الرئيسية / مقالات / الإقامة في تُفّاحة

الإقامة في تُفّاحة

*خيري منصور

تلك حكاية شأن مثيلاتها من الحكايات التي يتقاطع فيها الواقع مع الأسطورة، لكن على نحو يحيلها إلى أمثولة قابلة للاستدعاء في مناسبات محددة، وما رواه ويلسون عن العجوز البريطانية التي كانت تقيم داخل زجاجة خل، تم توظيفه لصالح أطروحة وجودية عن الضجر ودوره في التاريخ البشري، إذ لولاه لما بنى الإنسان صروحا كما قال كيركيغارد، وهو الوجودي المسيحي الذي اعتبر الوجود كله تعبيرا عن الضجر.

في الحكاية تشكو العجوز للجنّي من ضجرها وهي السجينة في زجاجة، ما يدفعه إلى الاستجابة لأنينها بحيث حملها إلى حي صاخب في المدينة، لكنها أعادت الشكوى من الضجيج، فحملها ثانية إلى ضاحية هادئة في بلدة نائية، ولم تكف عن الشكوى، وأخيرا أعادها إلى زجاجة الخل.

البعد الواقعي لهذا الحكاية يخصنا جميعا نحن البشر الذين لا يكفون عن الحنين إلى الشاطىء الآخر، أو ما يسميه فيتزجيرالد في روايته الشهيرة الجانب الآخر من الجنة.

رمزية الحكاية أنها تفضح أشواقنا لأن نكون في مكان آخر وأحيانا في زمان آخر، وهذا ما عبّر عنه جوته في قصة عن فتاة مسكونة بالحنين إلى مكان تجهله، ففي ذلك المكان المتخيل تتحقق الأحلام، وتصبح الإقامة نهاية مطاف.

شعراء وروائيون عديدون عبروا عن هذا الحنين الغامض، وأصغوا إلى صوت مقبل من بعيد يناديهم كي يغادروا زجاجات الخل التي سجنوا فيها، وقد يكون هذا الصوت صفير قطار، كما في قصة «النداهة» ليوسف إدريس، أو رائحة تنبعث من قطعة حلوى كما في رواية مارسيل بروست «البحث عن الزمن الضائع»، وإن كانت نوستالجيا الحنين لدى بروست زمانية بامتياز بخلاف نوستالجيا المكان لدى جوته ويوسف إدريس وآخرين.

إن من عاش حياته سواء في زجاجة خل كالعجوز البريطانية الثرثارة، أو في قرية لم يرَ فيها من الماء غير بركة آسنة، أو غدير تغطيه الطحالب لن يصدق أن هناك محيطات كالأطلسي، أو كائنات من طراز الحوت والدولفين وسمكة القرش. ومن هنا ينشأ سوء التفاهم بين من عاشوا على ضفة نهر أو شاطئ محيط وبين من عاشوا بالقرب من بركة أو مستنقع أو غدير راكد.

الحكاية الواقعية التي أفرزتها الطبيعة وليس التاريخ هي حكاية الدودة المقيمة في تفاحة، فالكون كله بالنسبة إليها هو كثافة لا متناهية من التفاح، وكوكب الأرض هو أيضا تفاحة، ويبدو أن لكل سجين في هذا العالم تفاحته أو حنظلته التي يقيم فيها، لكن يحدث أحيانا لبعض الناس ما حدث لفأر ثَقَب ثمرة يقطين طرية واستقر في داخلها وبدأ يقضم ما فيها حتى تضاعف حجمه وجفت الثمرة، وأصبح من العسير عليه أن يخرج منها إلا إذا جاع ما يكفي من الوقت ليعود إلى حجمه الأول .

وقد تبدو هذه التداعيات حتى الآن أقرب إلى الترميز والإيحاء، لأنها تقبل تأويلات لا آخر لها، سواء في السياسة أو الثقافة، لكنه تأويل مشروط بمنسوب الخبرة لدى كل واحد منّا، فمن عاش على شاطئ المحيط ليس كمن اقتصر تعريفه للماء على المطر والبركة فقط، ولا أدري لماذا تذكرت في هذا السياق نمط الحياة الرتيب والبارد في الفنادق الصغيرة، من طراز ذلك الفندق الذي تحدث عنه هنري باربوس في رواية «الجحيم»، حيث يبلغ الضجر بساكنيه حدا يجعلهم يبحثون عن أي حدث عنيف، تماما كما حدث لكولن ولسون ذات يوم في أحد مقاهي سوهو في لندن، عندما أنقذه النبأ المنشور عن موت جيمس دين من الضجر، وكما أنقذت أغنية من تلك الأيام لمغنية زنجية روكنتان بطل رواية «الغثيان» لسارتر من الشعور العميق بالدوار والفراغ والغثيان.

إن دودة التفاحة تموت إذا ثقبت قشرتها، فالحرية بالنسبة إليها هي النهاية، ومن يقيمون في عوالم ضيّقة أشبه بالشرانق من حقهم أن يخافوا من الحرية، ليس على طريقة أريك فروم في كتابه «الخوف من الحرية» بل لأنهم يموتون في الهواء الطلق، وقد يكون سر التفاوت بين البشر هو مستوى إدراكهم لثنائية الحرية والقيد، وهناك حادثة تروى عن اثنين من العبيد أعتقهم السيّد ثم فوجئ بهما يطرقان باب بيته وهما يبكيان، ليس لأن الاستبداد إذا زاد عن حده يتحول إلى ماسوشية بحيث تستمرئ الضحية الألم وتبحث عنه، بل لأن دودة التفاحة تفاجأ إذا خرجت منها، أن العالم ليس كثافة من التفاح فقط، والإنسان بعكس دودة التفاح أو فأر اليقطين، يتغير كلما أوغل في المعرفة، وتصبح الذات القديمة أشبه بجلد الثعبان الذي لا بد من خلعه، رغم ما يصاحب هذه العملية من ألم، فإن يكون الإنسان ذاته وليس سواه عملية باهظة التكلفة، سبق أن وصفتها سيمون دوبوفوار بشيء من التبسيط بأنها أشبه بخلع الأسنان السليمة بلا تخدير! فهل كانت القطعنة التي جعلت البشر لا يشبهون أنفسهم بقدر ما يشبهون الآخرين هي الخلاص؟ بل الفرار من عذاب لا يحتمل؟

إن الصوفي الذي كان يوقظ جيرانه على صراخه وهو يجلد جسده لأنه لم يعد قادرا على حمل الروح، هو أحد أمثلة ذلك الشقاء، وهذا ما عبّر عنه هاردي حين تساءل بألم: لماذا يبلى الغمد ويبقى السيف على مضائه؟ فالغمد هنا هو الجسد والسيف هو الذات التي تخطت شرطها الأرضي والآدمي معا. وأخيرا ما من دودة قضمت التفاحة كلها لتدرك أن الأرض كلها ليست مجرد تفاحة، وما من فأر خرج من ثمرة اليقطين بعد أن جفت قشرتها وضمرت وفرغت من محتواها.
_______
*القدس العربي

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *