهم دفعوه ليقتطع الأجزاء الجيدة واستخدام الأجزاء السيئة. كان الناس الذين يعرفون وايلد يقولون عنه أنه كان متكلما أفضل من كاتب، ستيفنز تكلم أفضل مما كتب، كتاباته وكلامه كانا شيئاً يصعب تصديقه، وسمعت العديد من القصص تتغير كلما كبرَ في العمر، إذا كان ثيربر يستطيع الحديث بطلاقه كما يكتب سوف يكون عظيماً ومشوقاً، أنا اعرف رجلاً يستطيع أن يتحدث عن مهنته بأحسن طريقة وبجاذبيه وبلسان لعين هو خوان بيلمونت مصارع الثيران“.

وحسب وجهة النظر هذه فإن الحديث عن عمل معين خارج الورق يعيق القدرة على إنشائه إلى أقصى الإمكانيات، بطريقة ما فعل الانتهاء: التحدث عن عمل ما يأخذ معه الرغبة في إنهائه، وكأنه تم تقديم الطلب للزبون الذي ينتظره، وعندما يتم الفعل، يتم إلغاءه من العقل ليأخذ طلبات جديدة.

كلمات همنغواي أتت من تجربة، فعندما فقدت زوجته الحقيبة التي تحوي بداخلها جميع النسخ الموجودة من قصصه القصيرة، العمل بالنسبة لدماغه كان قد اكتمل وذهب للأبد، لقد كتب نفسه على الورق من المرة الاولى، ولم يتمكن من استعادتها مرة أخرى، حتى أنه تخيل العملية في قصته القصيرة “البلد الغريب”: يفقد الكاتب كل قصصه ويجد أنه من المستحيل أن يتذكر.”أنه بلا فائدة” يقول لصاحبة السكن المتعاطفة:”كتابة (القصص) التي شعرت بكل المشاعر التي كان علي أن اشعر بها نحو تلك الأشياء وقد وضعتها كلها هناك، وكل الإدراك لتلك المشاعر التي استطعت أن أعبر عنها وقد أعدت الكتابة واعدت الكتابة حتى أصبحت كل المشاعر فيها وخرجت مني، ولأني عملت بالصحف في سن صغيرة، لا أستطيع أبدا أن أتذكر أي شي بمجرد كتابته على الورق، وكأنك تمحو ذاكرتك بالكتابة كما تمسح السبورة بإسفنجه أو بقطعة قماش مبللة.”

Ernest_Hemingway_1923_passport_photo

ومثلاً قصة المرأة العمياء التي لم تفطن أن قلمها نفد من الحبر وكتبت مقدمة روايتها ليخبرها ابنها أن الصفحة فارغة، أو نصيحة المؤلف حاستين تايلور:” لا تأخذ الملاحظات، هذا متوقع لكن تحملوني، فأنت تحصل على نسخة واحدة من المسودة الأولى، وإذا كتبت لنفسك ملاحظة لتنظر إليها لاحقاً إذا هذا ما كانت عليه المسودة الاولى-قطعة نصف مخبوزة ، مختزلة، ومحيرة إنها حكاية مكررة“.

من عدة نواحي يبدو أن همنغواي يقف في صف سقراط، ونفس صف زيجارنيك ودراستها التأسيسية لمراوغات الذاكرة، وكلما عرفنا عن الذاكرة كلما بدا الأمر صحيحاً وهو إننا نترك المعلومات التي لم نعد نشعر أننا بحاجة إليها، وقد نشرت دراسة في مجلة العلوم لبيتسي سبارو وزملائها تشير إلى أن الناس الآن لديهم قدرة أقل على تذكر المعلومات التي تتوقع الحصول عليها في المستقبل، بدلاً من ذلك تتذكر أين وكيف يمكن العثور على تلك المعلومات.

لن نتخلى أبدا عن فكرة البحث والوصول للموضوعات بنقرة زر، لكن مع نصائح سقراط وهمنغواي في الاعتبار، علينا أن نكون حذرين حول كيفية استخدام تلك الخاصية. تأثير زيجارنيك هو قوة محفزة، والعقل المتحمس هو العقل الأكثر قدرة على التفكير والإنجاز، حتى لو احتاج في بعض الأحيان إلى ملاحظات للتذكير.

scientificamerican.com

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *