الرئيسية / فكر / «ثلاثية الأخلاق» لكانط: أبعد من ضرورات الحياة المادية

«ثلاثية الأخلاق» لكانط: أبعد من ضرورات الحياة المادية


*إبراهيم العريس


لم يكن الألماني ايمانول كانط الفيلسوف الوحيد الذي اهتم بالمسألة الأخلاقية، فما من مفكر على مر العصور، ومنذ العقلانية الإغريقية وحتى اليوم، إلا وكانت دراسة هذه المسألة جزءاً أساسياً من اهتماماته. ومع هذا يمكن القول إن كانط كان أكثر من غيره من الفلاسفة اهتماماً بالأخلاق، إلى درجة أنه خلال المرحلة الأخيرة من حياته ومساره الفكري، وضع عن الأخلاق ثلاثة من أهم كتبه، إذا استثنينا مؤلفه الأكبر «نقد العقل الخالص» (الذي يتناول الأخلاق بدوره في فصول عدة منه). وهذه الكتب هي «تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق» (1785) و «نقد العقل العملي» (1788) وأخيراً «ميتافيزيقا الأخلاق» (1797)، الذي يعتبر نوعاً من التفسير والتبسيط مع شيء من التطوير للكتابين الأولين.
> في هذه الكتب الثلاثة، ولكن خصوصاً في الكتاب الأخير، كشف كانط أنه، إذ اعتقد خلال مرحلة مبكرة من مراحل تطوره بـ»إمكان قيام الأخلاق على الحسّ الجواني»، أو حتى على العاطفة مباشرة (في خطوات يتراوح تحركه فيها بين مفكرين إنكليز من طينة شافتسبري، والفرنسي جان – جاك روسو)، فإنه في المرحلة الجديدة، بات يؤمن أن الفلسفة الأخلاقية لا يمكنها أن تقوم إلا على العقل وحده، ما دام العقل هو ما يشكل مصدر الإلزام الأخلاقي، أي الوازع الأخلاقي. وانطلاقاً من هنا لم يعد كانط قادراً إلا على أن يسم الأخلاق بسمة «الضرورة المطلقة» منادياً بوجود قوانين أولية «كلية الضرورة في مضمار السلوك البشري» وكان هذا نوعاً من التجديد الأكيد في دراسة المسألة الأخلاقية في ذلك الحين.
> إذا، بعدما كان كانط في ماضيه القريب يستند إلى ما يمكن اعتباره علم النفس في مجال إقامة الفلسفة الأخلاقية، أصبح لاحقاً ينادي بأن الأخلاق لا يمكنها أبداً أن تقوم على أسس تجريبية، مؤكداً وجود «وازع أخلاقي مطلق» ينتمي إلى ما يسميه الفيلسوف «عملية تركيبية قَبْلية». والحال أن هذا التفكير الجديد لدى كانط، أعاده في السياق نفسه إلى معاني «الله» و «الحرية» و «الخلود» التي كان في الماضي قد استبعد إمكان البرهنة عليها نظرياً، ليعتبرها الآن مسلّمات أخلاقية يستلزمها العقل – بحسب تعبير باحثي أعماله – مستخلصاً أن «علينا أن نبني الميتافيزيقا على الأخلاق، بدلاً من أن نبني الأخلاق على الميتافيزيقا» واصلاً، من ناحية التعريف إلى أن «مسلّمات العقل العملي هي قضايا نظرية حقاً، لكنها لا تقبل أن يُبرهن عليها باعتبارها كذلك» بل هي «ترتبط أساساً بقانون عملي ذي قيمة لا مشروطة من وجهة نظر قَبْلية ضرورية».
> واضح أن كانط لا يعبأ هنا بمذهب المنفعة العامة (النسبي)، كما أنه – وبحسب برتراند راسل – لا يعبأ بأية نظرية تجعل للأخلاق غرضاً خارجها، ومن هنا نجده، وبحسب كلماته نفسها، يتوخى التأكيد على وجود «ميتافيزيقا للأخلاق معزولة في كينونتها الخاصة عزلة تامة، غير مختلطة باللاهوت أو الفيزياء أو أي شيء خارق». ويرى كانط في هذا الإطار أن جميع «المفاهيم الأخلاقية تحتل مكانها وتستمد أصلها، قَبْلياً تماماً، في العقل نفسه». وذلك، لأن القيمة الأخلاقية توجد فقط عندما يقوم المرء بفعل ما، انطلاقاً من إحساسه بالواجب فقط. والمرء لا يكفيه أن يأتي الفعل مطابقاً لما يقضي به الواجب. كأن يكون التاجر أميناً مثلاً لأن في ذلك مصلحته الخاصة، أمر لا يكفي لجعلنا نعتبر هذا التاجر فاضلاً. فجوهر الأخلاق يتحتم أن يُستخلص من تصور القانون. ذلك أنه، إذا كان كل شيء في الطبيعة يتحرك بمقتضى قوانين، فإن الكائن العاقل هو وحده الذي يتحرك بمقتضى فكرة القانون، أي تصوّر القانون، لا انطلاقاً من فيزيائية القانون وحتميته»، ما يضعنا مباشرة أمام مبدأ الإرادة… وبالتالي فكرة سيطرة العقل. أما صيغة هذه السيطرة فإنها تسمى، بحسب كانط، وازعاً… والوازع هنا عقلي – أخلاقي في آن معاً. وإذ يقول كانط هنا، منذ بداية القسم الأول لـ «تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق» أن «من كل ما يمكن تصوره في العالم، بل خارج العالم بصورة عامة أيضاً، ليس ثمة ما يمكن أن يعد خيراً من دون حدود أو قيود، اللهم إلا الإرادة الخيّرة». ويفسر لنا د. عبدالرحمن بدوي، أن ما يقصده كانط في هذه العبارة المفتاح هو «أن الإرادة الخيّرة هي وحدها التي يمكن أن تعد خيراً في ذاته، أو خيراً مطلقاً أو خيراً غير مشروط» موضحاً أكثر أن «الإرادة الخيّرة يجب أن تكون خيّرة في كل الظروف، ومهما كانت الأحوال، فلا تكون خيّرة في ظرف، غير خيّرة في ظرف آخر. أو خيّرة كوسيلة لغاية، وشريرة كوسيلة لغاية أخرى». وهنا يحذرنا كانط من خطر «الخلط بين الإرادة الخيّرة، وبين مجرد الرغبة في الخير من دون اتخاذ الوسائل المتاحة لتحقيقه». وهذا ما يفسره كانط في «نقد العقل العملي» حيث، لتوضيح طبيعة هذه الإرادة الخيّرة يستعين بفكرة «الواجب». فالإرادة التي تعمل وفقاً للواجب هي إرادة خيّرة، بالضرورة. أما الواجب فإنه هو هو ضرورة إنجاز الفعل احتراماً للقانون. أما القانون فصفته الجوهرية تكمن في أنه كلي «أي صادق في الأحوال كافة من دون استثناء». والقانون الأخلاقي هو ذلك القانون الذي يقول لنا إن الفاعل الأخلاقي يتصرف أخلاقياً إذا سيطر العقل على كل ميوله.
> وانطلاقاً من مبدأ عقلانية الأخلاق هذه، يوصلنا كانط إلى فكرة الحرية، على أساس أنها فكرة لا يمكن فصلها أبداً عن فكر العقل… لأن «فكرة الحرية هي محور مذهب العقل الخالص – العقل النظري والعقل العملي في آن معاً -». وهو يكون، في هذا، قد مهد الطريق لتحويل سيادة العقل العملي على العقل النظري إلى علاقة علّية، أو «علاقة شرط بمشروط»، كما ينقل د. زكريا إبراهيم عن مؤرخ الفلسفة الفرنسي ف. دلبوس.
> وإذ يصل كانط إلى هذا يفيدنا أيضاً أن التجربة لا تفيد أبداً في عملية وضع مبادئ الأخلاق، لأنه من المستحيل أن نعثر في الواقع العملي التجريبي على فعل أخلاقي صادق بالمطلق… بمعنى أننا من المستحيل تماماً أن نقرر، بالتجربة وبيقين كامل ونهائي، حالاً واحدة قام فيها الفعل، المطابق مع هذا للواجب، «على مبادئ أخلاقية فقط وعلى امتثال مطلق للواجب»، ما يعني أن «ميتافيزيقا الأخلاق تضع قوانين الكائنات العاقلة بعامة، لا قوانين الطبيعة الإنسانية وحدها». ومن هنا فإن القانون الأخلاقي إذا كان ينبغي أن يكون صادقاً بالنسبة إلى أناس بعينهم، فإن عليه أن يكون أيضاً صادقاً بالنسبة إلى الكائنات العاقلة بعامة» مستخلصاً أن «مثل هذه الميتافيزيقا الأخلاقية، المعزولة تماماً عن أي شيء آخر، غير الممزوجة بأي علم للإنسان، ولا باللاهوت ولا بالفيزياء، ولا بما فوق الفيزياء، ولا بالصفات التي يمكن أن تسمى تحت – فيزيائية، ليست فقط أساساً لا غنى عنه لكل معرفة نظرية بالواجبات معرفة اليقين، بل هي أيضاً أمر مرغوب فيه ذو أهمية قصوى في ما يتعلق بالإنجاز الفعلي لأوامرها، لأن امتثال الواجب – الوازع – والقانون الأخلاقي بعامة، حين يكون هذا الامتثال محضاً غير ممزوج بأية إضافة غريبة لدوافع حسية، له تأثير في القلب الإنساني من طريق العقل وحده، تأثيراً أقوى بكثير من تأثير الدوافع الأخرى كلها، التي يمكن أن تثار في مجال التجربة».
> حين بدأ ايمانويل كانط (1724- 1804) فيلسوف الألمان التنويري الأكبر، إلى جانب هيغل، في وضع ثلاثيته الأخلاقية هذه، منذ العام 1785، كان تجاوز الستين من عمره، وكان أنجز العدد الأكبر من كتبه الأساسية التي صنعت له شهرته ومكانته، والتي وسمته بـ «صاحب النزعة العقلية التامة» وجعلت منه فيلسوف النقد الأكبر في تاريخ الفكر الإنساني، هو الذي أحب العلوم الدقيقة متخذاً منها، بحسب عبد الرحمن بدوي الذي خصّه بالعديد من الكتب المترجمة أو الشارحة، «نقطة انطلاق لتكوين نظرة شاملة إلى الكون، نظرة فلسفية تنتظم المعرفة البشرية عامة»، ومن هذه الكتب «نقد العقل الخالص» و «نقد ملكة الحكم» و «نحو سلام دائم».
________
*الحياة

شاهد أيضاً

كتاب الدين والاغتراب الميتافيزيقي

*د. عبدالجبار الرفاعي تأتي أفكارُ كتاب (الدين والاغتراب الميتافيزيقي) في سياق ما جاء في كتابي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *