الرئيسية / مقالات / الانقلاب التركي والإسلامويون العرب.. يوتوبيا الخلافة الضائعة

الانقلاب التركي والإسلامويون العرب.. يوتوبيا الخلافة الضائعة


*د.علي بن تميم


لقد بنى العرب وعلى رأسهم الإسلامويون، في تاريخهم الحديث، صورة يوتوبيا حالمة لنموذج حكم رشيد، لتنشأ صورة موهومة محكومة بتصورات زائفة ظلت محشورة في عناصر مفككة أحادية وشمولية، يمكن متابعتها في أطروحات كل من حسن البنا وسيد قطب وغيرهما، وهي بقدر ما تظهر التماسك والوحدة، فإنها تحمل في نموذجها بذور التفكك، حيث تصبح فكرة بناء الدولة الوطنية فيه وهما ويظل جمع شتات الأمة الإسلامية في منظومتها محض خرافة. 
وبعدما سعى الإسلامويون إلى وضع تصور للدولة المترقبة، ظلوا طيلة قرن كامل يبحثون عن تطبيقاتها وتجلياتها في الدول الإسلامية، دون أن يجدوا نموذجا قائما يقترب ولو من بعيد من تصوراتهم المنبتة الصلة بشروطها الدنيوية، وإن كان الطهطاوي (1801-1873)، أول مستنير سعى إلى إثبات أن النظام الديمقراطي الذي اكتشفه في فرنسا يتسق مع تعاليم الإسلام ومبادئه، إلا أن من جاء بعد الطهطاوي من المفكرين ظلوا يراوحون مكانهم، متناولين الحكم المطلق تناولا فيه قدر من التجريد الذي لا يمكن تحققه. وقد حدث ذلك مع خير الدين التونسي الذي وضع عام 1827 خطة شاملة لإصلاح نظام الحكم في كتابه الشهير “أقوم المسالك في تقويم الممالك”، لكن جمال الدين الأفغاني (1838-1897)، بدأ في تتبع نموذج صاف موحد لكل المسلمين، دون مراعاة خصوصيتهم وثقافتهم، بل تحدث عن أسباب مطلقة واحدة ومتوحدة لانحطاط المسلمين وردها على نحو غامض إلى غياب العدل والشورى متخلصا من المفاهيم الحديثة، مدفوعا بالحنين إلى نظام حكم إسلامي تاريخي قائم على الشورى، لكنه لم ينجح في شرحه وتحديد معالمه، مما أسهم في دفع التصورات التي أتت بعده إلى نموذج غامض يسعى في جوهره إلى التمايز عن الحكم الحديث ومماثلة الحكم الإسلامي التاريخي، وبالغ محمد رشيد رضا (1856-1935) الذي عزا نجاح فكرة الدولة الوطنية إلى أمرين لا ثالث لهما، وهما وحدانية الله والشورى، معززا بذلك عودة نموذج الدولة الأحادية، التي تقوم على مبدأ مخاتل مليء بالإشكالات والتأويلات، وهو “الحاكمية”. 
لكن سقوط الدولة العثمانية أو ما يعرف بالخلافة الإسلامية عام 1924، جعل الدعوات للعودة إلى النموذج الإسلاموي كما نظّر له الأفغاني ورشيد رضا عند كثير من الباحثين محل شك وارتياب، ولم يعد الإسلام السياسي محل جذب إلا عند ثلة قليلة تحن إلى الخلافة، وقد تجلى ذلك أولا عند حسن البنا ثم عند سيد قطب الذي أوغل في فكرة الحاكمية، وأعاد قراءة أنظمة الحكم المعاصرة من منظور ما عرف بالجاهلية، لكن “الربيع العربي” وسيطرة الإخوان المسلمين على الحكم في تونس ومصر، جعل نموذج الإخوان المسلمين، أكثر من أي وقت مضى، في مهب الريح، إذ وجد نفسه، مضطرا لرفع شعار النموذج الدنيوي للحكم الحديث، إلى شكل إسلاموي ديمقراطي منفتح على الغرب بعدما كان أسلافه يرفضونه بالكامل. حدث ذلك على الأقل في إيران ثم في مصر وتونس، إذ قدمت الدولة الإسلامية في كل تلك الدول نموذجا سيء السمعة، وفشلت فشلا ذريعا، أسهمت في دفع مرحلة محورية لتفكك نموذج الحكم في الإسلام السياسي واضمحلال المخيلة الإسلاموية المتطلعة إليه، ليس في نظر الإخوان فحسب بل في نظر العرب بشكل عام، هذا النموذج المنحلّ والمتحلل، كان أحد أشكال انهياره، ظهور داعش من جهة الذي طبق على نحو صارم، المباديء الواهمة للدولة الإسلامية المتخيلة، وجاء إعلان الغنوشي المخاتل في يوليو من هذه السنة بقطع الصلة مع هذا النموذج وإعلانه فصل الديني عن السياسي، وكأنه بذلك ينقلب على نفسه، ويفكك منظومته بيده.
لعل المطلع على تصريحات القرضاوي بعيد محاولة الانقلاب الفاشلة على أردوغان، يدرك على نحو جلي بأنه وبقدر ما يدافع عن أردوغان، فإنه يدافع في الوقت نفسه عن النموذج اليوتوبي الحالم للخلافة الإسلامية، تماما كما نظّر له من قبل رشيد رضا وسيد قطب، تلك التي لم يبق منها إلا أطياف عقب انهيار الخلافة وانهيار حكم الأخوان في مصر وتونس، وهي انهيارات ماحقة تقود العرب يوما بعد اليوم إلى اكتشاف البعد الأسطوري والخرافي فيه، ولعل آخر تجليات الإسلام السياسي القوية النموذجية تظهر في حكم أردوغان، التي صارت مثالا لدى الإسلامويين العرب يبعث على الفخر والاعتزاز، ولطالما أشاروا إليه بالبنان، و اتخذوه نموذجا للمقارنة، وتغنوا على قدرته في الإفادة من الآخر وتقديم نموذج دنيوي مدني ديمقراطي لا يتنكر للمباديء الإسلامية بل يسعى إلى بعثها ، ذلك الأمر نفسه الذي قاد القرضاوي إلى أن يقول لأردوغان، وليس لتركيا، بأن “الله معك وشعوب العرب والمسلمين معك، وكل الأحرار في العالم معك، ونحن علماء الأمة الإسلامية في المشارق والمغارب معك.. وجبريل وصالح المؤمنين، والملائكة بعد ذلك ظهير.”
لم تكن محاولة الانقلاب على أردوغان إذن إلا إنذاراً بانهيار ليس “الحكم الأردوغاني” بل فكرة الحكم في الإسلام السياسي كما ينظّر له الإخوان. إنها خيبات متصلة وسلسلة متكررة من الفشل، بدأت في إيران ومصر وتونس من جهة ومع داعش من جهة أخرى، ومثل هذه الأنظمة التي ترفع شعارات الإسلام تؤكد يوما بعد يوم، تهاوي الثقة والإيمان بقدرة نموذج الخلافة على بناء دولة حديثة، ، ولعل الاستجابة الإيجابية المذهلة للإسلامويين ودعمهم لأردوغان ضد محاولة الانقلاب الفاشلة هذه، تصدر بالدرجة الأولى وتنطلق من إيمان عميق بأن أطلال الإسلام السياسي الذي يمكن المراهنة عليه في خداع الشعوب العربية والإسلامية، لم تعد قائمة إلا في نموذج أردوغان، وانهياره يعني انهيار المبدأ كله، كما يعني انهيار آخر التصورات التي يمكن المراهنة عليها. 
لقد زلزلت إذن محاولة الانقلاب الفاشلة على أردوغان الصورة المتخيلة للإسلام السياسي، وما التفاعل الذي يظهر بوصفه داعماً لأردوغان إلا شكلاً من أشكال الصدمة التي سرعان ما ستتعقّل في السنوات القليلة المقبلة، إذ أنّ مآلات الانقلاب الفاشل على أردوغان لم تظهر بعد، وإنما ستتكشف النتائج الفادحة لما بعد الانقلاب.
___
*موقغ 24

شاهد أيضاً

مدن أم عناقيد قرى!

*خيري منصور ما كتب عن مفهوم الملدنية ونشوئها في الغرب يندر أن نجد ما يماثله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *