الرئيسية / نصوص / الناسُ لبعضها

الناسُ لبعضها


*حازم شحادة


خاص ( ثقافات )
انتابتني سعادةٌ غامرةٌ حينَ اقتربَ مني شابانِ وسيمانِ وقالَ أطولهما مبتسماً على حياء:
ـ من بعد إذنك يا أستاذ، هل من الممكنِ توقيعك؟
كنتُ وما زلتُ أعتقدُ أن وصولي إلى هذه المرحلة ككاتبٍ يحتاجُ مزيداً من الوقت والخبرة. 
هنالكَ أدباءٌ عاشوا وماتوا دونَ أن يعبرهم أحد.
لم يطلب توقيعهم أحد. 
وها أنا ذا على الرغمِ من العقباتِ الطائفية والمهنية والاجتماعية قد وصلتُ إلى الناس وأصبحوا يطلبون توقيعي. 
قلت لنفسي: 
ـ ما دمتُ أكتب واضعاً في اعتباري احترام عقل القارئ فلا شكَّ سأصل. 
ليس مهماً أن من أرسلوا طلبات إضافة إلى صفحتي الخاصة على الفيسبوك لم يتجاوزا حتى الآن الألفي شخص، المهم نوعيتهم. 
ليس مهماً أن دور النشر ما زالت تنكرني لأسباب أثنية وأديولوجية فيوماً ما سيتسابقُ الناشرون للحصول على موافقتي لقاء نشرِ مجموعاتي القصصية. 
كنت ماراً بالقرب من المكتبة العامة في طريق عودتي إلى منزلي عندما جرى كل ذلك.
أشعلتُ سيجارة وابتسمت للشابين ابتسامة لطيفة ثم أخرجت القلم الأزرق من جيب قميصي وقلت: 
ـ أتريد توقيعي على ورقة أم لعلك ممن اقتنوا ديواني الشعري المطبوع على نفقتي الخاصة وتريدني أن أوقّع عليه؟ 
مرت قربنا باقة فتيات جميلات ورحنَ يتهامسنَ فيما بينهنّ ويبتسمنَ مما أضفى على الجو بأسرهِ سعادة إضافية. 
ـ لا شكّ أنهنّ خمّنَ الموقف ومن يدري، ربما كنَّ راغباتٍ بالحصولِ على توقيعي أيضاً لكن الحياء منعهنّ. 
بادلتهنّ الابتسام بابتسامٍ وحين أعدت ناظري إلى الشابين رأيتهما يتمتمانِ فيما بينهما بكلامٍ لم أفهم منه شيئاً فسعلت لألفت انتباههما كي أمنحهما ما طلبا وأكمل مسيري. 
اقتربا أكثر وقال قصيرهما:
ـ عفواً يا أستاذ لكن…
أنا ضيعت قبل قليل هويتي وهذا صديقي سيشهد في مخفر الشرطة أنه كان بصحبتي حين فقدتها وأريد منك أن تكون معي لأن الموضوع يحتاج توقيع شاهدين.
لطالما شعرت بصلة قرابة أكثر من عادية بيني وبين شخصية سرحان عبد البصير في المسرحية الخالدة (شاهد ما شفش حاجة). 
تنحنحتُ قليلاً لأخرج من الموقف الذي وضعت نفسي فيه قبل قليل.. 
هرشت رأسي بارتباك ثم قلت: 
ـ ولم لا يا صديقي..سأكون ذلك الشاهد وعليه أوقع.
الناس لبعضها. 

____

*شاعر وكاتب قصة قصيرة من سوريا

شاهد أيضاً

أغنية محشوة بالريش

خاص- ثقافات *عبد الرحيم التوراني في غرفة الانتظار ظلوا مدثرين بالصمت، وبقوا على حالهم هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *