الرئيسية / مقالات / اللابشريون الجدد

اللابشريون الجدد


*عبده وازن


تخيلت الشاب التونسي محمد بوهلال في لحظات انقضاضه بشاحنته على عشرات المواطنين في مدينة نيس الفرنسية، داهساً إياهم ، منتشياً تمام الانتشاء، من فرح وكراهية. راح ينقض على ناس الأرصفة، أطفالاً وأمهات ومواطنين أبرياء، ساحقاً أجسادهم وأرواحهم ، وفي ظنه أن شاحنته ستقوده فوراً إلى جنة وعدوه بها. تخيلت عينيه تبرقان فخراً وحماسة في لحظات حصاده الدموي، لا خوف يستولي عليه ولا رهبة. كان حينذاك يتصور نفسه بطلاً في فيلم يشبه أفلام العنف الأميركية أو الروسية التي تدور أحداثها في سورية والعراق وسواهما…
الدهس أو الرهس. ليست وسيلة القتل هذه بجديدة، لكنها مع أبطال «داعش» تنتحل مواصفات خيالية. اصعدْ شاحنة وادهس كل من تراهم أمامك. هذا فعل سوريالي يفوق ما تخيله الشاعر أندريه بروتون عندما ارتأى أن الفعل السوريالي الحقيقي هو أن ينزل شخص ما إلى الشارع حاملاً مسدساً بيده ويطلق النار عشوائياً على الناس. لكن «المسدس» ليس الشاحنة وخيال «بابا» السوريالية الفانتازي ليس خيال «داعش» الجهنمي.
بات تنظيم «داعش» يمتلك من أساليب القتل ما لم يخطر في بال أجهزة الأنظمة الديكتاتورية. تفوّق التنظيم الإرهابي على تلك الأجهزة بمخيلته القاتلة. لكنه أمامهم يبدو غبياً، شديد الغباء. يقتل علانية وأمام الكاميرات، أما الأجهزة فتقتل بالسر وتخرج في جنازة ضحاياها. لم يتفوق داعش على عنف الأجهزة الديكتاتورية ولا على وحشيتها، فما تمارسه هذه الأجهزة من إرهاب سري يفوق الوصف. وتكفي روايات السجناء الذين خرجوا بمعجزة من سجون هذه الأنظمة. لكن «داعش» يؤثر مشهدية الإرهاب ويهتم بتفاصيلها الاستعراضية: يضع أحد سجنائه مثلاً في قفص ويضرم فيه النار أمام كاميرا يتلذذ حاملها بلحظات احتراق الضحية. يصحب أبطال «داعش» أسيراً آخر إلى قمة عالية ويرمونه من فوق إلى أسفل الوادي ويصورونه يتدحرج بهدوء. يأتون أيضاً بأسرى إلى الشاطئ ويقطعون أعناقهم حتى يتلوّن الموج بدمائهم. الماء الأزرق يصبح أحمر زهرياً.
ترى ما سر الانتشاء الذي يعتري هؤلاء القتلة أو الجلادين في لحظات القتل الرهيب؟ من البداهة أن يعدموا أسراهم بجرأة ورباطة جأش وقسوة، ولكن كيف تراهم ينتشون بما يهرقون من دم، وكأن القتل فعل رغبة أو لذة… بل هم لا يخشون النظر إلى عيون ضحاياهم عند إنزال الحكم بهم. إنهم يتلذذون أيضاً في التحديق إلى عيونهم متعقبين مشاعرهم الأليمة حتى آخر رمق. ليس هؤلاء ببشر ولا هم حيوانات. إنهم جنس لا بشري جديد. جنس زائف. حتى وصفهم بالبربرية والوحشية وسائر الأوصاف العنفية الرائجة، لم يعد ممكناً. ليس هؤلاء ضعفاء ومهزومين، ولا عنفهم هو عنف الضعفاء والمهزومين. ليس عنفهم «قوة هزيلة» بحسب وصف الفيلسوف الفرنسي فلاديمير جانكليفيتش للعنف. قد يكون عنفهم هو دينهم، هم الذين لا دين لهم، هم الذين ليسوا بمسلمين بتاتاً مهما حاولوا التستر بالشعائر. إنهم حاقدون، ليس على «الكفرة» فحسب بل على البشرية كلها، على أصول البشرية وتاريخها. كيف يكون هؤلاء متدينين وهم لا يوفرون حتى أبناء دينهم؟ بل لعلهم يفتكون أكثر ما يفتكون بالمسلمين الأبرياء مثلما شاهدنا ونشاهد في سورية والعراق ودول أخرى.
ما سر هذا الانتشاء الذي يعتري «داعشياً» لحظة تفجير نفسه في أناس يجهلهم ويجهلونه؟ هل هو الإغراء بجنة يصعد إليها للفور على وقع الانفجار؟ هل يمكن تصديق ما لا يُصدّق فعلاً بل ما يستحيل تصديقه؟
___
*الحياة

شاهد أيضاً

مدن أم عناقيد قرى!

*خيري منصور ما كتب عن مفهوم الملدنية ونشوئها في الغرب يندر أن نجد ما يماثله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *