الرئيسية / إضاءات / بين غابرييلا مسترال وبابلو نيرودا.. الوطن والشعر ونوبل

بين غابرييلا مسترال وبابلو نيرودا.. الوطن والشعر ونوبل




*احمد الزبيدي


عرفت شيلي ولادة اثنين من أعظم شعراء القرن العشرين وهما غابرييلا ميسترال التي ولدت عام 1889ورحلت عن دنيانا عام 1957 وبابلو نيرودا(1904-1973)، لم تكن موضوعات قصائدهما مقتصرة على التعبير عن العواطف والاحاسيس والمشاعر بل تناولت قضايا الوطن والناس الفقراء والبسطاء.

غابرييلا ميسترال وبابلو نيرودا هما من الشخصيات العالمية التي أبهجت أشعارهم نفوس كثير من الناس لعمق قصائدهم وعاطفتها المتقدة.ورغم ان الاثنين كانا يعيشان حياة غير مستقرة الا ان قوة مواهبهما وعبقريتهما الشعرية وشغفهما بالكتابة قادهما للفوز بجائزة نوبل للآداب. منحت غابرييلا ميسترال الجائزة في عام 1945، لتصبح أول امرأة من امريكا اللاتينية تفوز بالجائزة، وفاز بابلو نيرودا بالجائزة في عام 1971 حين اطلق عليه الروائي غابرييل غارسيا ماركيز لقب “أعظم شاعر في القرن العشرين.” وبفضلهما فقد بدأ يطلق على شيلي أرض الشعراء. كان اهتمام ميسترال ونيرودا منصبا على معاناة مجتمعهما وكان لهما نشاط سياسي متميز. وكلاهما ناضل من أجل حقوق المحرومين في المجتمع التشيلي وحاولا ان يكون شعرهما وسيلة للفت انتباه العالم لمأساة شعبهما ومعاناته. كما كان لهما على حد سواء نفس المصير المؤسف لأن كلا منهما توفي بشكل مأساوي بسبب الاصابة بمرض السرطان. عندما كان نيرودا في سن المراهقة بدأ يتعرف على شعر ميسترال، ويذكر بابلو نيرودا إن الشاعرة غابرييلا ميسترال هي التي عرفته بالأدب الروسي، والذي سيؤثر بشكل كبير على اعماله.
تعتبر غابرييلا ميسترال الى يومنا هذا من أكبر الكتاب في تشيلي. ولدت في عام 1889، وكانت امرأة تحمل الأفكار التقدمية، وهذا يعني انها قد سبقت زمانها بكثير حيث كانت تعيش في مجتمع تقليدي. تربت في بيئة فقيرة وريفية، وكانت حياتها الأسرية غير مستقرة وغير منظمة. وبعد أن اصبحت مدرسة، حاولت ان تجعل للمرأة الشيلية صوتا مسموعا وتشجعها على النضال من أجل حقوقها. و نشرت مقالات مثيرة للجدل في الصحف والمجلات، وجعلت التشيليين يدركون فشل النظام التعليمي. كانت حياتها المأساوية هي الوقود لشعرها، حيث جسدت المعاناة والشعور بالوحدة، في ديوانها (سوناتات من الموت) وبعد ذلك صدمت بحادثة انتحار ابن أخيها – الذي كانت تعتبره ابنا لها و بدأت تتناول موضوع الموت في شعرها -. كما كتبت عدة قصائد عن تشيلي وأمريكا اللاتينية، وخاصة في مجموعتها الشعريةالثانية ( تالا). دافعت عن الهوية الثقافية لتشيلي ضد هيمنة أمريكا الشمالية، ودعمت حركة ساندينيستا في نيكاراغوا. كانت صارمة جدا مع نفسها و شعرها، وكانت تصحح قصائدها مرارا وتكرارا قبل أن تقرر أنها صالحة للنشر، وهذا هو السبب في أنها نشرت فقط 379 قصيد ة- من نحو أكثر من 800 قصيدة – كتبتها عندما كانت على قيد الحياة. و كانت هناك 400 قصيدة او أكثر كانت تعتقد انها لا تستحق النشر وقد تم االعثور عليها ونشرت بعد وفاتها. وعلى شاهد قبرها كتبت العبارة التالية ” ما يقدمه الفنان لبلاده يشبه ما تقدمه روح الانسان لجسده ” تعبيرا عن التزامها الأبدي بقضايا شعبها و بلادها.

اما بابلو نيرودا، ذلك الطالب الخجول من المحافظات البعيدة الذي انتقل الى العاصمة سانتياغو وهو في سن السادسة عشرة آملا الحصول على فرصة ككاتب. فقد قال انه اضطر لبيع ساعة والده ليكون قادرا على طبع كتابه الأول .
كتب بابلو نيرودا قصائد عندما كان في العشرين من العمر قُدر لها أن تنتشر أولا في أنحاء تشيلي ولتنتقل بعدها إلى كافة أرجاء العالم لتجعل منه الشاعر الأكثر شهرة في القرن العشرين من أمريكا اللاتينية. من أشهر مجاميعه هي “عشرون قصيدة حب” و”أغنية يائسة” التي ترجمت أكثر من مرة إلى اللغة العربية. ” في هذه الليلة، أنا قادر على كتابة أكثر القصائد حزناً” كتب سيرته الذاتية بعنوان” أشهد أنني قد عشت” عندما أطاح الجنرال بينوشيه عام 1973 بالحكومة الاشتراكية المنتخبة ديمقراطياً وقتل الرئيس سلفادور أليندي, هجم الجنود على بيت الشاعر وعندما سألهم ماذا يريدون أجابوه بأنهم يبحثون عن السلاح فأجابهم الشاعر أن الشعر هو سلاحه الوحيد.كانت قصائده تتقد عاطفة وحماسا وكشفت عن عبقرية شعرية فريدة من نوعها على الاطلاق.
يعد مناضلا سياسيا كبيرا، واصبح عضوا بمجلس الشيوخ في بلاده وفي اللجنة المركزية للحزب الشيوعي التشيلي كما أنه مرشح سابق للرئاسة في بلاده وتنازل عن الترشيح للرئيس الاشتراكي سلفادور الليندي. نال نيرودا العديد من الجوائز التقديرية أبرزها جائزة نوبل في الآداب عام 1971 وحصل على الدكتوراه الفخرية من جامعة أوكسفورد. وكتب عنه الناقد الأدبي (هارولد بلووم): “لا يمكن مقارنة أي من شعراء الغرب بهذا الشاعر الذي سبق عصره”. وتوفي في 23 من ايلول عام 1973.
_______
*المدى

شاهد أيضاً

انتحار نعيمة البزاز.. راوية الجيل الثاني للمهاجرين المغاربة بهولندا

عماد فؤاد “هل الاكتئاب شيء هولندي، أوروبي؟ أم جزء من عملية الاندماج ذاتها؟”- هكذا تساءلت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *