الرئيسية / خبر رئيسي / الدين والحداثة.. ضرورة التَّعايُش
maxresdefault

الدين والحداثة.. ضرورة التَّعايُش

*عبد القادر يسن

ماذا يعني السؤال، الآن، عن مستقبل الدين؟

هل لا يزال يحمل معنى القلق على مصير الدين والخوف عليه من التراجع كما كان الأمر في القرن التاسع عشر الأوروبي، وحسبما تنبأ فلاسفة الاجتماع الكلاسيكيون من كومت وماركس إلى دوركايم وفيبر؟ أم أنه، على العكس من ذلك، يحمل معنى القلق من تصاعد الدين وتوغله على حساب الدولة والحرية الفردية ومكاسب العقل.. كما يوحي المشهد الاجتماعي والسياسي الراهن في المحيط العربي الإسلامي؟ هذه الصياغة المزدوجة للسؤال تلفت الانتباه إلى سياقين تاريخيين مختلفين، بقدر ما تلفت الانتباه إلى «الدين» كنسق اعتقادي ومعرفي مشترك.

قبل التطرق إلى السياقين لا بد من الإشارة إلى أن كلا السؤالين مبرر في سياقه، لأن كل سياق ينتج سؤاله الخاص، ولكن كليهما سيفضي بنا إلى قانون عام واحد يفسر علاقة الدين بالاجتماع في الزمن. حيث لم يتعرض الإسلام في محيطه الإقليمي بعد، أو لم يتعرض بذات الدرجة من القوة للصدام مع سؤال التطور، كما تعرضت له المسيحية الغربية قبل ثلاثة قرون، ولكنه لم يسلم تماماً من نتائج الصدام الذي كان في أحد جوانبه موجهاً إلى فكرة الدين في ذاتها.

الدين في موقع الدفاع

عند منتصف القرن التاسع عشر الأوروبي، كانت المسيحية الكاثوليكية قد بدأت تراجعاً ملموساً عن موقع الهيمنة الذي ظلت تشغله طوال العصور الوسطى، في المجال العام وعلى مستوى الروح الفردي. جرى التراجع على نحو تدريجي متزامن مع التطور في حركة الهياكل الكلية: العقلية، والاقتصادية، والاجتماعية. ضمن هذه العوامل سيبرز «العلم» كمحرك أول، وفي مواجهة الكنيسة كمقابل أو نقيض عصي على المواجهة.ومع تواصل حركتي التطور والتراجع، كان بإمكان كومت – الخارج من أتون الثورة الفرنسية- أن يتحدث عن علاقة تلازم عكسي بين تطور العلم وتراجع الدين. فالتقدم العلمي، وهو المرحلة الأخيرة من مراحل التطور البشري في نظر كومت، سيتمكن من معالجة الأسئلة الكبرى التي كان الدين تقليدياً يتولى الإجابة عليها. وانتهى كومت إلى قانون موحد لتاريخ المجتمع البشري يسميه قانون الحالات الثلاث، بمقتضاه يتطور الاجتماع عبر مراحل ثلاث: الأولى خرافية وهمية، والثانية «غيبية مجردة»، والثالثة نهائية تتوج بانتشار«العقلانية العلمية» وتسود المعرفة العلمية التي تكشف عبر ملاحظة الوقائع الوضعية عن قوانين عمل الطبيعة والمجتمع.

وفقاً لتحليل كومت تنتج الفلسفة معرفة تنطوي على تغيير جذري في آليات التفكير، ويفترض من ثم أن تشكل تهديداً للدين. ولكن المرحلة الفلسفية لم تشهد أي تقلص للظاهرة الدينية، بل على العكس شهدت ظهور الديانات التوحيدية الثلاث.

بل وتقاسمت الفلسفة مع الدين النظر في موضوع الألوهية، وتديَّنَ قطاع منها، فيما قدم القطاع الآخر إسناداً عقلياً لفكرة الإيمان بالله. ومن ثمَّ يصعب اعتبار الفلسفة طوراً مستقلاً بالمعنى الزمني بين طور لـ «اللاهوت» وطور للعلم. ورغم أن العلم ينتج في مجاله التجريبي مقولات يقينية، فإنه لا يستطيع تجاوز مجاله التجريبي هذا، فهو لا يستطيع أن يجيب على جميع الأسئلة التي كان اللاهوت والفلسفة يتقاسمان تقليدياً التصدي للإجابة عليها.

تجريبيّة العلم

آمن القرن التاسع عشر- المفتون بالتجريبيَّة بقدرة شمولية مطلقة للعلم تستطيع الإحاطة بالكائن البشري من جميع جوانبه، والوصول إلى قانون موحد يخترق المستويات المختلفة لعالم الأحياء، قانون يجمع في سياق واحد بين علم البيولوجيا وعلم الاجتماع.

ومع ذلك يمكن القول بأن العلم، وقد مضى بعيداً في طريقه، لم يعد يركز كثيراً على فكرة المواجهة مع اللاهوت. لم يعد ثمة مواجهة بمعنى المعركة بين اللاهوت والعلم، أو بعبارة أدق لم يعد للمواجهة توترها المبكر، حيث كان اللاهوت يخوضها من موقع السلطة.

خسارة اللاهوت، ممثلاً في الكنيسة، لموقع السلطة لم تؤد قط إلى زوال الدين، فمع جسامة التطور في الهياكل الكلية بما في ذلك منهجية التعقل وسيادة العلمانية العلمية، ظلت فكرة الدين حاضرة وبقوة.

مراجعة النظرة القديمة

رصد الفكر الاجتماعي المعاصر تواصل الظاهرة الدينية على المستوى العام الذي تحتضنه المؤسسة، وتوقف بوجه خاص أمام صور التجمع الجديدة التي تعمل من خارج إطار المؤسسة في شكل حركات سياسية. لفترة وجيزة أبدى هذا الفكر، الغربي خصوصاً، نوعاً من الدهشة حيال ما سماه «عودة المقدس»، ولكنه كان قد شرع في مراجعة «المسلمات» التي أطلقها الاجتماعيون الكلاسيكيون عن التلازم العكسي بين التطور وحضور الظاهرة الدينية، وتجاوز فكرة النظر إلى علاقة الدين بالحداثة كمعركة بينه وبين العلم ستنتهي حتما بزوال الدين، إلى فكرة التعاطي معهما جنباً إلى جنب كموجودين ضروريين على العالم أن يعيش بهما معاً، على الأقل في المدى المنظور.

بوجه عام يقر الفكر الاجتماعي المعاصر بحضور الدين كظاهرة عميقة الجذور داخل الذات الفردية والاجتماع العام، وبحسب بيتر بيرجر فإن بحث الإنسان عن الدلالات النهائية لم ينفد بعد من العالم، ولذلك تبدو الديانات التاريخية في مستوى القدرة على تحمل آثار الحداثة.

بالطبع يصدر بيرجر من موقعه كباحث في الاجتماع sociologist، ومن ثم فهو يناقش «وجود» الدين كواقعة مادية يمكن رصدها بالملاحظة، وأحياناً أو جزئياً يمكن اختبارها بالتجربة. هذا الاحتراز سائد نظرياً لدى العقل السوسيولوجي المعاصر بوجه عام. وتبرز نقاشات متعددة لمصير الدين على ضوء التطورات الاقتصادية والثقافية والسياسية التي تجتاح العالم المعاصر.

في كتابه «A Far Glory_1992» يناقش بيتر برجر مصير الدين أو ردود أفعاله في المستقبل حيال واحدة من أهم ظواهر الحداثة وهي «التعددية» الثقافية والاقتصادية والسياسية التي ترسخت بقوة في المجتمعات الحديثة. هذا الترسخ، بحسب بيرجر، وضع جميع المؤسسات التي أنتجت في الماضي عوالم رمزية قارة، وزعمت أنها قادرة على تقديم تفسير نهائي للعالم والواقع الاجتماعي، في أزمة. في هذه المجتمعات ذات الصبغة التعددية يساعد مناخ التنافس العام الذي تسنده سياقات العولمة على العبور الطليق إلى الرموز الوافدة من مختلف المشارب الثقافية والدينية، ويحدث امتلاك حر لهذه الرموز من جانب الأفراد. وأمام هذه الحالة من تنوع العروض الدينية ستتجه الكنائس والمؤسسات إلى مزيد من التكيف مع الواقع كما يحدث في المجتمع الأميركي.

حسب هذا الطرح تبدو التعددية الدينية كنوع جديد من التدين «عابر للحدود» (يتجاوز فيه الفرد حدود دينه الأصلي). وهو ينشأ نتيجة استقلاليته الفردية وتفكك الروابط التقليدية مع المؤسسة، في ظل مجتمعات تتمتع بتعددية ثقافية ودينية معتبرة، وبحرية اجتماعية وسياسية راسخة.

بالطبع، وكما هو واضح، يبدو بيرجر أسيراً لشواغله الثقافية ومناخاته الاجتماعية والسياسية. عند هابرماس سيعاد توظيف التعددية لتطوير الدين في سياق مختلف. تجاوز هابرماس ــ ضمن تيار واسع في الفكر الغربي المعاصر يشتغل على نقد المسلمات التاريخية المؤسسة للحداثة، بما في ذلك مفهوم العقلانية بمعناها الأنواري المناقض للدين ــ إشكالية السؤال عن مصير الدين في المجتمع الصناعي الحديث. فالدين بصيغته التقليدية لم يخرج سالماً من معركته مع العقل العلمي فحسب، بل يعاود الظهور في نسق هجومي صريح يستهدف المجال العام، ويعبر عن ذاته بعنف.

السؤال الذي تصدى هابرماس لطرحه بروح عملانية، هو: كيف يمكن الوصول إلى أرضية مشتركة للتعايش بين الدين والعلمانية؟

الوصول إلى هذه الأرضية المشتركة ليس ضرورياً فحسب، بل هو أيضاً ممكن، فالقيم المختلفة لا يقصي بعضها بعضاً كالحقائق المختلفة. ولذلك يستطيع الطرفان القيام بعمل تعاوني يبدأ بتقبل كل منهما منظور الآخر، أي ينطلق من الإقرار بفكرة التعددية (مستقبل الطبيعة الإنسانية). من وجهة نظر متفائلة وطموحة أخلاقياً، يعتقد هابرماس أن علاج اضطراب التواصل المؤدي للعنف بين الثقافات يمكن أن يتم عن طريق تكريس مفهوم «التسامح» بإعادة بناء صلة أساسية من الثقة بين الناس، وهو ما لا يمكن أن يتم في ظل سياسة الخوف والاضطهاد. ومن هنا فعملية بناء الثقة تحتاج إلى عاملين: تحسين الظروف المادية، وتنمية الثقافة السياسية.

سيتعين على الطرفين تقديم تنازلات متبادلة للوصول إلى ما يسميه هابرماس المجتمع ما بعد العلماني. فأولاً: على العلمانية أن تكف عن المراهنة على زوال الدين، وأن تعمل بدلاً من ذلك على استنطاق عقلانيات الدين ومضامينه الإنسانية التي يمكن أن تحد من ظواهر العنف والتمدد الأصولي. وعليها الإقرار بصلابة الدين كظاهرة تستند إلى نوع من الإجماع، وبأهميتها الوظيفية في عملية الدمج الاجتماعي وتشكيل الهويات. وعليها أيضاً الاعتراف بكونها مدينة للدين بكثير من ثوابتها المفهومية مثل الحرية، والعدالة، والشرعية القانونية.

في المقابل سيتعين على الوعي الديني أن يقدم على تغيير بنيوي في آلية تعامله ليتقبل الخارج على نصه، ويتطلب ذلك أن يؤدي الفكر الديني ثلاثة إنجازات محددة:

= على الوعي الديني أن يبذل مجهوداً ليتجاوز التفاوت المعرفي بين الديانات والطوائف الأخرى.

= على الوعي الديني أن يماشي سلطة العلوم التي ستحتفظ بالاحتكار الاجتماعي للمعرفة في العالم.

= على الوعي الديني أن ينفتح على أولويات الدولة الدستورية. أي القبول بالمفهوم القانوني للتعددية السياسية التي تتسع للديني وغير الديني. نحن الآن أمام ظواهر ثلاث تستحق التفسير:

= تراجع الدين في البداية أمام صدمة الحداثة، مما كانت ترجمته تقلص سلطته التقليدية في المجال العام.

= ثبات الدين بعد ذلك، واستمراره في الحضور، رغم تواصل صدمات الحداثة، وخلافاً لنبوءة الزوال.

= التصاعد الجديد للدين فيما يشبه الهجوم المضاد، في صيغ تستهدف استعادة المجال العام (السياسي خصوصاً)، وتعبر عن ذاتها بعنف.

والتراجع ناجم عن المواجهة مع قانون التطور (حركة الهياكل الكلية العقلية، والاقتصادية، والاجتماعية). ولكن علينا ملاحظة أن الذي تراجع من البنية الدينية هو الشق القابل بطبيعته للتطور، أعني السبيكة التاريخية التي أفرزها التدين ثم ثبتها من خلال إلحاقها بالمطلق المقدس (الدين الملزم)، أما الذي لم يتراجع من البنية الدينية فهو جوهر الدين الداخلي المتمثل في مبدأ الإيمان والأخلاق كمطلق مفارق قادم من خارج الاجتماع. إلى هذا الشق المطلق يرجع ثبات الدين واستمراره في الحضور رغم تواصل صدمات الحداثة.

التصاعد الأصولي للدين بطابعه الهجومي والعنيف ينتمي إلى سياق تفسيري آخر، لا أعني مقطوع الصلة بتأثيرات الحداثة، فالأصولية الدينية، رغم موضوعها السلفي، ظاهرة حداثية بامتياز من جهة الدوافع والمناهج والآليات. ولكني أشير إلى كونها ظاهرة لا ترتبط بتأثيرات الحداثة ارتباطاً شرطياً، فهي ظهرت في عصور سابقة على الحداثة (مسيحية العصور الوسطى، وفي الإسلامين المبكر والوسيط)، وهي تظهر الآن في مجتمعات قبل حداثية (بامتداد العالم الإسلامي من الشرق الأوسط حتى شرق آسيا)، وإلى كونها، ككل ظاهرة، تنشأ عن ظروفها الاجتماعية (الاقتصادية – السياسية- العقلية) المزامنة.

وعلى ضوء ذلك سنجد مقاربات متعددة لتفسير الظاهرة الأصولية بدءاً من سبعينيات القرن الماضي، تختلف بين الشرق والغرب.

في البداية كانت المسألة المطروحة هي «عودة المقدس» واعتبر هابرماس أن هذه العودة تجد مناخاً مناسباً في ظل الأزمة التي تجتاح المجتمعات المعاصرة، فمع تفكك المنظومات الأيدلوجية التقليدية أدركت الجموع البشرية التباعد الهائل بينها وبين مراكز القوة المتفرقة. ومع تفاقم العنف في مطلع القرن الجديد، ستصبح المسألة المطروحة هي عنف الأصولية المتطرفة، أو الإرهاب الديني، فيما سيوجه التفسير مباشرة إلى مفهوم الحداثة إجمالا، فالأصولية «ليست عودة بسيطة إلى طريقة للارتباط بالدين سابقة على الحداثة، بل هي استجابة مرعبة تجاه الحداثة، ينظر إليها كتهديد». الفارق بين التحليلين يعكس الفارق بين الظروف السياسية والثقافية بما في ذلك وتيرة العنف عند منتصف الثمانينيات (نظرية الفعل التواصلي)، ومثيلاتها مطلع القرن الجديد بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر (مستقبل الطبيعة الإنسانية).

ومع ذلك ثمة قراءات مغايرة داخل الفكر الغربي لعلاقة الحداثة بالظاهرة الأصولية. قراءات لا تسلم من حيث المبدأ بمقولة التصاعد الجديد للدين.
1a

الدين في موقع الهجوم

لم يشهد الإسلام معركة شبيهة بمعركة كسر العظام التي شهدتها المسيحية الغربية مع العلم والعلمانية، وانتهت بتقليص سلطة الكنيسة في المجالين العام والخاص، وتفاقم دور الدولة المدنية. فالدور القابض للدولة في الشرق الإسلامي لم يتفاقم لأنه لم يتعرض من قبل لأي تناقص أمام تراجع ديني. وهي لم تتحول قط إلى دولة علمانية بالمعنى الكامل، رغم اكتسابها بفعل الاحتكاك لسمات مدنية قشرية وذات طابع إجرائي. وإنما ظلت من الناحية الموضوعية تمارس – وإن بشكل مخفف ــ صيغة الحكم التقليدية المعهودة في التراث الإسلامي، أعني صيغة الدولة الراعية للدين.

كما أن الهياكل الكلية (العقلية- الاقتصادية- الاجتماعية) بدأت تتحرك باتجاه التطور، ولكنها لم تصل إلى مرحلة التغير الجذري عن مثيلاتها التي أفرزت نظام التدين الإسلامي القائم.

مع ذلك ففي الفضاء المفتوح للعالم، لم يكن في وسع التدين الإسلامي تلافي الإشعاعات الواسعة الناجمة عن تحدي الحداثة الذي كان في شق منه موجهاً لمفهوم الدين ككل. فالحداثة تمثل، على الدوام، تهديداً محتملاً للتدين، ولكنها تتحول إلى المواجهة عند نقطة التغير الجذري في الهياكل الكلية (العقل – اجتماعية).

من هذه الزاوية نستطيع قراءة الظهور الجديد للدين في السياق الغربي كهجوم مضاد، أو رد فعل لاحق للهزيمة أمام الحداثة، وهو ما يصعب تطبيقه تفصيلياً على الظهور الجديد للإسلام في الشرق، من جهة أنه لم يتعرض بعد لمواجهة مباشرة وشاملة مع قانون التطور.

وفي هذه الحالة ستمثل الحداثة بالنسبة للإسلام تهديداً وشيكاً، وتكون الأصولية المتطرفة نوعاً من الدفاع الاستباقي، أو رد الفعل المتقدم. ويكون التصاعد الحالي للإسلام السياسي، وهو أحد تجليات الأصولية، ظاهرة غير نهائية (لا تعكس حالة انتصار)، من جهة أنها لم تتعرض بعد لاختبار المواجهة مع التطور.

في نسق التدين العام تبرز فكرة محورية يمكن تلخيصها في العبارة التالية: أنا لا أمتلك الحقيقة فحسب، بل أمتلكها حصراً. أنا على حق وغيري على باطل، وهما لا يلتقيان. من هنا، وحسب تاريخ التدين، تحضر فكرة الآخر المضاد في صميم التكوين الأول لكل ديانة. والتضاد لا يمكن رفعه مع بقاء الطرفين، إذن فالصدام ضروري.

في مرحلة التنظير اللاحقة على الشفاهة، وهي مرحلة متكررة الحضور في السياقات الدينية عموماً، تتحول الوقائع المصاحبة لعصر التأسيس مع مقولات المؤسس، الشفوية غالباً، إلى موضوع للمعرفة المكتوبة، ويجري التعامل معها تحت معنى النص كمعطى ثابت (غير زمني) مقدس في هيئته البنيوية، وقبل ذلك كوثيقة شمولية منغلقة على أحكام نهائية غرضها التشريع للمستقبل، دون تفريق بين المضامين الكلية ذات الطابع الإيماني الأخلاقي، ووقائع حقبة الـتأسيس التفصيلية ذات الطابع الاجتماعي (الأحداث- الحاجات- المعالجات)، دائماً كان الجيل الثاني يبدأ من خلال ممارسة التدين الانتقال إلى مرحلة الثقافة، حيث ينبثق الوعي بضرورة توثيق النص (الركن الأول في مفهوم النصية). تاريخياً كانت عملية التوثيق وهي تستهدف جمع المواد الشفوية المنسوبة للوحي، لا تسفر فقط عن ضرب من إعادة الهيكلة، بل كانت تلعب دوراً إنشائياً في تكوين بنية نصية أوسع مما يفترض أنه منطوق «النص» «الأصلي». هذا النص بكامل الكتلة التاريخية الملتبسة به، يُقدَّم، بجميع أجزائه ككيان مطلق يملك خصائص المقولات الكلية (وهو الركن الثاني من مفهوم النصية).

في الإسلام عكس الفقه اجتماعيات الغزو القبلية، دون أن يفرق داخل النص بين ما هو مطلق أخلاقي وبالتالي ثابت، وبين ما هو وقائعي تفصيلي (اجتماعي) وبالتالي متغير. لقد سجل النص الوقائع بما فيها الحوادث القتالية، ولكنه لم يقصد تحويل الوقائع إلى قيم مؤبدة كما ظن الفقه الديني طوال تاريخه، مما أدى به في كثير من الأحوال إلى نتائج معاكسة لجوهر الدين وأخلاقه الكلية المطلقة (في الفقه الجهاد قتال على الدين، وهو معنى متناقض مع الطبيعة الاختيارية للإيمان ومع مضمونه الأخلاقي. ليس للقتال أن يتعلق بالدين أبداً. وفيما عدا الحق الغريزي في الدفاع عن النفس يتعلق القتال حين يقع بظواهر وأسباب في الاجتماع البشري. وفيما ينسبها الناس إلى الدين، ترجع في أصولها إلى غرائز البشر البدائية).

صعود الدين

نستطيع الآن أن نفرق بوضوح بين مسألتين:

الصعود الجديد للدين عموماً، والأصولية الإسلامية المتطرفة بتجلياتها الاجتماعية والسياسية المشفوعة بالعنف.

أما الصعود الجديد للدين، فهو في الواقع حضور مستأنف، وهو يشير، خصوصاً بعد معركة التطور، إلى ثبات لافت، وصلابة بنيوية واضحة، تستدعي النقاش حول شيء في الدين قادر على مقاومة فكرة التغير الاجتماعي. شيء يمثل نواته العميقة العصية على الانكسار. هذا الشق المقاوم لقانون التطور الزماني، والذي يوفر هذه الصلابة البنيوية هو «الدين في ذاته» أعني جوهره المطلق قبل أن يتعرض للممارسة داخل الاجتماع. فبقاؤه ثابتاً بعد معركة التطور يعطي سنداً قوياً لمقولة إنه من طبيعة غير زمانية أي قادمة من خارج الاجتماع، في مقابل الشق التشريعي الاجتماعي السياسي الذي أسفرت المعركة عن تراجعه وانكساره، مما يشهد لطبيعته الاجتماعية التاريخية أي لقابليته للتغير. ولكن يلزم عدم الخلط بين الدين في ذاته كمبدأ مطلق (الله والأخلاق) وبين اللاهوت (الكلام) الذي يَنتُج عن ممارسات البشر داخل الاجتماع لفكرة المطلق، ومستقبل الدين في العودة إلى معناه المطلق (الله- الأخلاق)، وإلى منبعه الأصلي الذي ينتج الإيمان (الذات الفردية). وهذا يعني بالضرورة تجاوز «نظام» التدين السائد من أصله، ذلك النظام التاريخي الموروث من التجربة العبرية.

وفقاً لقانون التطور (النظم تتغير دورياً تبعاً للتغير الدوري في الحاجات والعلاقات) سيتقلص الشق الاجتماعي (التشريعي السياسي) من البنية الدينية تدريجياً، قبل أن يصل إلى نقطة التناقص الحدية مع بلوغ الهياكل الكلية نقطة التغير الجذري. ولذلك فإن الإصرار على تسكين هذا الشق داخل دائرة المقدس المؤبدة، هو فعل مضاد لحركة التاريخ، لأنه يستهدف تثبيت ما هو متحرك بطبيعته. وهذا ما تفعله الأصولية الإسلامية، فهي إجمالاً تديُّن اجتماعي صرف. أو هي صورة التجلي القصوى للشق الاجتماعي التاريخي من التدين.

مرة أخرى سيتعين من أجل صالح الدين، تجاوز «نظام التدين» السائد من أصله من خلال التسليم بأن التشريع الاجتماعي ليس من جوهر الدين المطلق، بل من صناعة التدين الذي أنتجه عبر الممارسة التاريخية ثم ألحقه بالدين.

الحالة الإسلامية

في الحالة الإسلامية التقت الفلسفة اليونانية مع الفكر الإسلامي. وحضرت الأفلاطونية القديمة والأفلاطونية المحدثة بشكل مباشر عند الفارابي وابن سينا، كما يحضر أرسطو عند ابن رشد وابن باجة، وفي منظومة الكلام تسري عناصر منهجية وموضوعية يونانية، بين الصريحة والمضمرة، خصوصاً في طورها التنظيري المتأخر. ومن ثم يصعب اعتبار الفلسفة طوراً مستقبلاً بالمعنى الزمني بين طور لـ اللاهوت وطور للعلم، ولكننا نستطيع النظر إلى الفلسفة مع «برتراند راسل» باعتبارها وسطاً موضوعياً بين اللاهوت والعلم، فهي كاللاهوت من جهة كونها تأملات غير تجريبية، وهي كالعلم من جهة استنادها إلى العقل.

الدين والتدين

التدين هو ممارسة البشر للدين، وقد نتجت عنه منظومات واسعة من العقائد والطقوس والتكاليف، أوسع من الدين، ولا تطابقه بالضرورة، وبفعل التراكم والدور التاريخي القابض للمؤسسة، انضمت هذه المنظومة إلى بنية الدين، أي إلى دائرة المقدس الملزم، التي لم تكن تضم في البداية سوى الدين. أما الدين فهو الجوهر المطلق الإلهي القادم من خارج الاجتماع. أي الفكرة الكلية المتعالية قبل أن تحضر في العالم وتصير موضوعاً للممارسة أو التدين. هذا الجوهر المطلق ثابت لا يتغير بالتعدد أو التطور، بما هو قادم من خارج الاجتماع. الثبات بهذا المعنى لا ينطبق، من بين مفردات البنية الدينية «التوحيدية»، إلا على فكرة الإيمان بالله، والأخلاق الكلية. ومن ثم فإن التشريع، والطقوس، وتباينات اللاهوت هي جميعاً من التدين.

الغرض من هذا التفريق بين الدين والتدين هو فك الاشتباك داخل السياق التوحيدي بين الثابت كمقدس ملزم، وبين المتغير كبشري قابل للتبديل. سيعني ذلك خروج المجال العام من دائرة السلطة الملزمة للدين دون أن يؤدي ذلك إلى الخروج من الدين ذاته. وهو ما يؤدي في نهاية التحليل إلى رفع التناقض بين الدين وسؤال التطور الذي يفرض حقيقة التغيير داخل الاجتماع، وبالتالي إمكانية استمرار الدين في الحضور في ظل أي صيغة من صيغ الحداثة يمكن أن يحملها المستقبل.

يقينيّات متعددة

رغم أن العلم ينتج في مجاله التجريبي مقولات يقينية، إلا أنه لا يستطيع تجاوز مجاله التجريبي. لذلك فهو لا يستطيع أن يجيب على جميع الأسئلة التي كان اللاهوت والفلسفة يتقاسمان تقليدياً التصدي للإجابة عنها، بغض النظر عما إذا كانت إجابات اللاهوت أو الفلسفة يقينية أو غير يقينية، بالمعنى المعتمد لدى العلم. واليقينية ذاتها مفهوم متحرك، بمعنى أن كل مجال يعتمد يقينيته الخاصة، فإذا كانت يقينيَّة العلم تشترط الاستناد إلى التجربة، فيقينيَّة الفلسفة تشترط الاستناد إلى المنطق، فيما يقينيَّة اللاهوت تستند إلى محض الإيمان الذي نجهل حتى الآن مصدره الجواني داخل الذات الفردية.

نَفَس لاهوتي أصيل

يتحدث هيدغر عن نفس تيولوجي أصيل في الأنطولوجيا اليونانية، ويفسر من خلاله السمة التيولوجية للأنطولوجيا الغربية الحديثة، وهذه السمة لم تتأت من كون الميتافيزيقا اليونانية تم تمثيلها من قبل الكنيسة المسيحية، بل قبل ذلك من الكيفية التي تم بها تصور الوجود في العقل اليوناني، هذا التصور هو الذي جعل اللاهوت المسيحي ممكنًا. فالمسيحية امتداد للميتافيزيقا اليونانية، وإله المسيحية هو الإله الأفلاطوني الأرسطي بجذوره الضاربة في هذه الميتافيزيقا، وحتى توما الإكويني الذي نصَّر أرسطو في القرن الثالث عشر.

تداخل

يكفل لنا موقعنا الزماني الراهن اختبار نبوءة كونت والاجتماعيين الكلاسيكيين. ونستطيع- نسبياً- تجاوز فكرة التقسيم الطردي للتاريخ الذي يمشي في اتجاه تصاعدي موسوماً بالتقدم، لأنني أدرك أن تداخل المراحل لا ينفي وجود خط متصاعد من إحدى زوايا النظر. مرحلة الفلسفة لم تمح اللاهوت، ومرحلة العلم لم تمح الفلسفة ولا اللاهوت، ومع ذلك فعند مرحلة العلم نستطيع رصد مسار طويل واضح، يصعب وصفه من دون استخدام مصطلح التطور.
______
*الاتحاد الثقافي

شاهد أيضاً

٢٩٢٩-1040x440

بؤس الإنسانية الرقمي والحكمة العمياء

*ترجمة: رقية الكمالي يتصل حوالي ملياري شخص وربما أكثر عبر شبكة الإنترنت. وفي غضون سنوات …

2 تعليقات

  1. الدين بقدر ما هو مشكلة كبيرة للحداثة والتقدم والتحرر من الخرافات والأساطير القديمة . بقدر ما هو ضروري وفطرة في سيكولوجية الخاص والعام . فالدين لا يحتاج إلى المنطق أو إلى التجريب والملموس لأن الكون فعلا هو مثار دهشة وصدمة وإعجاز لا يمكن معالجته كواقعة طلسمية عميقة الألغاز .
    العلم والمنطق وكل المذاهب والمناهج العلمية التجريبية قد تحل وتعالج مشاكلنا الإقتصادية والإجتماعية والمادية والسياسية لكنها لا تستطيع قطعا إشباع طمأنا الروحي والجواب على أسئلتنا الميتافيزيقية . والوجود الذي يحتوينا هو نفسه مؤسس على ثنائية الروح والمادة . الكينونة التي تجمع الكائنات هي نفسها مبرمجة على ثنائيات متناقضات بما نفهمه نحن أيضا حتى في اكتشافاتنا بالسلبي والإيجابي .
    إذن المشكل قائم بقوة في العملية الوجودية برمتها . وليس في حراكنا وسلوكنا الأخلاقي والإجتماعي فحسب . فهل تستطيع الإنسانية التوفيق بين الحرية والسلوك ؟ بين الإجتماعي والأخلاقي ؟ بين الأنطولوجي والسياسي ؟ بين المادي والروحي ؟ العلمانية وحدها في الوقت الراهن هي من تستطيع أن تنظم العلاقات بين المتناقضات بزرع التسامح بين الإيمان والإلحاد . بين العالم الواقعي والعالم الإفتراضي . وليس هناك طريق ثاني .

  2. I could not resist commenting. Exceptionally well
    written! http://yahoo.org

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *