الرئيسية / خبر رئيسي / المرآة تعكس إلى الخارج ذلك العالم الداخلي للإنسان

المرآة تعكس إلى الخارج ذلك العالم الداخلي للإنسان

*محمد الحمامصي

يتقصى الباحث والمفكر محمود رجب في كتابه “فلسفة المرآة” الدلالات والإيحاءات الفلسفية والجمالية للمرآة في الأسطورة والتاريخ والأدب وكتابات الفلاسفة والمتصوفة، ليقدم قراءة فلسفية فريدة في بابها، حيث يتساءل “هل يمكن على الإطلاق قيام دراسة فلسفية حول شيء عادي كالمرآة، أو ظاهرة مألوفة لنا في حياتنا اليومية مثل ظاهرة المرآة؟”، وكيف يمكن أن تقوم هذه الدراسة؟ وما الذي يمكن أن نصل إليه عن طريقها؟ وما مقومات هذا الفهم الأنطولوجي ومدى أصالته؟

وعبر هذه التساؤلات، ينطلق المؤلف معرّفا وموضحا المرآة وأنواعها وساردا لحضورها لدى الفلاسفة والمتصوفة والأدباء، فيشير إلى أن المرآة “عبارة عن سطح يعكس كل ما يقوم به، فأي شيء يمتلك خاصية السطح العاكس فهو مرآة، وكلما كان أنقى وأصفى كان مرآة أفضل.

وهذا الذي يقوم أمام المرآة يعرف باسم الأصل وأما الذي تعكسه فهو يعرف بالصورة أو الانعكاس، وتدور الصورة مع أصلها وجودا وعدما، فإن وجدت كان الأصل موجودا وإن انعدمت أو غابت كان الأصل منعدما أو غائبا، وهذا يعني أن المرآة ليست فقط الصورة وإنما صورة متغيرة بتغير الأصل، تنطبع عليها وتعلق بها، مثلما تنطبع صورة الخاتم على قطعة الشمع وتعلق بها”.
_87122_140

المرآة والوجود

هكذا يرى رجب في كتابه الصادر حديثا، بطبعته الثانية عن سلسلة مكتبة الأسرة، بالقاهرة، أن “كل شيء إنما هو مرآة أو كالمرآة، ومعنى هذا ـ بعبارة أخرى ـ أن كل شيء في الوجود إما أن يكون مرآة حقيقية بالمعنى الحرفي وإما أن يكون مرآة رمزية مجازية”.

ويوضح المؤلف أن “القمر والنجوم وقطرات المطر والسحاب والهواء، تؤلف كلها إذن مرايا سماوية، وكأنما هي مشهد أو مسرح سماوي متعدد الجوانب، فيه تنعكس الأشياء وتتجلى بأشكال مختلفة. ومثلما ينعكس في المرايا ـ السماوية قوس قزح أو الشموس والأقمار المتعددة، وهي بلا حقيقة واقعية أو قوام مادي، تنعكس فيها أيضا انبعاثات الروح وفيوضاتها فتتخذ أشكالا مرئية مجسمة. هذا الالتقاء بين الروح والرؤية الذي يقلب ـ أو يعكس ـ الأضداد، فتصبح الروح مرئية والمرئي روحانيا”.
DOUBLE PORTRAIT OF THE ARTIST AND HIS WIFE, SEEN THROUGH A MIRROR

ويتوقف الكاتب عند المرآة في الديانات اليهودية والقبطية والإسلامية واستخدام مجاز مرآة العالم في العصور الوسطى وعصر النهضة الأوروبية، وتناول المرايا الطبيعية مبينا كيف وجد الإنسان في القمر والهواء والسحاب مرايا: رأى وجوها إنسانية في استدارة القمر، وقوس قزح في الهواء وجيوشا وحيوانات وقديسين في السحاب، بل رأى خيالاته وأفكاره الباطنة منعكسة أمامه في الهواء وفي السحاب.

يشير محمود رجب إلى أن المرآة من حيث هي رمز للخداع وكذلك من حيث هي رمز للمعرفة، تتضمن تحولا يطرأ على الإنسان الناظر إليها، ويتمثل هذا التحول في الوعي ـ ولو كان وعيا ضئيلا ـ بأن ثمة معرفة بنفسه أو بغيره. من هنا يمكننا القول إن المرآة هي وسيلة تغيير وتصحيح، من أجل أن يرقى الإنسان سواء في معرفته أو في سلوكه إلى مرتبة أعلى مما هو عليه في الواقع. وفي تناوله لفعل الانعكاس المرآوي عند الصوفية وابن عربي تحديدا وما يتضمنه هذا الفعل من ازدواج: المماثلة والمغايرة، الهوية والاختلاف، العينية والغيرية، الذاتية والآخرية وغير ذلك من ثنائيات يتوقف قطباها كل منهما على الآخر توقفا جدليا متبادلا، يرى الباحث أن المرايا المتعددة وما تفعله من تعدد صور الواحد وتكثرها، كانت ترتبط عند هذا النفر من متصوفة الإسلام بما قد كان معروفا وقتئذ في علم المناظر وحتى مطلع العصر الحديث باسم “غرف المرايا”.

ويلفت المؤلف إلى أن مجاز غرفة المرايا لم يستخدم في مجال التصوف فقط بل استخدم في المسرح مثل مسرح النو الياباني ومسرح جان جينيه الذي كان يشبه وضع الإنسان في العالم بوضع إنسان محبوس في متاهة من المرايا الزجاجية تنعكس صورته متعددة متوالية متداخلة، يرى الناس خارج المتاهة ولكن زجاجها يحول بينه وبين الالتقاء بهم أو التواصل معهم.

الأنا والآخر

يتوقف محمود رجب عند “أنا ـ الآخر” ليتناول المرآة وما تعكسه من ظواهر محسوسة وذلك من حيث علاقتها بالإنسان أو على الأدق علاقة الإنسان بها، وهنا يحلل ما كتبه جيمس فريزر في كتابه “الغصن الذهبي” حول الروح بوصفها ظلا وانعكاسا ـ خيالا، والقصة الخيالية “أليس في بلاد العجائب” للويس كارل وتجربة المرآة عند الطفل، ودراسة جاك لاكان “مرحلة المرآة من حيث هي عامل تشكيل لوظيفة الأنا”، ثم أسطورة نرجس الذي اكتشف صورته في مرآة صفحة الماء، وكان أسير صورته الجميلة حتى الموت والفناء، ومن خلال المرحلة النرجسية يحلل أعمال جان بول سارتر وهيغل وزاردشت وأوسكار وايلد وشكسبير وديستويفسكي.

وتحت عنوان “الراوي ـ المروى عليه”، يتوقف المؤلف مع السيرة الذاتية من حيث هي صورة للذات بأعماقها وأسرارها وأبعادها الداخلية، ويقول “كان استخدام المرآة الزجاجية في القرنين السادس عشر والسابع عشر علامة بارزة في رأي لويس ممفورد، على بداية فن السيرة الذاتية الحديث، لكون المرآة تستطيع أن تحيل الذات، عن طريق الصورة المرآوية، إلى ذات يمكن فصلها عن الطبيعة وعن تأثير الآخرين، فالذات في المرآة ليست سوى جزء من الذات الحقيقية الواقعية، كونها ذات مجردة عن الطبيعة”.

ولا شك أن الإنسان حينما يكون منسجما مع العالم ومتحدا به، فإنه لا يحتاج إلى المرآة، ذلك أن حاجته إليها إنما تشتد في فترات التفكك النفسي، حيث يبدأ في الالتفات إلى تلك الصورة المتوحدة ليرى ما الذي طرأ عليها بالفعل، وما الذي تعكسه مما يجري في داخله، وما الذي ينوي عمله بعد ذلك كله. فالمرآة إذن تعكس إلى الخارج ذلك العالم الداخلي للإنسان: عالم الذات.
_______

*العرب

شاهد أيضاً

الشعر العربي والمشهد الثقافي المتحول

كثيرون يحاولون الاقتراب من ناره وتفسير معضلته في هذا العصر الصعب *د. ربيعة جلطي – …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *