الرئيسية / قراءات / “أول الألف.. آخر الياء” لسهير الداوود.. كيمياء الصورة

“أول الألف.. آخر الياء” لسهير الداوود.. كيمياء الصورة


*جعفر العقيلي


خاص ( ثقافات )
في مواجهة فعل الغياب وتداعياته، تقف سهير الداوود في مجموعتها “أول الألف.. آخر الياء” متمسّكةً بالكتابة كحلٍّ للخلاص، وفعلٍ يقاوم الأرضيَّ/ الجسديَّ الذي يربك حسابات الروح وتوقها إلى السكينة، وهذا ما يظهر جليّاً في توتر العبارة الشعرية، والدراما في النص، والصور غير المألوفة، حيث لهيب الشمعة يصبح جبلاً من الذكرى، والغياب قبواً تتوه الذاتُ في طرقاته ولا تهتدي:
“سأقلعُ الوترَ
يدي بلا جرحٍ
وأتسلّقُ لهيبَ الشمعةِ على عتبةِ الليل..
جئتُكَ مِن بابِ الثلجِ الذي تواطأنا عليه
ومِن سراديبِ الغياب،
ومتاهتي”.
لقد ولّدت مأساةُ الغياب، الحاجةَ إلى التوازن بين الطرفين؛ الجسد الذي فارق مَن يحب، والروح التي تأبى أن تطوي حبّها للغائب؛ بل وتتمسك بكل ما يذكّرها بوجوده في العمق منها: 
“ماذا يَلزمُني كي أبكي للمرةِ الأخيرة..
أينَ أنتَ الآن..
وحيدٌ مثلي؟!”.
تتّسم الصور الشعرية في هذه المجموعة التي صدرت بدعم من مهرجان الكويت الدولي للمونودراما للإبداع المتميز، بتشكيلها عبر فنّيات تقوم غالباً على الحلم، لذا تأتي شديدة الحساسية وعميقة الحدس وقادرة على إثارة المشاعر في نفس المتلقّي:
“لا تجعل الوردَ يبكي
كنتُ يوماً أمَّك،
قطةً أحومُ حولَك
مِن الوهن أهدهدُ العينين
وأصلّي ركعتين
لم يكنْ ممكناً أكثر
حبستُ البحرَ في زجاجة”.
تولي الشاعرة عنايتها بما يمكن أن يسمّى “كيمياء الصورة”، إذ تتجلّى العلاقات بوضوح بين أشياء يبدو أن لا علاقة بينها في السياق الاعتيادي، كالعلاقة بين الشمعة والبحر مثلاً، ويتم التعبير عن مجموعة من التداعيات الوجدانية المبنية على الذاكرة وانفعالات الحواس، وذلك من خلال المزج بين العبارات الشعرية والصور الفنية والشكل الكامل للمقطع في القصيدة، وحتى في ما تتضمنه من فواصل أو نقاط أو فراغات رأسية أو أفقية في فضاء الصفحة، بهدف الخروج بوحدة بنائية واحدة تسم القصيدة وتمنحها طابعها الخاص:
“آخِرُ ما تبقّى من شموع
أشعلتُها لبحرِنا الذي غفا
وها أنا قد وَفَيْتُ بآخرِ عهودي
ومررتُ بأصابعي على آخرِ القصيدة”.
وكيمياء الصورة عند الداوود تتمثل أيضاً في التداخل بين الحواس، وفي الاقتصاد اللغوي، وفي التوجّه الصوفي الذي يبرزه اختيار المفردات وطريقة تركيبها داخل العبارة الشعرية، وكذلك في الجمع بين المتناقضات والتجريب في استخدام الرموز ودلالاتها:
“رفقاً بكِ يا امرأة..
مسحتُ الريح
ما اعتذرتُ
صارخةً بالوجه الآخر
بالشجر..
والمطر”.
في المقطع السابق ثمة فيض من الموسيقى التي تنبعث من عبارة وصفية تخالف السائد كـ “مسح الريح” أو “الوجه الآخر للشجر”.. وثمة استيحاء رموز من الطبيعة، وانطلاق طاقة تفجيرية لغوية من جرّاء الانتقال المفاجئ بين حالة وأخرى للتعبير عن شجون النفس، وآلامها، وتكسّرها، وغضبها، واعتماد صيغة السؤال الاستنكاري بعد منحه طاقة تعبيرية خلّاقة، فيبدو كحوارٍ عن الآخر لا معه، فالحوار في النهاية هو حبيس الذات؛ تسأل نفسها وتحاول أن تجيب نفسها أيضاً:
“لأنّ وجهك راكدٌ لا وجهَ فيه
أسألُكَ -طفلةً تتبّعَتْ أعاصيرَ الريح-:
هل تملكُ قلباً
وأنت تُنزل حقائبَك من نافذتي؟!
ما الذي لم أره؟!
آخر نافذةٍ ربما؟!
ما الذي لم ترسمه بجُبْنِك؟!
قصيدة لم أفهمها؟!
وردة لم تحملها لي؟!
وجهك؟! 
لا وجه لك..”.
وتلجأ الشاعرة إلى مفردات الأمومة وتجلّياتها للتعبير عن حالات مختلفة من المشاعر؛ والأمّ في المجموعة هي رمزٌ أكثر منها كائناً بشرياً متجسّداً، أيْ هي الأم الكلّية أو الأم الآلهة مانحة الخصب في الأساطير القديمة، وسيدة الحب أيضاً.
لذا تستدعي الشاعرة شخصية مريم العذراء وهي تعرض في إحدى قصائدها حالة من العطاء والبذل والتسامح، لكنها حالة حقيقية من جانب “الأم/ المرأة” وليست كذلك من جانب (الآخر/ الرجل): 
“يحدُث أن يكون بالقلب عاشق
على الجهة الأخرى من قلب الحقيقة”.
وفي مقطع آخر من القصيدة: 
“مريم عذراءُ من خشبةٍ سرُّ حزنها
عيناها صولجانُ دفء
لكنّ ابنَها صولجانُ سماء
مثل مرايا القدّيسين
تحزن لو مات عصفورٌ بشرفة الجيران
إن أتى العالم كلُّه هنا
ماذا يترك لنا؟”.
وتشي أجواء المجموعة برؤية الشاعرة الداوود للشعر نفسه بوصفه خلقاً جمالياً يمس جوهر الوجود الإنساني، فالقصيدة تصارع من أجل أن تبلغ حدود المعرفة وصولاً إلى حالة الإشراق، تلك التي تُظهر أن الشعر في حد ذاته فعل خلّاق:
“أحبُّ الشعر أكثر منك..
صحوتُ صباحاً
ونسيتُ كل شيء”.
وفي السياق نفسه تخاطب الداوود المرأة غالباً بوصفها “امرأة الكلام”، قاصدةً الشعر في تجلّيه كحالة إبداعية فاعلة.
إن سهير الداوود تتحرك في قصائدها بين “قوسين طافحين بالحنين والحيرة”، على حد تعبير الناقد علي جعفر العلّاق الذي كتب على الغلاف الأخير للمجموعة: “القصيدة لدى سهير الداوود خطابٌ دافئ مثل جرح، وطريّ مثل وردة، لكنها تظلّ في كلتا الحالتين مفتوحة على الحبيب المحصّن بغيابه الطويل، أو المهموم بوحدته ومكابداته”.

شاهد أيضاً

الواقعية السحرية في المجموعة القصصية ” عصا الجنون ” للروائي والقاص أحمد خلف

خاص- ثقافات *قراءة خلود البدري عن دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر والتوزيع صدرت المجموعة القصصية ” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *