الرئيسية / نصوص / أندريه بروتون: حفلُ الأبرياء في ذروته

أندريه بروتون: حفلُ الأبرياء في ذروته

*ترجمة: مبارك وساط

 
عبّاد الشّمس
إلى پيار ريڤيردي
المسافرة التي تعبُر «ليهالّْ»1 عند هبوطِ الصّيف
كانتْ تمشي على رؤوس أصابعها
كان اليأس يُدحرج في السّماء نباتات اللوف الكبيرة التي له
وفي حقيبة اليد كان حلمي الذي هو قارورة بها شيء من روح الملح
وحدها عرّابةُ الإله قد استنشقته
كانتْ ضُروبُ الخَدَر تنتشر مثلما قَطْر البخار
في حانة «الكلب الذي يُدخّن»
حيثُ كانتْ قد دخلت الموافَقة والمناقَضة
لم يكن ممكناً أن تَنظرا إلى المرأة الشّابّة إلّا بانتقاص ومُوارَبةً
هل كنتُ أتعامل مع سفيرةِ مِلح البارود
أو سفيرة المُنحنَى الأبيض ذي الخلفيّة السّوداء الذي نُسَمّيه فِكراً
كان حفل الأبرياء الرّاقص في ذروته
وكانت الفوانيس الورقيّة تشتعل شيئاً فشيئاً في أشجار الكستناء
المرأة التي بلا ظلّ تجثو فوق «جِسر الصّرف»
بشارع «غي لوكور» لم تكن الطّوابع، بعدُ، هي نفسها
وأخيراً فإنّ وعود الليالي قد تمّ الوفاءُ بها
كان الحمام الزّاجل وقُبل الإغاثة
تنضمّ إلى ثديي الجميلة المجهولة
اللذين يُرمَيان بالسّهام تحت القماش المُجعّد للدّلالات المتميّزة بالكمال
كانت مزرعةٌ تزدهر في قلب باريس
وكانتْ نوافذها تنفتح على درب التّبانة
لكنْ ليس هنالك بعدُ من يقطن بها وذلك بسبب الذين يظهرون فجأةً
إذا ما تمّ الحديثُ عنهم ومعلوم أنّهم أكثرُ إخلاصاً من أشباح الأموات
بعضُهم مثل هذه المرأة يبدون كأنّما يسبحون
وفي فعل الحبّ يدخل القليل من جوهرهم
إنّها تستبطنهم
لستُ ألعوبةً لأيّ قوّة حواسّية
ومع ذلك فالجُدجُد الذي كان يُغنّي في الشَّعر الذي من رماد
في مساءٍ ما قُرب تمثال إتْيينْ مارسيلْ 2
وجّه إليّ نظرةَ تفاهم
أندريه بريتون، قال لي، مُرَّ
الشّمس مشدودةً بزِمام
 
إلى پابلو پيكاسو
المبرِّدة الكبيرة البيضاء في غابر الأزمنة
التي تُوزِّع الرّعشات على المدينة
تُغنّي لنفسها فقط
وخَلفيّة أغنيتِها تُشبِه الليل
الذي يقوم بشكل جيّد بما يقوم به ويبكي لِمعرفته بذلك
ذات ليلة كنتُ في نوبة حراسة كبَحّار فوق بركان
فتحتُ بابَ مقصورة دونما صوت وبسرعة جثوتُ عند قدَمي الأناة
لِفَرط ما كانتْ جميلةً في عينيّ ومستعدّةً للاستجابة لي
لم تكن إلّا شعاعاً بالعَجلة ذات الخمار
وكانت تستند إليّ حين يمرّ الموتى
أبداً لمْ تُضئنا الخمور المطبوخة على نار هادئة
كانتْ صديقتي بعيدةً جدّاً من الأسحار التي تحيط بالمصباح القُطبيّ الشّماليّ
في زمن شبابي الألْف
لقد فتنتُ هذه الرّعّادة3 التي تُومِض
ننظر إلى ما لا يُصدَّق وعلى الرّغم منّا نعتقد في وجوده
وإذْ باشرتُ يوماً المرأة التي أُحبّ
ها نحن نجعل الأضواء سعيدةً
إنهن يَزْرُقن بحُقن المخدّر أفخاذهنّ
المُباشَرة هي عشبة نَفل أضفْتُ إليها الورقة الرّابعة اصطناعيّاً
تُلامِسني الهواجر
مثلما العصافير التي تسقط
تحت الظِّل هناك ضوء وتحت هذا الضّوء ثمّة ظِلّان
المدخّن يقوم بآخر ما يلزم لإنهاء عمَله
هو يبحث عن اتحاد ذاته مع المنظر الطّبيعيّ
إنّه واحد من ارتعاشات المُبرِّدة الكُبرى
خطٌّ مَكسور
 
إلى ريمون روسّيل
نحن الخبز اليابس والماء في سُجون السّماء
نحن بلاطات الحبّ وكلّ الإشارات موقوفة
نحن من نجسّد رَهَافات هذه القصيدة
لا شيء يُعبّر عنّا فيما وراء الموت
في هذه السّاعة التي يلبسُ فيها الليل حذاءه النّصفيّ الأخضر ليخرج
نتقبّل الزّمن على عِلّاته
كجدار أوسط في اتّجاه جدران سجوننا
تُدخل العناكب السّفينة إلى المرسى
ما على المرء إلّا أن يلمس ليس هنالك ما يُرى
فيما بعد ستعرفون من نحن
أعمالنا ما تزال مُدافَعاً عنها جيِّداً
لكنّه فجرُ السّاحل الأخير الجوّ يتعكّر
عمّا قريب سننقل إلى مكان آخر تَرَفنا المُضايِقِ لنا
سننقل إلى مكان آخر تَرف الطّاعون
نحن قليلٌ من ندى البُكْرة المُجَلّد فوق حُزم أغصان البشر
وهذا كلّ شيء.
ماءُ الحياة يُضمّد الجراح في قبو صغير
من نافذة سفليّة فيه تُرى طريق مطرّزة بِحُمَّيضات كبيرة فارغة
لا تسألوا أين أنتم
نحن الخبز اليابس والماء في سجون السّماء
أوراق اللعب في العراء ليلاً
نرفع أو نكاد زاويةً من الخِمار
راتق الخَزف يشتغل فوق سُلّم
يبدو شابّاً رغم التّنازل
نقيم عليه الحداد في أثوابٍ صفراء
المعاهدة لم تُوقّع بعد
أخواتُ البِرّ4 يُسبِّبن
في الأفق حالاتِ فرار
ربّما نتستّر نحن في الآن نفسه على الشّرّ وعلى الخير
فهكذا تتكوّن إرادة الأحلام
يا أناساً يُمكن أنْ يستطيعوا
إنّ صرامتنا يجرفها الأسف على التّفتُّتات
نحنُ أبطال الإغواء رهيبةٌ أكثر هي نابُ الصّباحِ
جامعِ الخِرَق الموضوعُ على الأسمال المُزيَّنة بالأزهار
إذْ يقذف بنا إلى الكنوز المهتاجة ذات الأسنان الطّويلة
لا تُضيفوا أيّ شيء إلى شعوركم بالخِزي من غُفْرانكم نفْسِه
إنّه لَكافٍ أن تُسلّحوا من أجل نهاية بلا قَعر
عيونَكم بهذه الدّموع المُضحكة التي تمنحنا السُّلوان
بطنُ الكلمات مُذهّب هذا المساء ولا شيء بقي عديم الجَدوى
 
معاشَرة حرّة (5)
 
(1931)
امرأتي ذات شَعرِ نارِ الحطب
ذاتِ خَطراتِ ومضاتٍ حراريّة
ذات قدِّ السّاعة الرّمليّة
امرأتي ذات قدِّ ثعلبِ الماء بين أسنان النّمر
امرأتي ذات فمِ الشّارةِ فمِ باقةِ نجوم من آخر حجم
ذاتُ أسنانِ آثارِ فئرانٍ بيضاء على التّراب الأبيض
ذات لسانِ العنبر والزّجاج المحكوكين
امرأتي ذاتُ لِسان القُربان المطعون
ذاتُ لسان الدّمية التي تفتح عينيها وتغلقهما
ذاتُ لسان الحَجَر الذي لا يُصدَّق
امرأتي ذاتُ أهدابٍ من عِصيِّ كتابةٍ طفليّة
ذاتُ حاجِبي حافةِ عُشِّ خُطّاف
امرأتي ذاتُ صُدغَين من أردوازِ سقفِ الدّفيئة
من بخارٍ يُجلّل زجاج النّوافذ
امرأتي ذاتُ كتفي الشّامپانيا
ومن نبع له رؤوس دلافين تحت الجليد
امرأتي ذاتُ رُسغي أعواد الثّقاب
امرأتي ذاتُ أصابع الصُّدفة وورقةِ آس القلب
ذات أصابع الحشائش المقطوعة
امرأتي ذاتُ إبطَي السَّمّور وثمار الزّان
وليلةِ عيد القدّيس يوحنّا
وشُجيرة الرِّباط 7 وعُشِّ سمكٍ ملائكي8
ذاتُ ذراعي زَبدِ البحر ومَحبِس مياه النّهر
ومَزيجٍ من القمح والطّاحونة
امرأتي ذاتُ ساقي الصّاروخ
ذاتُ حركات قِطَع السّاعات واليأس
امرأتي ذات رَبلتين من مُخّ البيلسان
امرأتي ذاتُ رِجْلَي حروف أولى من أسماء
ذاتُ رجْلي حُزمة المفاتيح ذاتُ رِجلَي جِلفاط9 يشرب
امرأتي ذات عنق الشّعير غير المقشور
امرأتي ذات حنجرة وادي الذّهب
حنجَرة مواعد في مجرى السّيل نفسِه
ذات النّهدين اللذين من ليل
امرأتي ذات نهديّ التلّة الصّغيرة البحْريّة
ذاتُ نهدي مِذوب الياقوت الأحمر
ذاتُ نهدي شبح الوردة تحت النّدى
امرأتي ذات بَطنِ مروحةِ الأيّام إذ تنبسط
ذاتِ بطن ظُفْرٍ هائل الضّخامة
امرأتي ذاتُ ظَهْر الطّائر الذي يفِرّ عموديّاً
ذاتُ الظَّهْر الذي من زئبق
ذاتُ الظّهر الذي من ضوء
ذاتُ القفا الذي من حجر صقيل ومن طباشير مُبلَّل
ومن سَقطة كأسٍ شُرِب منه للتّوّ
امرأتي ذات خصر الزّورق
ذاتُ خصر النَّجفة وريشِ سِهام
وسُويقات ريشِ طاووسٍ أبيض
وميزانٍ عديم الحساسيّة
امرأتي ذات الرّدفين اللذين من الصّلصال الرّمليّ والأمْيَنْت
امرأتي ذاتُ ردفي ظَهرِ طائر التَّمّ
امرأتي ذاتُ ردفي الرّبيع
ذات عضو سيف الغُراب 10 الجنسيّ
امرأتي ذاتُ العضو الجنسيّ الذي للمُثْبِر 11 ولِخُلد الماء
امرأتي ذات العضو الجنسي الذي من طحلب ومن ملبّساتٍ قديمة
امرأتي ذات عضو المرآة الجنسيّ
امرأتي ذات العينين المترعتين دُموعاً
ذاتُ العينين اللتين لمجموعة ألعاب بنفسجيّة ولإبرةٍ ممغنطة
امرأتي ذات عيني المَفازة
امرأتي ذات عيني الماء المُخصّص لأن يُشرب في السّجن
امرأتي ذات عيني الخشب الذي هو دائماً تحت السّاطور
ذات عيني مستوى الماء مستوى الهواءِ الأرضِ النّار
هوامش:
 
1: – منطقة باريسية حافلة بضروب من الأسواق.
2: -معارض فرنسي من القرن الرّابع عشر، مات مقتولاً سنة 1358.
3:- الرّعادة: اسمُ سمكة.
4:- نشير إلى أنّ هنالك جمعيّة راهباتٍ تبشيريّةً تُقدّم مساعدات لبعض المحتاجين… وتُسمّى «أخوات البِرّ».
5:- عيش مشترك تحت سقف واحد في نطاق علاقة حُبّ حُرّة.
6:- من أوراق اللعب.
7:- شُجيرة ذات أزهار لها أريج، تُتّخذ للتّزيين.
8:- السمك الملائكيّ: جنس أسماك.
9:- الجلفاط: مَن يَسدّ حزوز السّفن وما بين ألواحها بالزفت أو نحوه.
10:سيف الغراب: نبات.
11:- المُثْبِر: راسب غِريَنيّ مُحتوٍ على دقائق من معدن ثمين (الذّهب، مثلاً).
______
كلمات
العدد ٢٩٤٢

شاهد أيضاً

مايكل جاكسون في حيِّنا

خاص- ثقافات *محمود شقير مايكل جاكسون جاء إلى حيِّنا وغنّى عدداً غير قليل من أغنياته …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *