الرئيسية / إضاءات / ليديا ديفيس: كنت أريد أن أكبر وأصبح قارئة

ليديا ديفيس: كنت أريد أن أكبر وأصبح قارئة

*حوار أندريا أنجويلار ـ جوهان فرانث نايجرين / ترجمة أحمد شافعي

 
 
 
بدأ هذا الحوار في أوسلو، في سبتمبر 2013، على هيئة حوار عام بين ليديا ديفيس ومترجمتها جوهان فرانث نايجرين ضمن فعاليات المهرجان النرويجي الأمريكي الأدبي. في اليوم السابق على تلك الفعالية، كانت ديفيس قد التقت بـ فرانث نايجرين من أجل درس تمهيدي في اللغة النرويجية. وتتذكر فرانث نايجرين «أننا سرعان ما أخذنا نتكلم عن القطط والحدائق وأفراد الأسرة بالنرويجية فقط. وإذا بتلك المعرفة المتعلقة بالقطط والحدائق وأفراد الأسرة تتبعنا إلى المسرح».

تلت حوارهما العلني ذلك جلستان خاصتان في الربيع التالي، إحداهما مع فرانث نايجرين والأخرى مع الصحفية الأسبانية أندريا أنجويلار، حيث زارت كل منهما ديفيس في منزلها الذي تعيش فيه مع زوجها الرسام آلن كوت بشمالي نيويورك بعدما حوَّلاه من مدرسة إلى بيت. تصف فرانث نايجرين المشهد: «في الحقل المواجه للبيت، في الناحية الأخرى من الطريق، الأبقار التي كتبت عنها ديفيس في قصة ’الأبقار’، أو أن اثنتين من البقر التي كتبت عنها ذُبحتا وحلَّت بدلا منهما بقرتان أخريان، أما الثالثة التي رفضت دخول الشاحنة الذاهبة إلى المذبح فلا تزال ترعى في الحقل. وداخل البيت الحجري الكبير، تنطلق القطط الثلاث صعودا وهبوطا على الدرج الحجري وفي مربعات ضوء الشمس الآتي من شبابيك الفصول الطوال».

يصف المحاوران ديفيس بالمضيفة الكريمة الرقيقة. في حالة أجويلار، استمرت الأسئلة والإجابات بينما تقلُّها ديفيس وكوت إلى محطة قطارات ألباني (حيث اكتشفوا تأخر القطار، فمضت ديفيس بأجويلار في جولة سياحية داحل المحطة عرَّفتها فيها بمواضع الحمامات، وكشك الجرائد، ومنطقة الانتظار).

لديفيس رواية وحيدة هي «نهاية القصة» (1995) وست مجموعات قصصية، ومن ترجماتها عن الفرنسية نسخ جديدة من «طريق الإوزة البرية» (2002) و«مدام بوفاري» (2010). حصلت على زمالة مكارثر سنة 2003 وجائزة مانبوكر الدولية سنة 2013. ومنحتها الحكومة الفرنسية أخيرا وسام ضباط الفنون والآداب. ومنذ اكتمال هذا الحوار، واصلت ديفيس دراستها للنرويجية فانتهت أخيرا من قراءة أول رواية بالنرويجية وهي «Det uoppløselige episke element i Telemark i perioden 1591–1896» لداج سولستاد.
***
 
* يتعامل كثير من قصصك مع ما يمكن أن نسميه بأخلاقيات الأمومة. مثل «القاموس القديم» حيث ينتاب الأم هاجس بأنه «برغم أن ابني ينبغي أن يكون أهم بالنسبة لي من قاموسي القديم، لكن لا يمكنني القول إنني في كل مرة أتعامل فيها مع ابني، يكون همي الأساسي أن لا ألحق به الأذى». من أين بدأت القصة؟
ـ أوه، بدأت فقط من إدراكي أنني أعامل هذا الكتاب القديم خيرا مما أعامل ابني.
•أنت الراوية إذن؟ فهل هذا هو الوضع في أغلب الحالات؟
ـ مجرد استخدام مادة من حياة الكاتبة لا يبرّر ـ في تقديري ـ القول بأن الحياة حياتها أو بأنها هي الراوية. فبمجرد اختيارك المادة من حياتك، وترتيبها وكتابتها وفق أسلوب معين، لا تعود هذه المادة مطابقة لتلك الحياة وذلك الشخص. ولكن شيئا ما يبدأ في الغالب من الحياة الحقيقية. فها أنا والقاموس. ها هو اللغز والأحجية، وغالبا ما يفضي السؤال إلى أسئلة أخرى تبدو منطقية بالنسبة لي. ما الذي يلقى مني خير التعامل ولماذا؟ ولكني أعود فأقول إن كل ذلك يتأسلب. وأنا أستبعد الكثير، فهي ليست صورة كاملة.
بصفة عامة، صحيح أنني دائمة النظر في الحياة التي أعيشها، وكيفية عيشي إياها. الأمر تقريبا لا يتوقف. وهو لا يقتصر على: هل تناولت إفطارا جيدا؟ بل يشمل كل شيء. ثمة قاضية دائمة. ربما هي أمي المسكينة الحية في رأسي. وكانت دائما ميالة إلى إصدار الأحكام، وكذلك كانت أمها. هناك سلسلة طويلة من الأمهات القاضيات، والأمر يكون قاهرا في بعض الأحيان. حينما أستريح لوهلة من العمل وأستلقي على الأريكة لأقرأ وأبقى كذلك لنصف ساعة بدلا من عشر دقائق، فـما مدى سوء ذلك؟ أهو على هذا السوء بالفعل؟ افترضي أن شخصا لطيفا يكتب إليك رسالة فتفرحين بتلقيها لكنك لا تردِّين عليها لمدة شهرين. هذا أسوأ بوضوح من إنفاقك خمس دقائق إضافية في القراءة مستلقيةً على الأريكة.
 
• أفكر الآن في راوية قصتك «جلين جولد» التي تتساءل عما لو أن هناك سبيلا لأن تكون أنانية بدون أن تلحق الأذى بأحد.
ـ بالامتناع نهائيا عن الزواج، بالحياة وحيدة والانخراط في حوارات طويلة في جنح الليل مع صديق، وبعدم رؤية ذلك الشخص على الإطلاق.
• في قصتك الحديثة «كتابة»، تقول الراوية إن «الحياة أكثر جدية بالنسبة لي من أن أستمر في الكتابة». هل هذا شعورك؟ هل يمكن أن تتوقفي يوما عن الكتابة؟
ـ أتوقف بالفعل لفترات. لكنني لا أستطيع النظر في أمر التوقف على الإطلاق، لمجرد أنني أستمتع بالكتابة كثيرا. ولقد طرحت على نفسي هذا السؤال: إذا كنت وحدك على جزيرة ولم يعد هناك المزيد من الناس أو المزيد من العالم، فهل تستمرين في الكتابة؟ حسن، لو توافر لي قلم وورق فلعلي أكتب.
شأن كثير من قصصي، تتبَّعت تلك القصة فكرة لحظية: ما الذي أفعله هنا، بجمعي بين الجمل الغريبة خالقة قطعة ضئيلة من الهراء بينما الناس يموتون في الجانب الآخر من العالم فلا تفعل حكومتنا ما يتجاوز الإدانة؟ ذلك أمر أنا على يقين أن كثيرا من الفنانين يستشعرونه من وقت إلى آخر، أنهم يضيِّعون وقتهم ويفعلون أشياء تافهة. فبدلا من أن أجيب سؤالي أو أتجاهله، كتبت تلك الفكرة البسيطة. ولم أدر ما القيمة التي أضفيها على تلك القصة، ولكنني أريتها لناقدة شديدة الصرامة، فأعجبتها، فرأيت أن أسمح بتمريرها.
• في قصة أخرى هي «رسالة إلى المؤسسة»، وهي في المجموعة نفسها، يبدو أنك تكتبين عن عقبات الكتابة والتدريس.
ـ هذه تتعلق بالتدريس أكثر مما تتعلق بالكتابة، أحاول فيها أن أتمثَّل شخصية أكاديمية متوسطة غير مثيرة كثيرا للاهتمام تحصل على منحة صغيرة، مهمة بالنسبة لعالمها وليس العكس. القصة قوامها الأساسي هو الشكاوى المتعلقة بالتدريس. أنا شخصيا أرى التدريس صعبا، فوضعت كل ذلك في القصة. هذا هو الجزء الذي استمتعت بكتابته أكثر مما عداه، كل تلك المشكلات المتعلقة بالتعليم، كل ذلك الفزع.
• نادرا ما تمنحين شخصياتك أسماء، فلم هذا؟
ـ طالما بدت لي التسمية اصطناعا. فعلته طبعا. كتبت عن امرأة سميتها مسز أورلاندو لأن المرأة التي أقمت القصة على حياتها كانت تعيش في فلوريدا. وحديثا كتبت قصة عنوانها «ديفيس وديفيس والسجادة» لأن لي جارا اسمه ديفيس وكنت وإياه نحاول أن نقرر أيّنا ينبغي أن يحصل على سجادة معينة، ووجدت في نفسي ولعا باستخدام الاسم برغم أن الأمر ما كان ليختلف بالنسبة لأحد لو سميتها «هاريس وهاريس والسجادة».
عندما كنت في الثانية عشرة كتبت قصة كواجب مدرسي عن فتاة اسمها ويمبل. كان يمكن أن أسميها جين أو بيتسي، ولكنني حتى في ذلك الوقت لم أكن أمنح شخصياتي أسماء معتادة. ولا أعرف على وجه الدقة سببا لذلك.
• عم كانت القصة تدور؟
ـ فتاة يستعصي عليها النوم فتقرر أن تخرج من شباكها، ومن خلال مخرج الطوارئ، وتخوض مغامرة. وتفعل ذلك … لكنها قصة قصيرة جدا. هي بالدرجة الأساسية عن نزولها من مخرج الطوارئ وإزعاجها الجيران بجلبتها، وإدراكها أخيرا أنها لن تستطيع الصعود والرجوع عبر مخرج الطوارئ. فتقرر مواجهة استياء أبويها وترجع من الطريق العادي. ولكن فيها حوارا قصيرا جيدا أثناء إصدارها تلك الجلبة وهي تخرج من الشباك. إذ تصيح والدتها من الصالة، ويمبل، اهدئي وحاولي أن تنامي، أو شيء من هذا القبيل، مطابق لما كان يمكن أن تقوله أمي لو كانت مكانها.
• لا تلجئين كثيرا إلى الحوار، ولا إلى الوصف.
ـ الحقيقة أنني أحب الوصف. في روايتي «نهاية القصة» هناك وصف لآفاق كارولينا الجنوبية. حينما يؤثر فيّ منظر طبيعي، أو غيره، أود أن أكتب عنه، لكنني لا أحب الذهاب إلى أن الوصف مكوّن لازم، كأن يقال إنك وقد انتهيت من مشهد حواري فلزام عليك الآن أن تعمد إلى الوصف، ثم عليك الآن أن تعمد إلى هذا ثم إلى ذاك.
هذا يبتعد بنا عن السؤال، ولكن في هذه الرواية ـ حسبما قال الناقد جيمس وود ـ شيئا من توماس برنارد. عندما أجرِّب في قالب جديد عليَّ، أو في شيء لست معتادة عليه، وكان ذلك شأني مع الرواية، فإنني أبحث واعيةً عن نموذج لما أظن أني أريد أن أفعله. في حالة «نهاية القصة»، وفَّرت لي لغة برنارد المونولوجية الطويلة هذا النموذج، ثم كانت «ليال بلا نوم» لإليزابث هاردويك نموذجا آخر، وهي رواية مكتوبة على هيئة شذرات. وكانت «العاشق» لمارجريت دورا نموذجا آخر. النماذج الثلاثة تعطي الإحساس بأنك تلج عقل شخص آخر. ولهذا السبب لست شديدة الغرام بالفصول، أو لم أكن كذلك في هذه الرواية. وأنت بمجرد أن تحصل على استراحة بين فصلين، حتى تعرف أن كاتبا قرر عامدا أن يوقف الفصل. ذلك يكسر الإيهام بأنك في رأس شخص آخر وأنه يفكر ويستمر في التفكير. وبالمثل أجد الحوار مصطنعا. حتى علامات التنصيص إذ تأتي واحدة بعد الأخرى. وذلك يختلف عن أن يتكلم الراوي، أتذكره حينما ظهر في المدخل فقال ما الذي تفعلينه هنا؟ سنتذكر جملا معينة، ولكننا لن نتذكر الحوار بالكامل. أنا على الأقل لا أستطيع أن أتذكر حوارات كاملة.
• تسمحين بجمع أعمالك بوصفها «قصصا» لا كـ «قصص قصيرة» مطلقا. فلم هذا؟
ـ القصة القصيرة بالنسبة لي قالب تقليدي محدَّد، كالذي كتب فيه همنجواي أو كاترين مانسفيلد أو تشيخوف. هو قالب أطول، وأكثر تطورا، بمشاهد وحوار وسرد وما إلى ذلك. قد يقال عن بعض قصصي إنها قصص قصيرة سليمة. أما أغلبها فلا أقول إنها قصص قصيرة، برغم أن كثيرا منها قصير جدا. بعضها قد يسمَّى قصائد، لكنه ليس كثيرا.
• تعتبرين إذن أن بعض قصصك قصائد؟
ـ نعم، بحسب كم النبض الكامن وراءها. أردت لبعضها أن يكون شديد الاستواء والنثرية، وسيبقى لها ما لها من موسيقى وإيقاع، لكنها لن تكون أغنيات. وهناك، من بعد، قصص أراها أغنيات للغاية. وهذه قصائد برغم أنها لا تبدو كذلك على الصفحة. أعتقد أنني طالما رأيت القصائد، من بين جميع أشكال الكتابة، أعلاها مقاما، ولا أزال كذلك. ولا أقول بذلك إنه لا وجود لقصص مذهلة وروايات مذهلة. لكنني أفترض أن القصيدة أقدر على إثارة دهشتي.
• هل تخططين واعيةً لكتابة هذا النوع من القصة أو ذاك؟ أم يكون الأمر حدسيا كل مرة؟
ـ أحذر التخطيط للقصص مسبقا. تبدأ جميعا، بلا استثناء تقريبا، من فكرة أو عبارة أغوص فيها لاحقا وأستكشفها. فإن توقفت وحدثت نفسي بأن هذه القصة ينبغي أن تكون بضمير المتكلم الجمع، أو أن تأتي في فقرة واحدة متصلة، أو أي شيء آخر، أعتقد أن هذا قد يوقفني. هي مسألة حدسية. قد تتماسك جميعها في سردية لأنني أحب السرديات. أنا شديدة الولع بالقصص والحكي، وأحسب أغلب الناس كذلك. الجميع تقريبا يصغون بمزيد من الانتباه عندما يقول شخص ما، اسمعوا ما حدث لي بالأمس.
هناك مشكلة أخرى مع الاصطلاح تتمثل في أن ما توصف بـه قصصي قد تندرج ضمن تصنيفات كثيرة. ولا أود إطلاقا أن أتوقف لأقول، اليوم سأكتب تأملا فلسفيا، أو، اليوم كتبت نادرة، اليوم كتبت حدوتة. اليوم كتبت إبيـ … فماذا يكون ذلك، إبجرام epigram [أي مقولة قصيرة] أم إبجراف epigraph [أي رسم بياني]؟ دائما ما أنسى. القصد أنني لا أريد هذا النوع من الانشغال.
يتبع،،
___
*جريدة عُمان

شاهد أيضاً

كيف نقاوم وباء التضليل الماحق؟

*حبيب سروري تناولت، في مقالي السابق، إحدى مصائب عصرنا التكنولوجي الجديد: “ما بعد الحقيقة”، وشكليها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *