الرئيسية / مقالات / مَــاءٌ علــى مَــاءٍ تَحِيّة لسَعيد الكَفْراوِي

مَــاءٌ علــى مَــاءٍ تَحِيّة لسَعيد الكَفْراوِي


*صـلاح بوسـريف


يَسْتَغْرِقُنِي الشِّعْر، يأْخُذُ مِنِّي وَقْتا كثيرا، لا فَرْقَ عندِي بَيْن قَدِيمِه وحديثِه، ولا أُمَيِّزُ في قراءاتِي بين جِيل وجِيلٍ، فأنا حَرِيص على قراءة كُلِّ شيء، وعلى معرِفَةِ ما يجري في جغرافيات العالَم، من دون فرق بين مشرق الأرض ومَغرِبِها. حين أخْرُجُ من الشِّعر، لا أُبَدِّدُ وقْتِي في قراءة أيِّ شيء كان. فإذا كانت الفلسفة والتاريخ، بين ما يُوازِي اهتمامي بالشِّعر، والانشغال به، ففي السَّرد، أمِيلُ إلى انْتِقاء ما أقْرَأُهُ. 
كثيرةٌ هي الروايات والقصص، أو المحكيات التي لا تَرُوقُنِي، مهما كانت قيمة أصحابِها، أو ما يُكْتَب عنها في الصحف والمجلات، أو ما يكتُبُه النُّقّاد، من تقريظ، ومديح. فأنا في ما أقرأُه من سُرُودٍ، أبْحَث عن لُغَةٍ فيها من الشّفافَية ما يَذُوبُ في طَرَفِ اللِّسان. كما تَعْنِيني جُرْأةُ البناء، واخْتِلاق عوالم الحَكْيِ، والشُّخُوص. فالسَّرْدُ، ليس بالضَّرُورة نَثْرا، بالمعْنَى الذي يَلْتَبِسُ فيه الكلام العادي، أو الكتابات الإعلامية، وحتّى العلمية، بالنثر الإبداعي، الذي هو تَخْلِيقٌ لِلُّغَة، وتَفْتِيقٌ، أو تَشْقِيق لِسلاسَتِها، التي معها تَخْـــــرُجُ العبارات والجُمَل، وكأنَّها قُدَّتْ من جَمْرٍ. شعرية الحَكْيِ، إيقاع التراكِيب والصُّوَر، بناء الحكاية، بنوع من المَشْيِ الراقص، هذا ما يَأْخُذُنِي في ما أنْتَقِيه من سُرودٍ.
سعيد الكفراوي، هذا الرَّجُل التَّقِيُّ، الصَّالِحُ، الوَرِع، ليس بمعنَى وَرَع الصُّوفِيَة، الذين كانُوا يُقِيمُون عُزْلاتِهِم في جبل المُقَطَّم، بل بمعنى الوَرَع الإنْساني، الذي يَحْتَرِم قِيَم الصّداقَة والإبداع، ويَخْتارُ بعناية الإنْسان النَّزِيه، مساحَاتِ أراضِيه، التي فيها يَخْتَلِق عوالِم سُرودِه، وما يبتَكِرُه من شُخوص، ومن فضاءاتٍ، وأَمْكِنَة.
حين عَلِمْتُ بنيل سعيد لجائزة الدولة، بَدا لِي، كما كان حَدْسِي دائما، بمثل هذه الأمور، أنَّ الجوائز تَصِل إلى أصحابها مُتأَخِّرَة، مثل رسائل الحُبّ، وأنَّ مثل هؤلاء، من المُبْدِعِين الوَرِعِين، البعيدِين عن المُؤسَّسات، مهما كانت سُلَطُها، هُم من يُشَرِّفُون الجوائز، ويعطونها مشروعية، وليس العكس. لعلَّ أهمّ ما اسْتَفَدْتُه من هذا الأَمْر، أنَّ انتقائي لأعمال سعيد الكفراوي القصصية، منذ سنواتٍ، كان اسْتِباقا لِما احْتاجَتْه لجنة جائزة الدولة، في مصر، من وَقْتٍ لِتَصِل إليه. أعرفُ أنَّ سعيدا، كاتبٌ مبدع، يَدُهُ فيها الكَثِير من مهاراتِ من يَقُصُّون اللُّؤلُؤ، يُشَذِّبُونَه بِحِذْق ومهارةٍ، ويصنعون الفَرَح والدَّهْشَةَ، في ما يَبْتَكِرُونَه من أشْكال، ومواضيع. فالعِقْد الثَّمِين، إذا كان شَكْلا بالضَّرُورة، فهو موضوع في جوهره، والصَّانِع الماهِر الذي له خيالٌ بعيد، يَشْغَلُه موضوع العِقْد، لأنَّ الموضوع، هو حافِز الشَّكْل عندَه، أو هُما زَوْجٌ، لا يُمْكِنُ فَصْلُ أحدهما عن الآخر، أو تعريف أحدهما دون، وُجود الآخر. وَجْهان لِعُمْلَةٍ واحِدَةٍ.
بهذاالمعْنَى قرأْتُ سعيد الكفراوي، وانْتَبَهْتُ إلى يَدِه، التي فيها من رَعَشَاتِ الخَلاَّقِين، ما يَكْفِي لِفَهْمِ طبيعة القَلق الذي يَنْتَابُ البُسْتانِيَّ، وهُو يُشَذِّبُ العُشْبَ من الشّوائبِ. فما يَكْتُبُه سعيد الكفراوي، هو قصص، فيها تَغَم، وفيها رَقْصٌ وغِناء، أو هي نوع من النَّبْض الرَّاقص، وفق عبارةٍ للشاعر الفرنسي بول فاليري، الذي كان يقرأ النَّصَّ، وأذنه على موسيقاه. وبدون مبالَغَة، أو تقريض زائد، فسعيد الكفراوي، يُشْبِه السَّاعَاتِي، الذي تمرَّسَتْ عينُه على ضَبْط إيقاع بندول السَّاعَة، على إيقاع الزَّمَن.
لا أقوم، هنا، بدور النَّاقِد، بل أكْتَفِي بدور القارئ الذي يقرأ بِمُتْعَةٍ، حتَّى وأنا أخْرُجُ من مائي، لا أُحِسُّ في ضيافة سعيد الكفراوي، أنني عارٍ، أو بلا مأوْى، فسعيد، يعرف كيف يَرْفُو الشُّقُوق، ويُضْفِي ماء على ماءٍ، حيث لا ماء يعلو على ماءٍ، وهذا في ظَنِّي، هو معنَى ذلك الماء الذي كان الشّاعِريُون العرب القُدامَى، اعْتَبَرُوه من شُروط الكتابة الإبداعية، التي فيها إضافة وابْتِداع.
___
*القدس العربي

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *