الرئيسية / Uncategorized / البوصلة الثقافية تترنح بين الجهات

البوصلة الثقافية تترنح بين الجهات

*لطفية الدليمي

في لحظة  فارقة من تاريخ العالم ، أدى انهيار المنظومة الاشتراكية  الى ردود فعل لم تكن محسوبة أومتوقعة، بل أنها تدرج في عداد المفارقة على صعيد الثقافة العربية والعراقية بخاصة لدى بعض ممن يتبنون الفكر اليساري، إذ اتجه قسم من أهل اليسار المصدوم بانهيار الحلم الاشتراكي إلى تبني انتماءات قومية،  وانخرط آخرون ممن كانوا يدعون امتلاك الحقيقة الايديولوجية المطلقة في مسبحة الأصولية الإسلامية التي تدعي امتلاكها لحقيقة مطلقة أخرى ، واكتشف قلة من معتنقي الثقافة اليسارية عند هذا المأزق عن افتقار فكرهم المقولب إلى بدائل عقلانية  تستند إليها خطوتهم التالية ، فاختاروا طرقاً مختلفة لمداراة وجع الخسران والنكوص، وتمسك البعض الآخر تحسباً من الغرق في طوفان العولمة الهادر بالفكرة القومية مبرراً  للدفاع عن الهوية وأخذ يغذي مشروعه من سرديات عتيقة تستدعي معها بروز النزعات القبلية وفقه التأصيل ، واختار البعض منهم الانضواء تحت راية الأصولية الإسلامية  وتحولت مرجعيته الفكرية في ارتدادها العنيف من ماركس وهيغل ولينين  وانجلز الى  فقه ابن تيمية والغزالي وغيرهما .

13879187_1342896319072531_8962017786479863598_n

لعل بعض هؤلاء الذين ترنحت خطاهم ومواقفهم الفكرية والثقافية مع ترنح البوصلة كانوا يبحثون عن ذواتهم في هذه الفكرة أو تلك ولم يكن انحيازهم لليسار جذريا او راسخا في أية لحظة ، وقد نفترض بالبعض الآخر براغماتية غير معلنة  ترى في الانحيازات الجديدة المتاحة لهم – باغراءاتها الكثيرة – نجاة من عوزٍ أو  فوزاً  بمكانة  أو تنصلاً من ماض ٍ بات  يؤرق البعض الآخر منهم ، اولئك  الذين يشهدون صعود القوى الدينية بفضل ديموقراطية زائفة فيلوذون بأذيالها ، وغير هؤلاء واؤلئك ثمة من ثبت على ثقافته الايديولوجية السابقة  محتفظاً  لنفسه بتاريخ يصعب الفكاك منه ، لكنه تحالف مع قوى تكفرّه وتعده ممن يتوجب استبعادهم   من الحياة العامة بل ومن الحياة ذاتها ، لأنه ببساطة ممن يتبنون قيماً ثقافية مختلفة تعلي من شأن العلم والفن والمعرفة وتأثيرها الايجابي في تحرير العقل وبناء الشخصية الانسانية وتطورها، ويؤمن بدور المرأة وشراكتها في بناء المجتمع المعاصر ويعمل على اعلاء مكانتها والاعتراف بقدراتها الخلاقة وامكاناتها و أعلن رفضه  لقوانين الأحوال الشخصية التي تحط من مكانة المرأة وتعدها محض اداة متعة للذكور منذ بلوغها التاسعة من عمرها ، وهو موقف  يناقض تماماً ماتؤمن به  وتعمل به  وتعلنه  تلك القوى الدينية التي  تحالف معها ، ويبدو لي هنا أن هذا النمط من التحالف قد خُدع بما اقترحه عالم النفس والاجتماع ( اريك فروم) عن امكانية التحالف بين الماركسية  والدين في لحظة تاريخية معينة.

13641140_1342897145739115_3374918496236816780_o
لابد لي هنا  من الإشارة إلى ملاحظة أساسية  وهي أن تراجع الفكر اليساري لم يكن سبباً وراء انبعاث الأصولية الإسلامية بطوائفها المختلفة وصيغها المتباينة، بل أن النزعات الأصولية كانت متأهبة للانقضاض على المجتمعات وكانت لها  مغذياتها  ومنشطاتها ومواردها المالية على الدوام، مضافاً اليها لاحقاً ردود افعال الشعوب الاسلامية التي تشظت أوضاعها ووجدت نفسها أمام هاوية معتمة بعد تفكك المنظومة الاشتراكية التي كانت مرتبطة بها ، فلجأ  بعضها إلى إحياء  النزعات الدينية التي طال قمعها ليبلغ التشبث الارتدادي بها حد التشدد المقيت، وكان لابد لهذا  التشدد ، ليديم وجوده ، أن يستعين بفئة الشباب ويحقنها بكراهية المختلف ويزين لها وسائل العنف في الدفاع عن عقيدتها وحقيقتها المطلقة فكان أن انتجت التطرف الذي يرى في سلوك  طريق الإرهاب سبيلاً وحيداً لحل المعضلات  البشرية العالقة منذ  بدايات التاريخ.
___
*المدى

شاهد أيضاً

هل وقع احتلال محمود درويش بعد موته؟

عبدالدائم السلامي  –  يحفل تاريخُ الثقافات البشرية بحالات كثيرة انصبَّ فيها جهد بعض تلك الثقافات …

تعليق واحد

  1. Howdy just wanted to give you a quick heads up. The text
    in your article seem to be running off the screen in Chrome.
    I’m not sure if this is a format issue or something to do with web browser compatibility but
    I figured I’d post to let you know. The style and design look great though!
    Hope you get the issue fixed soon. Many thanks http://bing.net

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *