الرئيسية / مقالات / في سلطة القافية وميتافيزيقيّتها

في سلطة القافية وميتافيزيقيّتها

*منصف الوهايبي

ليس من هدفنا في هذا المقال، استقصاء المصطلح العروضيّ «قافية» ولا تتبـّعه في أمّهات الكتب التي عنيت به، وإنّما التّعامل مع هذا المصطلح من حيث هو كلمة تحمل نبض كتابة مخصوصة.

ونفضّل حتى لا نثقل على القارئ، أن نترك جانبا اختلاف علماء العروض في حدّ القافية وتفصيل القول في دقائق مصطلحاتها. بيد أنّه لزام علينا أن نحدّد المقصود بالقافية، فهي ليست تلك المحدّدة تحديدا عروضيّا، أي هي من» آخر حرف في البيت إلى أوّل ساكن يليه مع المتحرّك الذي قبل السّاكن». وهو تعريف الخليل القائم على لوازم القافية من حروف وحركات. إنّما المقصود بالقافية في السّياق الذي نحن به «آخر كلمة في البيت» أو «الكلام الذي هو آخر البيت» بل هي «البيت» و»القصيدة» أيضا. والبيت «لا شكليّ» ما لم يتوضّب فيه فعل التّقفية ولم يلحم كلماته، والقافية، بهذا المعنى، مسافة وحدّ وأثر ومدى وشكل وصورة.

وقد لا يخلو الأمر من مفارقة، ففي الشّعر، لا تظهر القافية إلاّ انطلا قا من البيت الذي تتمثّل هي صورته ولحظته الواهبة، على الرّغم من أنّها مستقرّة في آخره، لا تبرح صواتمها التي هي أقرب ما تكون إلى صواتم «رسميّة» خالصة. ولذلك يظلّ تعريف الخليل لها- وهو تعريف عروضيّ إيقاعيّ- أكثر دقّة من سائر التّعريفات اللاّحقة عليه. وكأنّ الخليل حدس أنّ في القافية شيئا ما، يستعصي على الإدراك ويتخطّى حجزها في كلمة. فهي صورة زمانيّة ومخيّلة سماعيّة تقع على الدّال ولا تستدعي صورة المدلول ضرورة، إلاّ إذا جرى ذلك اتّفاقا أو مصادفة؛ إذ يمكن أن يشكّل «آخر حرف إلى أوّل ساكن يليه مع المتحرّك الذي قبل السّاكن» كلمة تامّة أو كلمتين. وفي ما عدا ذلك فإنّ إدراك القافية لا يقتضي تماثل الأطياف الصّوتيّة المنظومة تماثلا قويّا، وإنّما وحدة صوتيّة.

فإذا كانت القافية، بمفهومها الخليليّ، تحيل على شعريّة الشّفويّ أو على القصيدة الأقدم التي نشأت داخل أنماط حافزة للتـّذكـّر، أملت على الشّاعر أن يقول شعرا يمكن حفظه وتذكّره، فما الذي يجعل شعراء الحداثة العربيّة، خاصّة كبارهم من أمثال السيّاب والبيّاتي وأدونيس ومحمود درويش وسامي مهدي وأحمد عبد المعطي حجازي ومحمّد بنّيس… يحتفظون بالقافية، ويصرّون عليها إصرارا عجيبا؟
وأكاد لا أستثني سوى سعدي يوسف، فقد تحّرر من سلطة القافية في مجاميعه الأخيرة. فهل مردّ ذلك إلى ما يقوله عبد الواحد لؤلؤة من أنّ الرواد «وقفوا إزاء المؤثّرات الأجنبيّة وقفة مشدوه. لم يسهل عليهم النزول عن كبريائهم، وهم ورثة شعر هو ديوان العرب، لكي يتلقّفوا ما لدى الغرب من فنون الشعر، لذلك تجد أغلبهم حذرين مصرّين على تطعيم موروثهم الشعري بما يأخذون عن الغرب. ونتج عن هذا كون المؤثّرات الأجنبيّة لم تبتعد عن القشرة إلاّ قليلا…». أم هل أنّ في الأمر سرّا ما خفيّ الشأن، قد لا يعيه الشاعر نفسه؟

إنّ محاولات التحرّر من سلطة القافية وسطوتها قديمة جدّا في تراث العرب، بل إنّ «القصيدة المدوّرة» على قلق هذه التسمية، أو «قصيدة النثر الموزون» التي يرى لؤلؤة أنّ مبتدعها هو المغربي محمّد بنّيس في نصّه «باب المراثي»، وليس العراقي حسب الشيخ جعفر؛ تعود إلى القرن الثالث للهجرة، وربّما قبله. ولكنّها محاولات لم يحالفها التوفيق كما لم يحالف المعاصرين من أمثال الزهاوي والريحاني وغيرهما. ساق أبو الحسن العروضي (ت342هـ) في «الجامع في العروض والقوافي» أمثلة من هذا «التدوير»، وهي «قصائد» موصولة الوزن تشبه في موسيقاها ما سمّي حديثا بـ«القصيدة المدوّرة» كما عقّب محقّقا الكتاب، زهير غازي زاهر وهلال ناجي. ومنها هذا النصّ وهو على الطويل: « صحا قلبُه من حبّ ليلى وملَّ منْ/ صدودِ التي دامت على الهجرِ ثمّ لمْ/ ذا صباباتٍ طويلاً شقاؤهُ/ من الوصلِ ما يُشفى به قلب عاشقٍ/ حماهُ الكرى وجدٌ دخيلٌ قد انطوتْ/ عليه ضلوعُ المستهامِ فصبرهُ/ قليلٌ وطولُ الصبر يُضني فؤادهُ/ فأحشاؤه من لوعةِ الحبّ ما لها/ هدوءٌ ولا تزدادُ إلاّ تحرّقا/ فمن ليس يدري ما يعانيه من به/ سقامٌ أذاب الجسمَ حتى كأنّه/ خيالٌ يرى في الوهمِ ما ليس يُدركُ».

لِمَ يحتفظ شعراء التفعيلة إذن بالقافية؟ ألا يرجع ذلك إلى الإيقاع نفسه من حيث هو ميتافيزيقيّ أيضا؟ يقول المستشرق هاملتون جب إنّ الكنيسة المسيحيّة لجأت إلى الموسيقى لتعلي من التوتّر الشعوري في الصلوات، وإنّ الإسلام كذلك طوّر فنّ القراءة المرتّلة للقرآن كي يشحذ من قدرته على اجتذاب الخيال والشعور.

وأضيف أنّ ممّا يسوّغ هذا الرأي جملة أمور من أبرزها الصلة الحميمة بين «النظم الشعري والنظم القرآني. ولا يغيّر منه في شيء قول علماء الإعجاز بنفي شبهة الشّعر عن القرآن، وسعيهم إلى اصطناع مصطلحات له، تنأى به عن مصطلحات القصيدة. فقد سمّى الفرّاء نهايات الآيات «رؤوس الآيات». وهي تسمية لا تبعد كثيرا عن مصطلح القافية، بل أنّ الفرّاء استشعر لمح الصّلة بين قوافي الشّعر ورؤوس الآيات وحاول أن يقارن بينهما. وسمّى أبو الحسن الأشعري نهايات الآيات «فواصل» حتّى لا تلتبس بالسّجع والقافية.

وترسّمه الرمّاني فعرّف الفواصل من حيث هي «حروف مشاكلة في المقاطع، توجب حسن الإفهام للمعاني» وعدّ الفواصل بلاغة والأسجاع عيبا. وحجّته لذلك أنّ الألفاظ تابعة للمعاني، أمّا الأسجاع فالمعاني تابعة لها. ولم يكن ذلك بالمستغرب منهم، فقد قطعوا كلّهم بإعجاز القرآن وبخروج نظمه عن سائر نظم العرب وأنماط كلامهم. ولعلّ عبد القاهر أن يكون أقربهم إلى ما نحن فيه، فالفاصلة عنده إيقاع ، وهي تقع من الآية موقع القافية من البيت.

والحقّ أنّنا لا نرى سببا وجيها في فصلهم بين القافية والفاصلة من حيث الوظيفة، إلاّ أن يكون لحرج دينيّ. وهو عندئذ ليس بالأمر الذي يعتدّ به أو يعوّل عليه علميّا.

لا غرابة إذن في بيئة كان فيها السّمع أبَا الملكات اللّسانية، حيث لم تكن المعرفة، بما في ذلك المعرفة الشّعريّة؛ لتكتسب وتتداول إلاّ إذا تعاودت وتكرّرت، أن يكون للقافية سلطانها شأنها شأن الفاصلة القرآنيّة.

والقافية من حيث هي لازمة إيقاعيّة أو فاصلة إيقاعيّة بين البيت والبيت الذي يليه، لا تعدو في الظّاهر أكثر من أداة في تثبيت الصّوت أو إيقافه، إذ لا يخفي أنّ الصّوت أيّ صوت؛ ينتج عبر علاقة بالزّمن مخصوصة، فهو يكون حيث لا يكون، أي هو لا يوجد إلا عندما يكون في سبيله إلى الزّوال. والصّوت شأنه شأن الكلمة ينتمي أبدا إلى الماضي.

ومن ثمّ يتسنّى القول إنّ القافية «وقفة «(Pause) تستغرق الصّمت الذي يفصل بين البيت والبيت مثلما تستغرق أذن المتقبّل، وتجعل الصّوت يستأنف عبر رويّها المتعاود، لحظة ميلاده. وكأنّ القافية هي خاتمة البيت وفاتحته في آن، أو هي جرس لا ينبّه المستمع فحسب وإنّما يساعده أيضا على التّذكّر، أو هي تصطنع ذاكرة للذّاكرة نفسها، بل أنّ الجذر اللّغويّ الذي اشتقّت منه (ق. ف. و) يؤكّد أنّ القافية دلالة على نوع من «شعريّة الأثر». فهي أشبه ما تكون بـ»ذاكرة إيقاعيّة» وأداة تواصل بين المنشئ والمتقبّل شأنها شأن البيت الشّعريّ نفسه، حيث إيقاع الزّمان من إيقاع المكان.

وهي التي تثبّت حركة الإيقاع مثلما تثبّت لحظة سكونه، وكأنّها تؤدي بذلك ما تؤدّيه الكتابة عادة، وتقوم مقام حجر الزّاوية في نظام القصيدة الإيقاعيّ (الوزنيّ). وممّا يؤكد ذلك أنّ جذرها اللّغويّ يحيل على المرئيّ أكثر مما يحيل على المسموع، أو على حاسّة المكان أكثر منه على حاسّة الزّمان. يقول المستشرق ف. كرنكوف، وفي كلامه مقدار من الصواب لا يخفى:» إنّ قوافي معظم القصائد العربيّة أوضح للعين منها للأذن». وكأنّ الشّاعر القديم كان يعتاض بالقافية عن الكتابة.

ولا يخفى أن القافية ـ كلّما استقلّ البيت بذاته معنى ومغنى- هي التي تثبّت القاعدة التذكّريّة وتساعد على حدّ المعنى وضبطه. وهذه القاعدة هي التي تعهّدت، فيما يتهيّأ لنا؛ قواعد في تلقّي الشّعر قد تكون أكثر دقّة وثباتا من تلك التي تعهّدتها الكتابة في ما بعد.

وهي بحكم تكرارها تتيح للسّامع أن يظلّ في الصّميم من السياق الذي يجري فيه الكلام وربّما تتيح له أيضا استعادة هذا السّياق، مادامت بحكم ثباتها؛ تحول دون عطب المنطوق، وتبني خطّا من «الاطّراد» داخل بنية «الاستطراد» التي تقوم عليها القصيدة. على أّننا اليوم إزاء قارئ لا سامع، وثقافة عين لا ثقافة أذن.

________
*القدس العربي

شاهد أيضاً

هاجس روائي

*محمد المطرود ربّما هكذا نستطيعُ أن نفتتح روايةً، حديثٌ مجانيٌّ عنِ الحياةِ اليومية، طقوس الليلِ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *