الرئيسية / نصوص / إحساس ما
12278956_1138527649510434_3756420391345557967_n-1-1-1-1-1-1-1

إحساس ما

خاص- ثقافات

*محمود شقير

هل تعرف هذه المدينة جيّداً؟

   صدمه هذا السؤال وهو يجتاز شارعاً تنتصب على جانبيه بنايات قديمة متراصّة، يحتشد داخلها خلق كثيرون. رأى امرأة تطلّ من شبّاك غرفتها في الطابق الثاني من إحدى البنايات، لكي تتابع مناوشة كلامية بين جارتيها الواقفتين في شرفتين متجاورتين. توقف لحظة لكي يتعرّف على سبب هذه المناوشة المتوقعة دوماً في بناية مكتظة بالسكان، وقعت عينا المرأة صدفة على وجهه، حدقت فيه لحظة ثم أشاحت بوجهها عنه وابتعدت عن النافذة، فيما استمرت المناوشة الكلامية التي ظلت مبهمة بالنسبة إليه. اعتبر تلصّصه هذا على امرأتين ثرثارتين أمراً بائساً، فابتعد ودخل في شارع آخر مزدحم، حيث الباعة المتجولون يعلنون عن بضائعهم بأصوات ممطوطة، لا يؤرقهم سوى كساد البضائع في آخر النهار، ومداهمات رجال الشرطة الذين يحظرون عليهم البيع فوق الأرصفة المخصّصة للبشر السائرين على أرجلهم من عباد الله.

    تسكع لحظات أمام معارض النوفوتيه، حيث التجار الذين يعرضون بمهارة فائقة بضائعهم للنساء، كأنهم لاعبو سيرك، ثم توقف هنيهة عند مدخل أحد المعارض، ليرى سيقان النساء في الداخل وهي تتخذ أوضاعاً مستقاة من حركات أشهر الممثلات، وعلى أبواب معارض أخرى رأى فتيات يتسكّعن في فضول، فلم يدر بخلده أن واحدة منهن قد تكون هي الهدف الذي يسعى إليه هذا المساء.

    مشى دون استعجال لكي يهدر المزيد من الوقت، مشت بمحاذاته امرأة، شَعَر منذ الوهلة الأولى أنه يعرفها، أجهد ذهنه لكي يتذكّر أين التقاها في زمن سابق، فلم تسعفه الذاكرة، اعتقد أنها المرأة التي وقع نظرها عليه لحظة أثناء شجار المرأتين، أمعن النظر فيها، لكنها ما لبثت أن أشاحت بوجهها عنه ومضت مبتعدة. فكّر أن يتبعها، إلا أنه لم يجد ما يشجّعه على ذلك، خاف أن يتورّط في موقف غير محسوب، ترك المرأة تمضي لشأنها، وهو ممتلئ بنوع من الأسى الذي لا يمكن التعبير عنه بكلمات واضحة.

    دخل إلى بار صغير في شارع جانبي غاصّ بحشد من الزبائن، بعضهم من المكروبين من ذوي الدخل المحدود، كما تدلّ على ذلك ملامح وجوههم، وبعضهم الآخر من ملاكي الأراضي الذين اغتنوا فجأة، فأصبح التردّد على البارات الصغيرة البعيدة عن الأنظار ملمحاً من ملامح سلوكهم الجديد. كان شارد الذهن حينما اقترب منه النادل، تلعثم ثم قرّر في استعجال:

_ زجاجة بيرة من فضلك.

    راح يحتسي البيرة بتمهّل، فيما تتصاعد من حوله أصوات ضاجّة منفّرة وضحكات صاخبة ممجوجة، فاستاء من ذلك، لأنه حتى رعاة البقر في الأفلام الأمريكية لا يضحكون بمثل هذه الطريقة، وإذا تحدثوا حرصوا على أن تخرج كلماتهم منغّمة وفيها شيء من الخنّة المقصودة لذاتها.

   امتلأ البار بزبائن جدد. شاركه المائدة كهل نحيل، يطلّ من عينيه عذاب السنين. صاح دون تمهّل، وقبل أن يأتيه النادل:

_ بطحة عرق.

   انهمك في احتساء العرق دون توقف، وانهمك هو في اختلاس النظر إلى الكهل، واعتقد أنه يعرفه من قبل، أو ربما قابله في هذا البار أو في غيره من الأماكن، ولم يخطر بباله أن يبادله الكلام، ويبدو أن الكهل لم يكن راغباً في أي تواصل معه، فهو منشغل في حوار داخلي ممتد. لم يتوقف عن ارتشاف الخمرة الرخيصة، وحينما جاء على آخر رشفة في الزجاجة، صاح من جديد:

_ كمان بطحة عرق.

   واصل احتساء الخمرة، ثم انخرط في هذيان محموم. تحدّث بصوت مسموع عن ملعونة الوالدين التي لم تمكنه من ادخار قرش واحد، وإلا لكان اشترى قطعة أرض، وانتظر فرصة مواتية ليبيعها بثمن غالٍ، لعنة الله عليها، دائماً تشتري الفساتين وتكدّسها في الخزائن، وفي كل أسبوع ترتدي فستاناً جديداً. ظل الكهل يهذي، واعتقد الرجل أن المرأة التي رآها قبل دخوله إلى البار هي المقصودة بالكلام، تساءل بينه وبين نفسه: هل تكون هي المقصودة بالكلام فعلاً؟ وهل هي ذاهبة إلى موعد سرّي أو لعلها ذاهبة لزيارة صديقتها المؤتمنة على أسرارها، أو لعلها.. ولم يواصل تأملاته، فقد ارتفع صوت الكهل من جديد: آه منها الخالعة كم أتعبتني! انظر إلى هؤلاء الأوباش، كان يمكن أن تكون مثلهم: مال وثروة وعز وجاه، آه! طأطأ الكهل رأسه ومضى يهذي بصوت كالبكاء، ثم رفع رأسه فجأة وخبط الكأس على المائدة، فتطاير حطامها في كل اتجاه.

   حلّت لحظة صمت مشحون، توقف أحد ملاكي الأرض عن الضحك، أدار رأسه على نحو ينذر بالشر، تلمس مسدسه وصاح:

_ أيش هذا؟

   ثم أضاف بعد أن تيقن مما حدث:

_ ما بدنا حدا ينغّص علينا، هه!

   سارع النادل إلى الكهل بعد أن تلقّى الإيعاز من عيني معلمه، (يبدو النادل بائساً بكل المقاييس، يقدم على أفعال لا تروقه، لكنه مضطر لاقترافها لكي يواصل العيش) جذبه من تحت إبطيه وجرّه إلى الباب، ثم ألقى به خارجاً، صاح الكهل:

_ آه منكم يا أوباش! أدفع لكم من مالي وشو بدكم أكثر؟

_ انصرفْ وإلا استدعينا لك الشرطة.

   كادت زجاجة البيرة تنفد، نظر إلى ساعة يده، فأدرك أن الوقت  حان. غادر البار وفي داخله قرار لا رجعة عنه: لن يأتي إلى هذا المكان مرّة أخرى. مضى في شوارع غاصة بالخلق، وبدأ إحساسه بالخوف يكبر في أعماقه، فتلهى عن ذلك بتأمل الوجوه والمتاجر والبضائع: بضائع كثيرة من كل الأصناف، ومن كل البلدان. ترى من أين يأتي الناس بالنقود؟ وما الذي يدفعهم إلى التهالك على هذه البضائع القادمة إليهم من وراء البحار؟ بعد وقت تفاقم إحساسه بعدم الانسجام مع كل شيء حوله، كفّ عن النظر إلى البضائع المعروضة، وراح يحثّ خطاه إلى حيث يجب أن يكون بعد دقائق معدودات.

     قرب أحد المنعطفات، رأى الناس يحتشدون، وثمة عربات إسعاف يعلو صوتها من بعيد. ركض في اتجاه الحشد، أبصر إحدى شاحنات البضائع وقد اصطدمت بسيارة أخرى، ثم جنحت على الرصيف، قتلت أحد المارة وجرحت ستة آخرين. بدا الذهول على وجوه الناس وهم ينقلون المصابين، واصل التجار متابعة المشهد من أبواب محالهم التجارية في ما يشبه الحياد أو التذمّر: فقد أفرغت المحالّ من الزبائن الذين هرعوا إلى مكان الحادث.

   وقف على مسافة ما، رأى دماء تسيل على الرصيف، اندفعت إلى رأسه رؤى كثيرة تداخلت مع عناصر المشهد، فأحس أنه يطفو على سطح متلاطم مائج. كاد يسقط لولا أنه اتكأ على أحد أعمدة الهاتف في اللحظة المناسبة. بقي كذلك لحظات، ثم مضى إلى شارع فرعي، أشعل سيجارة وأخذ يتمشى في الشارع جيئة وذهاباً. قطع الشارع عدة مرات، ثم دنت منه سيارة قديمة، يعلو الغبار زجاجها، إنها سيارة مكرّسة، كما يبدو من هيئتها، لنوع منحطّ من البيزنس الذي لم تألفه المدينة من قبل.

     صعد إلى السيارة فانطلقت به عبر شوارع ضيقة تنتشر من حولها بيوت واطئة متلاصقة، وظلت كذلك إلى أن توقفت قرب بيت محاط بسور عتيق. هبط منها رجل كثّ الشاربين، (أول مرة رآه قال هذا أزعر ويبدو أنه ممن اعتادوا استخدام السكاكين في المشاجرات التي يفتعلونها لأي سبب، لكن صديقه الذي أخبره بأنه يقدّم له خدمات خاصة بين الحين والآخر قال: إنه شخص مسكين، البسة بتوكل عشاه، إنما الظروف، لعنة الله على الظروف) غمز بعينه وقال:

_ تفضّل انـزل، وصلنا.

     ثمة غرفة عارية الجدران فيها مقعدان وسرير. جلس على المقعد وهو يتفحّص كل شيء من حوله، تفحّص بعينيه زوجة الرجل وهي تقدّم له كأساً من العصير: لها سحنة وادعة، ولها عينان قادرتان على إخفاء ما يستقرّ في أعماقها من رغبات يمكن استثارتها بجهد ما (سأعرض عليه أن يسمح لي بالاختلاء بها، سأنتقم من شاربيه الكبيرين، العرص! ولن يتصرّف بردّ فعل غير متوقّع، فهو ليس ممن يعمدون إلى استخدام السكاكين لدى أتفه شجار. سأعرض عليه ذلك ولكن ليس الآن).

     بعد هنيهة دخلت فتاة في عينيها وميض حاد، حدّق فيها مليّاً بعد أن أصبحا وحيدين في الغرفة، اعتقد أنه رآها من قبل على باب أحد المعارض التجارية. سارعت إلى الباب تغلقه ثم وقفت فوق رأسه تنظر نحوه دون حرج، قال وهو مرتبك:

_ إجلسي.

   جلست وهي تعرض فخذيها في محاولة لإثارته. كان العرض متسرّعاً أكثر مما ينبغي فانكمش على نفسه:

_ ما اسمك؟

_ عبير.

_ أريد اسمك الحقيقي!

_ هذا هو اسمي الحقيقي.

_ ماذا تعملين؟

_ أنا بدون عمل، ليش بتسأل؟

   خلعت فستانها بحركة روتينية، اقتربت منه وهي تكشف فخذيها المصبوبين تحت قميص داخلي زهري اللون، هزّتهما برعونة مقصودة.

_ اجلسي. علينا أن نفهم على بعض.

   تمحّكت به مثل قطة:

_ ما احنا فاهمين على بعض. خلينا نبدأ؟

_ انتظري، يجب أن نتحدث قليلاً.

_ عن أيش بدنا نتحدث؟ أنا مجبورة أمشي. ماذا يقول أهلي إذا تأخرت؟

   استلقت على السرير، تشاغل عنها لحظات، ثم سأل دون هدف:

_ لماذا لا تخلعين الحذاء؟

_ ليش بتسأل؟

   جلس على حافة السرير وهو يتأمل جسدها بحياد تام: ثمة قشرة خشنة تغطّي يديها، وثمة جسد فائر مثل نبات بري لا يحتمل التسربل بأردية ناعمة، أردية تتنافر مع تكوينه البري غير المصقول. ترسّخ لديه إحساس بأن الفتاة قادمة من تلك البيوت الواطئة التي رآها قبل قليل، أو أنها من أولئك الفتيات اللواتي يتوقفن طويلاً على أبواب المعارض التجارية، فلا يجرؤن على الدخول، لكن حلم المعارض لا يفتأ يداعب مخيلاتهن. نهض مبتعداً، نهضت محرجة خائبة:

_ شو؟ ما أعجبتك؟

_ لا، أبداً. إنما أنا إنسان خوّيف.

   لملمت ملابسها بفتور:

_ ما دام انك خوّيف، شو اللي جابك لهون؟

_ الصحيح لا أدري. والآن لا أستطيع أن أفعل شيئاً.

_ أول مرّة يحدث معي مثل هذا! ليش؟

   لم يجد جواباً مناسباً يقدمه لها. قالت في محاولة أخيرة لرأب الصدع:

_ تعال نجرب! بلكي زبّطت.

   أحسّ أنه في مأزق لم يواجهه من قبل. ألقى نظرة على وجه الفتاة، رأى في عينيها انكساراً، وفجأة سمعا دقّات على الباب، حاولت أن تقول له شيئاً، لكن الباب انفتح. أطلّ الرجل بملامحه التي توحي بالشيء ونقيضه في وقت واحد:

_ ها.. إن شاء الله كل شيء تمام!

  حدّق في الفتاة مرة أخرى، ثمة قلق في عينيها، أخرج محفظة نقوده وهو يقول:

_ تمام، تمام.

   مدّ يده بالنقود، لم يأخذها الرجل، قال بارتباك:

_ أنت لم تنبسط، أنا متأكّد أنك لم تنبسط.

_ بالعكس، كل شيء كان على ما يرام.

_ لا، هذا غير صحيح.

   شعر بالحرج، وخاف أن تقع البنت في ورطة، قال:

_ البنت ما في عليها لوم.

_ أعرف، خديجة بنت طيبة. (خديجة!)

   ارتبكت خديجة، شعرت بتمزّقات محزنة في داخلها، دخلت زوجة الرجل وهي تحمل على صينية من بلاستيك أربعة فناجين من القهوة. احتسى فنجان قهوته بسرعة، وحينما تهيأ للخروج، قالت الزوجة:

_ تعال عندنا في كل وقت، البيت بيتك.

   عاد يتسكّع في الشوارع إلى أن بدأ الليل زحفه البطيء فوق الكائنات والبيوت. تلبّسه إحساس بأنه شريك في مؤامرة، اجتاز منطقة الحادث، ثمة بقايا بقع من الدم على الرصيف، كان التجار يختلسون إليها النظر، وهم يغلقون بحرص شديد أبواب محالهم التجارية، والمدينة تغوص في صمت مريب.

__________

*روائي وقاص فلسطيني

من مجموعته القصصية “صورة شاكيرا”/ المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ 2003

شاهد أيضاً

15145255_674584596034280_67

أبالسة

خاص- ثقافات *مرزوق الحلبي أحني قامتي اعتذارا لعينيك، من سنتين، لم أكتب لك قصيدة حبّ …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *